العنوان الأمم الأطلال.. هل تنهض من تحت الأنقاض؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1363
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 17-أغسطس-1999
الأمم الأطلال والرسوم البالية، والشعوب الخيالات الباهتة، والعظام النخرة والدول الخشب المسندة، والهشيم المحترق، يفوح من جوانبها كل يوم رائحة الحطام المهترئ، وينبعث من ركامها كل حين غبار العصف الملتهب، فتحس الأنين المكتوم، والزفير المكلوم، والحشرجة المكبوتة، والصراخ المدفون، فإذا سالت فالويل لك، وإذا تحدثت فاللعنة تحل بك، وإذا اعترضت فقد قامت قيامتك والنار مثواك، والجحيم في انتظارك، وتتخطفك مقامع الزبانية، أينما كنت وحيثما أنت، وتحل عليك بركات الاتفاقات الأمنية، ومعاهدات مكافحة الإرهاب، وتنتظرك القضايا المفصلة والمرصودة في كتالوجات حسب المقاسات والأحجام، وقد يصل الأمر إلى الاستدعاء بالإنتربول، مادام الأمر يتعلق بخدمة العرب الأمجاد الذين يعيشون في بلادهم كرامًا أسيادًا.
ولكن هل يستطيع أحد مهما بلغ من الجبروت والطغيان أن يمنع ظلام الليل من رؤية العيون، أو يكبت ثورة البركان المجنون؟ كما أن خلال الجبارين لا تتوارى كثيرًا، وطباع الباغين لا يستطيعون سترها طويلًا، وصدق من قال:
ومهما تكن عند أمري من خليفة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم
والعجوز الشمطاء لا تستطيع المساحيق ولا الأصباغ مواراة قبحها مهما ادعت أنها عروس في عمر الزهور، أو أنها ملكة جمال الكون، وكل يوم يبدو في أمتنا شيء من المستتر المدفون، ويظهر بعض من قدرنا المحتوم، فتارة يبدو حجم الديون المهول وتارة أخرى يظهر حجم الخيانة الملعون، والعمالة المرذول، فيظهر أن بعض دولنا العلية، وأنظمتنا السنية على صلة بإسرائيل منذ ٢٥ عامًا بالتمام والكمال، وأخرى على علاقة منذ أربعين سنة بالعد والنقد، وتلك على صلة من يوم أن أعلنت دولة صهيون، والشعب المسكين والأمة المخدوعة ترضع الوطنية صباح مساء على أيديهم، وتقتات الخطب الحماسية من أفواههم، وتعيش العنتريات الوهمية في جنباتهم، ثم يتبين وعلى الملأ حجم الصداقة الحميمة والخلة المتينة التي تربطهم بأعداء الأمة والمتربصين بها.
حقيقة كان حجم الصدمة عظيمًا لكل مخلص، وكارثيًا لكل مخدوع، ومضللًا لكل ساذج، ولكن لم ظهرت هذه الكرامات السلطوية والنفحات الصهيونية في هذه الأوقات، وفي تلك الأيام أهي سذاجة من الأعداء أم العملاء؟ أم هو أمر مخطط ومدروس ومنظم ومحسوب بدقة، اعتمادًا على دراسة شعوبنا وهويتنا وإحساسنا فكلما وجد أن جسم الأمة قد مات او أوشك، وأن نفوسها قد وهنت أو كادت، أظهرت من الحقائق المخبوءة والوقائع المجهولة ما يكون فيه نهاية لما تبقى من آمال، وخلاص لما تخلف من تخوف، أو لتكون هذه رصاصة رحمة تطلق لتخلص الشعوب من عبير الوطنيات وأريح الشعارات التي عاشت بها زمنًا وغدًا، وحلمت بها سنين عددًا.
وسقط آخر جدران الحياء، ويبست فينا عروق الكبرياء، ولم يعد يخجلنا شيء أو يرعبنا شيء، وهنئنا بسلام الجبناء، وسقطت عذريتنا دون أن نهتز أو نثور أو نخجل أو نصرخ أو يرعبنا مرأى الدماء، وركضنا ولهثنا، وتسابقنا لتقبيل حذاء القتلة، ووقفنا كأغنام أمام المقصلة، ننتظر الذبح وسفك الدماء، وسقط التاريخ من أيدي العرب وسقطت أهازيج البطولة، وسقطت حطين وصلاح الدين وسقطت أنطاكيا، وعمورية، وقطز، وسقطت أعراضنا، وسقطت الأندلس الجديدة، وهرول الجبناء والمنافقون والتجار والنخاس، فمن تراه يسأل عنا، ومن تراه يسألهم عنا، وعن شعورنا، ومن قلوبنا وأكبادنا وهاماتنا، بعدما اسكتوا الشارع. واغتالوا جميع الأسئلة، ونصبوا في عرض الطريق المفصلة، وتشرد الناس على أرصفة الحزن بلا مأوى أو ديار أو طعام أو شراب كالضفادع والجرذان والهوام، لتعرض صورنا على جميع الأقنية، ووجدنا أنفسنا بعد هذا في مزبلة، ولم نساو جميعًا خردلة، ووقفنا حيارى لم يعد لنا في قادتنا شيء، لم يعد حتى أطلال لكي نبكي عليها، وكيف تبكي أمة أخذوا منها المدامع وسلبوا منها الإحساس، واقتلعوا منها القلوب، وسجنوا منها الأجساد؟
والآن الآن فقط قد اطمأنوا للجسد الهامد، والروح القتيل، والقلب الكسير، فبدأت تظهر الحقائق، ويتكشف ما وراء السدود، وصار يعلن عن إخراج شيء مما وراء القيود وفي أعماق السجون، فسمعنا أن هناك نظامًا عربيًا أفرج عن ٢٠٠ ألف مسجون منحة ومقدمة لصلح مع الأعداء مأمول، ونظام آخر يخرج ٤٦ ألفًا على روح المرحوم، فقلت ليت شعري ما عدد المسجونين إذا كانت بعض المنح ٢٠٠ ألف و٤٦ الفًا فما عدد من في السجون؟ أيقارب العشرين مليونًا؟ لا تشغل البال، فالكل مسجون من داخل السجون ومن خارج السجون، والحديث في هذا يا صديقي ذو شجون، ولكن أفهؤلاء المسلمون التائهون الخابطون على التخوم؟ أبدًا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون من هؤلاء الصاغرون، أفهؤلاء المسلمون التائبون العابدون الراكعون الساجدون؟
من هؤلاء الضائعون أفهؤلاء المسلمون *** من هؤلاء الخانعون أفهؤلاء المسلمون.
من هؤلاء الهالكون أفهؤلاء المسلمون *** أبدًا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون
من كان للإسلام، فليضرب بمعوله الفساد *** ويصيح باللص العتي: كفاك من شبع وزاد
ويصيح بالفساق: إياكم وأعراض العباد *** ويصيح بالطاغين ويحكم لقد ذهب الرقاد
ويصيح بالغادين ويلكم إذا حان الحصاد *** وطواكمو حد المناجل بين أذرعة شداد
ونظرتم فإذا الظلام عليكم حنق السواد *** ريح مصرصرة الزئير كأختها في يوم عاد
نسفيكم من ويلها وخرابها حمم الرشاد *** وأخيرًا فلعله يكون في يوم الكسوف كسوف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل