العنوان كيف تبدو علاقة الدب الروسي بالعالم العربي؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1980
مشاهدات 86
نشر في العدد 482
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 27-مايو-1980
- كيف يدعي البعض تأييد الروس لقضيتنا، بينما يرسل ما يزيد عن (٥٠) ألف يهودي مهاجر لفلسطين سنويًا؟
- ما قدمه الروس للعرب ليس سوى بضعة خناجر في ظهر الأمة.
حول علاقة الدول العربية بالدب الروسي على المستوى السياسي طالعتنا بعض الصحف المحلية صباح الثلاثاء 20/٥/1980م، بحديث لوزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام حاول فيه الوزير مراجعة أوراق العالم العربي مع الروس الشيوعيين ليخلص إلى نتيجة ذهب إليها في أن الروس قد أعطوا العرب كل شيء، فماذا أخذ السوفيات من العرب؟
ويبدو أن الوزير يبحث عن معطيات جديدة تدفعها الأنظمة العربية للروس أو للمعسكر الشيوعي بعامة، بحيث يكون ذلك ثمنًا لشيئين اعتبر الوزير أن العرب أخذوهما من السوفيات، وهما السلاح الروسي الذي اشتراه بعض العرب من الروس، والبيانات التي يصدرها الكرملين الشيوعي بين الفينة والأخرى في تأييد بعض الأنظمة العربية.
وقبل أن تعلق على العلاقة العربية الروسية، وقبل أن نفتح ملف الروس الشيوعيين في العواصم العربية، يحسن بنا أن نذكر النقطتين التاليتين:
- إن ما أخذه بعض العرب من سلاح الاتحاد السوفياتي لم يأخذوه بالمجان أبدًا، وإنما دفعوا ثمناً له من مالهم أضعاف السعر العالمي لسوق السلاح، ثم إن جميع أصناف الأسلحة التي اشتراها العرب من الروس ابتداء بعبد الناصر، وانتهاء بالنظام العدني هو من النوع المصنف، الذي ضاقت به مستودعات السلاح في أنحاء الاتحاد السوفياتي، وقد دخل العرب بهذا السلاح معركتين خاسرتين مع العدو اليهودي عام (١٩٦٧م)، وعام (١٩٧٣م).
- أما ما يصدره الاتحاد السوفياتي من بيانات تؤيد بعض الدول العربية، فهذا لا يعتبر دعمًا للقضية العربية التي هي قضية إسلامية في الدرجة الأولى، وإنما يعتبر كل ما صدر عن الاتحاد السوفياتي من بيانات خصصت لدعم بعض الأنظمة التي كانت مرتبطة بالاتحاد السوفياتي بشكل أو بآخر من أشكال التعامل مع الروس، بل إن بعض البيانات التي أصدرها الروس بخصوص القضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة لا يتعدى كونها حروفًا جوفاء، لا تخرج عن المطلب اليهودي في البقاء فوق التراب الإسلامي في فلسطين.
بعد هذا نأتي إلى العلاقة بين عالمنا العربي -وهو جزء من العالم الإسلامي- والروس الشيوعيين الذين هم أحد الطرفين الكبيرين في لعبة الوفاق الدولي، الرامية إلى اقتسام النفوذ في هذا العالم.
لنعد قليلًا إلى عام (١٩٤٨م) حيث نستقرئ واقع الموقف الروسي من قضية فلسطين، لنجد أن ملفات الأمم المتحدة تشهد أن الاتحاد السوفياتي كان أول دولة أصدرت بيان الاعتراف بوجود الدولة اليهودية المستقلة على أرض فلسطين، وليعلم دعاة ربط العالم العربي والعالم الإسلامي بالشيوعية الدولية والاتحاد السوفياتي أن الاتحاد السوفياتي نفسه كان منذ البدء هو المصدر البشري الأول للدولة اليهودية القائمة على أرض فلسطين المحتلة، وما زال الأمر على هذه الشاكلة حتى اليوم، حيث تناقلت بعض وكالات الأنباء مؤخرًا.
إن الاتحاد السوفياتي يمد الدولة اليهودية بما يزيد على (٥٠) ألف مهاجر من اليهود الشرقيين سنويًا، ويحسن بالمراقب المنصف إذا أراد أن يقف على حقيقة العلاقة العربية مع الروس الشيوعيين أن يتخذ من قضية اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفياتي لتقوية الدولة اليهودية في فلسطين الإسلامية- مفتاحًا لمعرفة حقيقة الموقف الروسي من قضية العرب والمسلمين، التي يردد الروس حولها بعض البيانات الخرقاء بين الفينة والأخرى، إلى جانب ما يقدمه الكرملين من فكر كافر ملحد، يهدف إلى ضرب العقيدة الإسلامية في البلدان التي تؤيد الروس أنظمتها بياناته.
- فالسوفيات الذين أيدوا عبد الناصر عام (١٩٥٦م) من وراء ميكرفونات راديو موسكو، حاولوا أن يصنعوا من شخصية هذا الرجل أسطورة تحتذى- كانوا يهدفون إلى أمرين:
- بيع السلاح واستدرار المال العربي للمصلحة السوفياتية المحضة.
- دخول معركة النفوذ في الشرق الأوسط، التي كانت قائمة على أشدها بين فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة.
- ربط النظام المصري بالشيوعية؛ بهدف نشر الفكرة الماركسية على الأرض العربية في محاولة يائسة لضرب الإسلام الذي كان على وشك التحكم بالحياة العامة منذ بداية الخمسينات في مصر، وفعلًا فقد ضرب الإسلام مرات متعددة بعد ذلك.
- أما موقف السوفيات الشيوعيين من العرب في حرب (١٩٦٧م) فهو البلية التي تضحك، على حد ما يرويه المثل العربي وشر البلية ما يضحك، فالموقف الروسي الشائن، بل هو الموقف الخائن للعرب والمسلمين جميعًا، وهي خيانة لا تقل عن درجة العداوة الصريحة أبدًا، إن هذا الموقف يتلخص في نقاط هي:
- وضع الدول العربية في موضع الحاجة للكرملين في كل تحركاته، ووضع الأنظمة العربية في العلبة السوفياتية في كل تحرك عسكري أو سياسي أو دولي.
- ربط الأنظمة العربية بالسلاح الروسي -الذي قلنا إنه سلاح قديم مصنف- من أجل مواجهة دفاعية مانعة مع إسرائيل.
- كشف الجبهات العربية، وأماكن التجمع العسكري، ومراكز السلاح بالوثائق للعدو اليهودي.
- التدخل في توقيت المعركة -كما صرح عبد الناصر صديق الروس الحميم آنذاك- ولا سيما في مسألة التريث والانتظار الذي تمكنت قوات اليهود من تدمير السلاح المصري بكامله بساعات قليلة.
- الوقوف في مجلس الأمن على طرف اللعبة الهادفة لإقناع الشعب العربي المسلم بإيجاد حدود على خارطة فلسطين وغيرها من البلاد العربية- تحدد مواقع الدولة اليهودية في المنطقة.
- العمل لإنجاح قرار مجلس الأمن (٢٤٥) والذي يتضمن المطالب التي كانت إسرائيل تطالب بها على مدى السنوات العشر السابقة لحرب (١٩٦٧م)، ومن ذلك دعوة العرب لحق إسرائيل في إقامة دولة مستقلة على الأرض الإسلامية.
وماذا أفاد الروس من هذه الحرب الخاسرة التي دفعوا فيها العرب إلى السقوط؟ لقد توسعت أسواق السلاح الروسي، ولعلها كانت لعبة اقتسام الموارد السلاح بين الدول الكبرى، وبالفعل، فقد راج السلاح الروسي بعد حرب (١٩٦٧م) في مختلف العواصم العربية كبغداد، ودمشق، والقاهرة، وطرابلس الغرب، والجزائر، ولهذا فإننا نصف من يدعي أن الاتحاد السوفياتي قدم كل شيء للعرب عندما قدم لهم السلاح بعدم قول الحقيقة أبدًا، والواقع أشار منذ عام (١٩٥٦م) إلى أن الروس ينصبون اهتمامهم بالمنطقة طمعًا في فتح أسواق السلاح من ناحية، والعمل على نشر الفكرة الشيوعية بأشكال مختلفة بين المسلمين من ناحية أخرى.
بعد هذا يحسن بنا أن نحصر المعطيات التي قدمها الاتحاد السوفياتي للأمة العربية المسلمة في نقاط معلومة؛ ليعي كل ذي لب إلى مصلحة هذه الأمة أن الروس الشيوعيين هم من أكثر الأنظمة عداوة للأمة الإسلامية، أما أبرز ما قدمه أولئك الملاحدة المتربعون على سدة الكرملين فهو كما يلي:
- تقديم الفكر الماركسي الملحد بأطباق مختلفة الأشكال والألوان کالاشتراكية، والشيوعية، واليسار بشتى أنواعه وأشكاله وأحزابه، ومن شأن هذا العطاء تشويه الفكر الإسلامي والعقيدة التي يعتقدها غالبية العرب، وضرب المسلمين وحركاتهم في أرجاء العالم العربي.
- تقديم المهاجرين من اليهود الصهاينة من أنحاء الاتحاد السوفياتي لاستكمال استعمار فلسطين والأراضي العربية المختلفة، ومعلوم أن هؤلاء المهاجرين هم السبب في توسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وغزة، والجولان، وهذا العمل ليس إلا إمعانًا في تثبيت الوجود اليهودي على أراضي المسلمين العرب، ولعل اليهودية الدولية تعتمد في المخطط الساعي لتحقيق الحلم الصهيوني الأكبر بإيجاد الدولة التي تصل حدودها إلى كل من الفرات والنيل على القوة البشرية المهاجرة التي تأتي معظمها من يهود الاتحاد السوفياتي.
- تقديم السلاح الدفاعي وفق شرائط سوفياتية قاهرة، وأخذ المال الباهظ من الشعوب التي تحملت عبء المأساة.
- ربط بعض الأنظمة العربية بالعمالة للشيوعية الدولية بعامة، الاتحاد السوفياتي بشكل أخص عن طريق تنصيب الأحزاب التي تستقي مبادئها من الأصول الماركسية.
- تفريغ الزخم العربي الثائر من محتواه بربط قادة الزخم المصطفين بحرب البيانات التي لا تسمن، ولا تغني من جوع، ويبرز هذا جليًا في الجهد السوفياتي لتنصيب الزعامات الماركسية على بعض المنظمات الفدائية.
هذا ما قدمه الروس للعرب، فماذا ينتظر خدام وغيره من العرب أن يقدموا لرجال الكرملين؟
إن الكرملين بات اليوم يسعى بشكل حثيث من أجل إيجاد قواعد عسكرية في قلب الوطن العربي المسلم، فهل هناك من سيحقق هذه الأمنية للروس في المستقبل؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل