العنوان صفحات من دفتر الذكريات (طريق الجزائر 103): أجهزة التلفيق والتحقيق
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996
مشاهدات 74
نشر في العدد 1206
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 02-يوليو-1996
* مواقف مضحكة ومبكية مع الناصريين داخل سجن الرمل ببيروت
بعد أن فشلت مؤامرة الاختطاف ونقلي للقاهرة، بدأت مطابخ المخابرات عملها ودارت عجلة التلفيق لتحويل العملية إلى قضية كبرى.
بقيت في المطار حتى الساعة العاشرة ليلًا، ولا أدري السبب في أن أبقى في مكتب خالٍ من الساعة الواحدة ظهرًا إلى الساعة العاشرة ليلًا، إلا ما ذكرته من أن الموضوع قد تغير مساره، وحصل ارتباك لدى المجموعة التي قامت بالعملية، ولا يدرون ماذا يفعلون، بعد العاشرة ليلًا جاء إليَّ أحدهم وصحبني إلى خارج المطار، وعندما وجدت نفسي خارج المطار قلت لهم إنني وعدت الأستاذ عمر الأميري بالا أغادر المطار إلا بعد أن ألقاه، فلم يجيبوني، ودفعوني إلى داخل السيارة وأقفلوا الباب وسارت بي السيارة ليلًا في شوارع بيروت لا أعرف لها وجهة، حتى دخلت مكانًا مسورا لم أره من قبل ولا أعرف عنه شيئا، ويظهر أنه معسكر تابع للمكتب الثاني «وزارة الدفاع»، وكانت الساعة وصلت الحادية عشرة فأدخلوني في مبنى، وفي هذا المبني كانت توجد زنزانة أدخلوني بها وسألوني إذا كنت أريد عشاءً، فقلت لهم: «لا أريد عشاءً، ولا أريد أن أراكم»، فذهبوا وبقيت بعض الوقت أتأمل فيما حدث ولم أغير ملابسي، لانهم أخذوا حقيبتي معهم، وبقيت حتى الصباح.
في الصباح جاء أحدهم، وفتح لي الباب لأذهب إلى دورة المياه، وعندما خرجت من دورة المياه عائدًا إلى زنزانتي فوجئت بأن وجدت أمامي صديقي زيد بن علي الوزير من اليمن، وكانت ذراعه مكسورة ومربوطة ومعلقة في كتفه، ولم أره من قبل منذ فترة طويلة، وكانت هذه أول مرة أشاهده فيها منذ سنوات، فدهشت لرؤيته وسألته ماذا حدث له، ففهمت منه أنه ليس وحده وأن هناك الأستاذين عمر الأميري، وعصام العطار، وأنهم اعتقلوا بدون أن يعرفوا السبب وجاءوا بهم دون أن يعرفوا السبب في الموضوع ولا الهدف منه، ولما عدت إلى زنزانتي بقيت فيها حتى جاءت الساعة التاسعة صباحًا أو الثامنة والنصف، فجاء أحدهم وفتح عليَّ الباب، وعرض عليَّ الفطور، فرفضته رغم أنني في غاية الجوع لأنني لم أتناول غداءً ولا عشاءً منذ اعتقالي بالأمس، ولكنني قررت الامتناع عن الطعام، حتى أعرف حقيقة هذه الإجراءات، فأخذني إلى أحد المكاتب، وكان المكتب في مبنى آخر به ممر تحيط به مکاتب من الجانبين وأغلبها كانت أبوابها مفتوحة، لأن الموظفين لم يصلوا إلى مقر عملهم بعد، لكنني عند مروري بأول مكتب شاهدت الأستاذ عمر الأميري واقفًا كأنه يخطب في جمهور من الناس وأمامه المحقق يستمع إليه ويكتب أقواله، ووجدت أمامه الحقيبة التي فيها جميع الأوراق التي أحضروها معه.
في الغرفة الثانية رأيت نفس المنظر مع الأستاذ عصام العطار، ولكن الأستاذ عصام العطار كان جالسًا مطمئنًا، وكان يتكلم كعادته بهدوء واطمئنان، أما زيد الوزير فلم أره.. لعله كان في مكتب آخر.
إفطار للإفراج:
أدخلت غرفة بها ثلاثة مكاتب أحدها للرئيس ومكتبان صغيران، وكان على المكتبين الصغيرين اثنان يجلسان، طلبا مني أن أجلس على أحد المقاعد في انتظار الرئيس الذي لم يحضر بعد، وبعد لحظات حضر الرئيس وجلس على مكتبه وقالوا له إنني فلان فقال: إذن تفضل، وأجلسني أمامه ثم فتح خزانته، وأخرج منها الأشياء التي سلمت إليه من الشخص الذي فتشني واستجوبني في المطار، وكان من بينها نقود وأوراق شخصية وبينها «النوتة» التي أكتب فيها أرقام التليفونات، وكان فيها أرقام التليفونات التي أستعملها في السفر، ومن بينها صفحة خاصة بالتليفونات التي في بيروت ولبنان، ووضع الرئيس هذه الأشياء على مكتبه، وجلس يقرأ أوراقًا أعتقد أنها كانت المحضر الذي حرر بالمطار بعد المغرب، وأثناء ذلك دخل أحد الموظفين يحمل فطائر طازجة ينبعث منها رائحة الزبد واللحم، وكانت هذه أول مرة أرى فيها هذا النوع من الفطائر التي يأكلونها عادة في الصباح في بيروت وهي من «التميس» ولكن فوقه قطع من اللحم وشيء من الزبد، ولذلك فإن له رائحة شهية، ولما جاء الموظف ومعه هذا الإفطار الشهي رأيتهم وضعوا هذا الفطور على المكتب المجاور لهذا الذي يجلس عليه رئيسهم الذي عليه الأوراق الخاصة بي، وأصروا على أن أتناول معهم طعام الإفطار وألحوا في ذلك، وكنت مصممًا على ألا أفطر تنفيذا للخطة التي قررتها، وهي أن أمتنع عن الطعام حتى يخلى سبيلي، ولكني أثناء ذلك وبعد أن جلسوا جاء أحدهم وأصر على أن أجلس معهم للفطور.
قبلت أن أشاركهم الفطور، وتعمدت أن أجلس فوق المكتب الذي توجد عليه الأوراق المضبوطة معي، وكان لي هدف من ذلك، وهو أنني أثناء تناول الطعام كنت حريصًا على استرداد «النوتة» التي بها أسماء وتليفونات أصدقائي في بيروت وغيرها من العواصم واستطعت أن أنتهز فرصة انشغالهم بالطعام والحوار معي لكي أمد يدي خلسة وآخذ «النوتة» التي فيها العناوين، ووضعتها في جيب البنطلون، وانطلقت معهم في أحاديث متفرقة، إذ إن أحدهم وهو الذي أصر على أن آكل معهم بدأ يقول لي: إنني أعرفك جيدًا وأنت أستاذي، فقلت له: كيف أكون أستاذك وأنت تشتغل في المخابرات؟ فقال: أنا كنت طالبًا في كلية الحقوق بالجامعة العربية التابعة «لمصر»، وأما عملي بالمخابرات فهو هواية ويظهر أنك لم تلاحظ أنني أنا الذي كنت أراقبك في الفندق منذ صباح أمس، ورأيتك تفعل كذا وكذا، وذكر لي أشياء لا يعرفها إلا من كان معي فعلًا، وصار يتبسط معي في الحديث وذكر لي أسماء زملائي من أساتذة الحقوق الذين يدرسون له، وخيل لي من تبسطهم جميعًا معي وانطلاقهم في الحديث كأننا أصدقاء من قديم، وأنهم عرفوا أن الموضوع قد فشل.. وانتهى، ولم يبق إلا أنني لا بد سأخرج، وأنه ليس هناك داعٍ أن أخرج وأنا حانق عليهم، ولذلك بدأت معهم في مناقشات حول القانون والجامعة.
وبعد انتهاء الطعام الشهي قلت لهم: إنني أريد أن أغسل يدي، فصحبني أحدهم إلى دورة المياه، ووقفت على الحوض أغسل يدي، ودخلت دورة المياه وبدأت أقلب «النوتة» لأنزع منها إحدى صفحاتها الخاصة ببيروت لكي أعيد النوتة كما كانت ولكني في ظلام دورة المياه لم أستطع تمييزها، وفضلت أن أمزقها وألقيها كلها في دورة المياه بكل ما فيها رغم أنها كانت عزيزة عليَّ، لأن فيها عناوين يصعب على الحصول عليها بعد ذلك، كما أن في ذلك مجازفة إذا اكتشف المحقق فقدها، ولكنه لم يشعر هو ولا غيره بذلك.
كان الإفطار شهيًا بسبب ما كنت فيه من جوع، وبسبب جو الود الذي أحاطني به الجميع حتى تيقنت أن الخطوة القادمة ستكون خروجي إلى عالم الأحرار، وأن حفل الإفطار كان تمهيدًا للتهنئة بالإفراج لكن الذي حدث هو نقلنا جميعًا إلى السجن.
سجن الرمل:
حوالي الساعة العاشرة وضعنا في سيارة أجرة ومعنا مرافقون، ظننا أن كل شيء قد انتهى، وأننا سنعود إلى عالم البشر، ولكننا فوجئنا بأننا نقف أمام باب السجن المدني في بيروت وهو سجن الرمل، حيث وضعنا في زنزانة قذرة، ومن حسن الحظ أن بعض أقارب صديقنا زيد الوزير كانوا يتبعوننا ويتعقبون خطواتنا، فما كدنا نستقر في الزنزانة العارية حتى استدعي زيد لإدارة السجن وسلموه «بطاطين ومراتب ومخدات»، أحضرها أقاربه واستفدنا منها كثيرًا وأنقذتنا من البرد ومن قذارة الزنزانة ومتاعبها، ولذلك فقد اقترحت أن نعين زيد بن علي الوزير أميرًا لنا، وصرنا نناديه بالإمام زيد لأن ما يحضره أصحابه له كان يغنينا عن طعام السجن الذي لم يعجبنا.
فوجئنا بعد يومين بأنهم نقلونا إلى عنبر آخر كبير، فيه مساجين من المجرمين العاديين، وكان فيه حوالي أربعين مسجونًا، ومن الغريب أننا لاحظنا أن بعض هؤلاء المسجونين يضع على صدره صورة عبد الناصر ويتباهى بها، وظهر أن عددًا كبيرًا من الناصريين الذين اعتقلوا لسبب لا نعرفه، وأنهم بالطبع يتمتعون بمركز ممتاز في السجن لأن المراكز والمعاملة في السجن لا علاقة لها بالشخص ولا بالتهم التي سجن فيها، ولا بالحكم والمحكمة ولا بالدولة، ولا بأي شيء آخر سوى ما يملكه من مال، وما يدفعه من يهتمون به من مال، وكل شيء وكل لحظة داخل السجن كانت تدل على أن قيمتك في السجن تتوقف على ما يدفعه أهلك وأقاربك من أموال للعاملين في السجن سواء منهم الحراس أو غيرهم ممن يعملون في السجن، بل وأيضًا المسجونين فيه ونزلاءه، وخاصة المحكوم عليهم بعدد طويلة الذين يفرضون على الجميع احترامهم وخشيتهم ودفع إتاوات لهم.
هؤلاء «الناصريون» كان لنا معهم قصص مضحكة ومبكية في نفس الوقت، وكالعادة كلما دخل مسجون جديد يتجمع حوله الموجودون في العنبر ليسألوا من هو؟ وما السبب في مجيئه إلى السجن ويختبروا شخصيته ويعرفوا إذا كانوا يستطيعون أن يستفيدوا منه شيئًا، حتى ولو اقتضى الأمر أن يستغفلوه أو يستغلوه أو يهينوه أو يضربوه، أو أن عليهم أن يحترموه وأن يخشوا بأسه، واللحظة الأولى التي يدخل الشخص فيها داخل الزنزانة في وسط هؤلاء المجرمين كانت لحظة حاسمة يتحدد فيها موقفه فيما بعد.
أول ما بادرونا به أن سألونا من أنتم؟ ومن أین جئتم؟ ولماذا؟ وتصدى لهم الأستاذ عمر الأميري وعرفهم بشخصه وتاريخه كسفير سابق وزعيم من زعماء سوريا، ومركزه في المجتمع وميدان الشعر والأدب وما شابه ذلك، وأول ما شد انتباههم موضوع سوريا، لأن سوريا ذكرتهم بحادث الانفصال عن مصر، وكان انفصالهم عن مصر قريبًا ولكنه جعل لهم في لبنان هيبة وخصوصًا في مجال أولاد البلد، واستحقوا بذلك أن يوصفوا بأنهم «أباضايات»، وسوريا أصبحت دولة لها ميزانية وأموال تنفقها على عملائها في بيروت كما أن «عبد الناصر» كان له عملاء، ومهما يكن ارتباط العميل بجهة ما فإنه يحسب حساب المستقبل الذي قد يضطره إلى العمل لحساب آخرين، وموضوع المنافسة بين أموال سوريا وأموال مصر موضوع معروف في لبنان، وما زال قائمًا إلى الآن، ولكنه في ذلك الوقت كان على أشده، ولهذا فإن خطبة الأستاذ عمر الأميري جعلتهم يأخذون حذرهم وينظرون إلينا بنوع من الاحترام لم نكن نتوقعه منهم، وزاد في ذلك أن الأستاذ عمر كان حذرًا فلم يذكر لهم شيئًا عن الخصومة بينه وبين حكام سوريا، على كل حال بدأنا نقول لهم: نحن ضد «عبد الناصر» وأنتم معه فهذا لا شأن لنا به الآن، ويمكننا أن نتحدث عنه فيما بعد، ولكن الآن نحن هنا وأنتم هنا، فعلينا أن نتعايش ونتعاون وقبلوا هذا الوضع ويقينا فترة في هذا العنبر.
وفي هذا العنبر كان يوجد أحد المسجونين من مدينة قريبة من طرابلس في لبنان، وكانت مارونية لكنها كانت مشهورة بوجود عصبيات عريقة تمارس الثأر والقتل، وأذكر أن هذا السجين كان يحب أن يترنم بأغانٍ ريفية من بلده، وكنت أحب هذه المواويل وأستزيده منها، وقد بقيت في ذاكرتي ردحًا من الزمن ثم نسيتها.
الحاج أمين الحسيني:
استطعنا أن نبعث برسائل إلى الخارج لكي يسعى من يهتمون بأمرنا في نقلنا من هذا العنبر، وليكون لنا مكان خاص بعيدًا عن المجرمين العاديين، لقد أشرت إلى أقارب «زيد ابن علي الوزير» وأصدقائه من أهل اليمن الذين قاموا بدور كبير لمساعدتنا بل وإنقاذنا، أما أنا والأستاذ عمر الأمير والأستاذ عصام العطار فإن الذي اهتم بنا هو شخص واحد في بيروت وفي لبنان، وهو مفتي فلسطين الأكبر المرحوم الحاج أمين الحسيني، ولا أدري كيف عرف وماذا فعل ولكنه قام بكل ما يستطيع، وهو الوحيد الذي تكلم في شأننا سواء على المستوى السياسي والحكومي، أو على مستوى الدفع والإنفاق للعاملين داخل السجن والمحامين والرسل الذاهبة الآتية، مما لم تكن نعلمه ولا خبرة لنا به، وهو الذي أرسل لنا محاميًا ليزورنا في السجن هو الأستاذ محسن سليم المحامي المشهور.
بمجرد أن اعتقلت ودخلت السجن سمعت من الأستاذ عمر الأميري عن الدور الكبير الذي قام به القائم بالأعمال المغربي في التدخل الصالحي كما رواه لي الأستاذ عمر، وهذا ما شجعني على أن أرسل له مع المحامي رسالة أطلب فيها أن يحضر القنصل لمقابلتي باعتبار أن هذا من واجبه حسب القانون كقنصل نحو أحد مواطنيه الذي اعتقل، ومن حق كل قنصل أن يطلب مقابلة من يكون مسجونًا من رعايا دولته، وأرسلت له هذه الرسالة عن طريق المحامي الذي اختاره لنا الحاج أمين الحسيني ودفع له أتعابه، وكان من كبار المحامين المسلمين في بيروت، وكلفه الحاج أمين الحسيني أن يحضر إليَّ وفعلًا حضر إليَّ في السجن وقابلني وطمأنني، وعرفني أن الموضوع سهل ويسير، وأنه سيتولى الدفاع عني، وأن الموضوع لن يطول وسأخرج قريبًا، ولي مع هذا المحامي قصة عجيبة سأقصها فيما بعد، المهم أن «الحاج أمين الحسيني»، هو الذي أوكله للدفاع عني وعن الأستاذ عمر، واختار السوريون محاميًا آخر للأستاذ عصام العطار هو الأستاذ محمد علي ضناوى الذي قام بالدور الأكبر في مساعدتنا.
سبب اهتمام «الحاج أمين الحسيني» بنا هو أن الصحافة الناصرية اتخذت اعتقالنا مادة للهجوم على التضامن الإسلامي، الذي كان هو أول دعاته ومن «مستشاري الملك فيصل»، بشأنه ولم تعد القضية خاصة «بالإخوان المسلمون»، كما كنا نظن ونحن في السجن، وهكذا أصبحت قضيتنا مشكلة بين دول متعددة كل منها لها سياستها وأهدافها التي أقحمت في ساحة الإعلام دون أن نعرف ذلك.
معارك سياسية على حسابنا:
في السجن حضر المحامي عدة مرات لمقابلتي، ولما سألته عن القنصل المغربي وعد أول الأمر بتوصيل الرسالة، وبعد ذلك أفهمني بأنه بلغ الرسالة ولكنه لا يعرف لماذا لم يحضر القنصل، أو لماذا لا يريد أن يحضر، ودهشت لهذا الأمر وتعجبت فقد فهمت من الأستاذ عمر الأميري أن الرجل كان في أشد الحماس، ولا بد أن شيئًا قد حدث جعله يمتنع!
هناك أمران لا أستطيع أن أفسرهما للآن:
الأول: هو أنني بعد أن خرجنا من السجن وعدت إلى السعودية، ومنها ذهبت إلى المغرب كالعادة، والتقيت بالسيد «علال الفاسي» الذي حدثني عن بعض المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع، ومنها أن هذا القائم بالأعمال الذي كان من أتباعه وتدخل بحماس للدفاع عني أخبره أنه وصله من الرباط توجيه بعدم التدخل في هذا الموضوع، وأن يتركه للسفير الذي سيصل إلى بيروت، ولم أسأله عن الجهة التي أرسلت له هذا التوجيه.
وقد استندت إلى هذه الواقعة في رسالة قدمتها للمرحوم «الملك فيصل»، طلبت فيها أن يعطيني جوازًا سعوديًا أسافر به لأنني مصمم على التنازل عن الجواز المغربي فتفضل جلالته وأمر بإعطائي «الجنسية السعودية».
أما الأمر الثاني: فهو أن هذا المحامي الكبير أصر على الحضور عنا في القضية بعد الإفراج عنا، وكان يطلب التأجيل أو يوافق عليه ولم يكن رأيي أن هذا في صالحنا بل اعتقدت شخصيًا أنه كان لصالح الحكومة التي تريد استمرار القضية أطول مدة ممكنة لتساوم عليها وتحصل من ورائها على مطالب معينة من الحكومة السعودية بشأن تجديد الاتفاق التجاري الذي كان «الملك فيصل» يرفضه، ولم يوافق عليه إلا بعد أن تغيرت الحكومة الموالية للنظام الناصري التي كان يرأسها رشيد كرامي، وجاءت حكومة أكثر حيادًا أو أقرب إلى التعاون مع السعودية وكان يرأسها السيد «صائب سلام»، أذكر أنني أتصلت تليفونيًا بهذا المحامي الكبير ورجوته ألا يتدخل في القضية، لأنني لا أوافق على التأجيل المتكرر الذي لا مصلحة لنا فيه ولم أعرف للآن إن كان هذا الموقف منه اجتهادًا فحسب، أو أنه كان له هدف لا أعرفه، وعلى العموم فإن المحكمة فصلت في القضية في غيابنا وحكمت علينا جميعًا بالحبس والإبعاد عن لبنان.
وبقي هذا الحكم الغيابي قائمًا حتى جاءت وزارة صائب سلام الذي حضر إلى السعودية والتقيت به، وقدمت له مذكرة فوعد بإنهاء الموضوع، ونفذ وعده بعد أن تم الاتفاق بين حكومته والحكومة السعودية على تجديد الاتفاق التجاري، وكنا نتوقع أن تعاد المحاكمة ويلغى الحكم الغيابي، لكنا فوجئنا بأن أصدر النائب العام قرارًا بأن قضيتنا يطبق عليها قرار سابق بالعفو الشامل عن جميع الجرائم السياسية، وأبلغوني بذلك وطلب مني وزير العدل أن أحضر إلى لبنان لأتأكد من ذلك، وفعلًا ذهبت إلى بيروت والتقيت بالوزير وسلمني صورة ذلك القرار.
(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل