; هل دخلت السجن يومًا؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل دخلت السجن يومًا؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 23-يوليو-2004

مشاهدات 90

نشر في العدد 1610

نشر في الصفحة 32

الجمعة 23-يوليو-2004

 بمناسبة شهر التضامن مع سجناء الرأي في سورية 

 هل دخلت السجن يومًا؟ 

(*) كاتب سوري _عضو رابطة أدباء الشام 

الجواب بكل بساطة نعم دخلت سجن الرأي في بلادي مرتين في الأقل، وفي المرة الثالثة هربت بجلدي عبر الحدود إلى قطر مجاور مشيًا على القدمين، وإلا كنت اليوم من شهداء سجن تدمر الصحراوي أو سجن الحلبوني أو فرع فلسطين أو سجن القلعة أو شهداء سجن المزة الذين تمت تصفيتهم فيه بقبض الجلاد على حنجرة الواحد منهم وسحقها أو قطعها كحنجرة الدجاجة أو العصفور، أو الشنق بالتعليق على درج السجن بالسلك المعدني «الكابل». 

ومن يدري؟ لعلني كنت استرحت من هذا المنفى الإجباري الذي أعاني منه وزوجتي وأولادي وحفدتي. منذ أكثر من ربع القرن بل ربما دخلت الجنة بسلام مع الداخلين. هل يقول ذلك مواطن سوري...؟ بل كل مواطن سوري مغترب بالإكراه عن وطنه ومسقط رأسه وأمه وأبيه وأقاربه وأصدقائه ومعارفه، وعن القيام ببعض الواجب في بناء الوطن أو حمايته.

 ودخلت سجن الرأي أيضًا في ثلاثة أقطار عربية مجاورة اثنان منهما في سجن المطار بسبب حملي بيانات عن انتهاك حقوق الإنسان في سورية في الثمانينيات والثالث مدة ثلاثة أشهر في سجن المخابرات العامة، والسبب -كما قال قاضي التحقيق الأمني ساعة الإفراج عنا وقد كنا خمسة- سببان: أحدهما لتعلم أجهزة الأمن التي اعتقلتنا من نحن؟ وما عملنا في أرضها؟ وما مدى تأثيرنا على شعبها؟ وبعدها استجد سبب ثان –فأعجب- وهو لحمايتنا من عمليات الاغتيال التي كادت تنزل بنا على أيدي سفراء من قطرنا ووطننا الحبيب!

 أما كيفيات الاعتقال ومشاعر السجن فحديث حافل بالعجائب والمفارقات والمرارات، وسأختار بعض المواقف المعبرة، لا من باب الدعاية الشخصية، بل للتضامن مع معتقلي الرأي في السجون السورية بشكل خاص، وسجون الاحتلالين الصهيوني والأمريكي لأوطاننا المقدسة. 

اعتقالي الأول كان في ليلة من شهر أبريل «نيسان» من عام ١٩٦٣م بسبب منع التجول ليلًا بحلب في ظل حكومة المرحوم صلاح البيطار بعد أن أودعت زوجتي في مستشفى التوليد لتضع ولدي البكر «محمود» وليس من اللائق -كما قال الطبيب المناوب- بقائي في المستشفى بين الممرضات أو أن أنام على إحدى أرائك المستشفى. فقضيت تلك الليلة على أرضية القبو العفن البارد في مخفر شرطة شارع إسكندرون مع المخمورين وزعران الليل والأبرياء الآخرين من أمثالي، يتحكم بنا عريف حقود. ولعل المؤلم هو الحجز لما بعد منتصف النهار، وزوجتي وأهلها في المستشفى لا يعلمون سبب غيابي وعدم حضوري العاجل، والمناسبة ولادة أول طفل للأسرة.

 أما اعتقالي الثاني مع عشرات من المدرسين والمحامين والمهندسين في أبريل أيضًا من عام ١٩٦٧م بسبب فتنة «إبراهيم خلاص»، الذي كتب مقالة تسفه الأديان السماوية، والذات الإلهية، وقمع الإضراب العام الشعبي الاحتجاجي على هذا المقال المأفون.. وذلك لمدة شهر تقريبا.

 النقاط البارزة في ذلك الاعتقال، أنه وقع ولم أنل حظًا كافيًا من النوم، أي مقدار ساعة أو أقل، وهو لون من العذاب شديد علي بعد نهار حافل بالنشاط الجسدي والفكري على حد سواء.

 بسب المفاجأة لم أفطن لتوديع ولدي الطفل لحظة الاعتقال والاعتقال كان على أيدي مدنيين مسلحين، وكنت أخشى من عملية انتقام أحد الأحزاب، لأنني هاجمت ارتباطه العلني بجهات أجنبية علنًا في حفل جماهيري. زد على ذلك أننا لم توجه إلينا أية تهمة طوال مدة الاعتقال، وتم الإفراج عنا بسبب هزيمة يونيو «حزيران». 

منة المساعدة في الإفراج عني فكان جوابه ما دمنا نحن في الحكم فلا تحلم بهذا الحلم. أما ضابط الأمن الذي راجعته زوجتي بالنيابة عن زميلاتها من زوجات المعتقلين فأجابها أنصحك وزميلاتك أن تبحثن عن أزواج آخرين.

 ومن مرارات ذلك الاعتقال ازدحام زنزانتنا الجماعية ليالي العدوان الصهيوني فقد حشرنا مع معتقلين يهود ومشبوهين وآخرين من رواد القمار والمواخير. ولما حصل الإفراج في صباح يوم باكر كئيب طرقت باب بيتي. فلم يجب أحد. وبعد اليأس اضطررت إلى التسلق عبر السطح لبناء شاهق من خمسة طوابق، لأتسلل إلى داخل البيت فأجده مقلوبًا رأسًا على عقب بسبب ظروف الحرب، وهجرة الأسرة عند أقارب الزوجة! 

في اعتقالي الأول في مطار عربي اعتدى علي ثلاثة عناصر أمنية بالصفع واللكم والرفس، وأنا فوق الأربعين من عمري لكي أعترف بأن جواز سفري مزور مما يلحق الضرر بالآلاف من أبناء بلدي. قال المحقق إذا لم تعترف فسوف نسلمك لحكومة بلدك ساعتها كل شباك أدنى علاقة في اختيار التوقيت؟ أما الشعور الأهم ساعة الاعتقال والانتقال «أي من مدينة قرب العاصمة» إلى سجن المخابرات العامة داخل العاصمة فهو الخوف من أن يكون هناك تعاون بين مخابرات البلدين فتسلم إلى مخابرات بلدنا. حيث الحكم الفوري بالإعدام بناء على القانون (٤٩) الصادر بحق المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين أي المحاسبة على الرأي وحسب! وبالفعل قبل اعتقالنا بشهور حصل مثل هذا التسليم وطوال أيام التحقيق الأولى كان التهديد الأهم هو بتسليمنا لسلطات بلادنا ما لم تتعاون في التحقيق. ومع ذلك اعتصمت بالتكتم.

 ولأعترف بأن مرارة الاعتقال في بلد غريب على ما فيها من آلام كنت أراها أفضل من التسليم لسلطات بلدنا بكثير بل بدرجات لا يمكن تصورها لأنها الفرق بين الموت والحياة، بين التحقيق بالتي هي أحسن والتحقيق بالتي هي ألعن!! 

على أن الفاجعة التي كان لها وقع الصاعقة على نفوسنا هي تبليغنا لحظة الإفراج عنا بتفاصيل مجزرة سجن « تدمر» الصحراوي التي وقعت ونحن داخل المعتقل بتاريخ ٢٧ يونيو عام ١٩٨٠م.

أولا: لم نستطع تصديق الخبر لهوله وفظاعته، ألف سجين من المدنيين العزل.. من الرجال والشباب وحتى الأطفال.. من العلماء والأدباء والمفكرين يذبحون ذبح النعاج خلال نصف ساعة، ثم يوارون التراب في خنادق الصحراء. وجراحهم تنزف وبعضهم لم يفارق الحياة بعد.

ثانيًا: لم نشعر بطعم الحياة ولا الحرية ساعة إطلاق سراحنا، وذكرى إخواننا شهداء تدمر تبدو أمام مخيلتنا، لأن الكثيرين منهم تعرفهم بأسمائهم وأشخاصهم ومواقعهم الاجتماعية والعلمية كالأديب إبراهيم عاصي والكاتب الدكتور عبد الودود يوسف والأستاذ الجامعي المهندس في الطاقة النووية الدكتور محمد حسين والمدرس عدنان شيخوني وفرقة الإنشاد الحلبية وطلاب تظاهرة دير الزور «من الشباب» وبعضهم مراهقون.

 ثالثًا: مؤشر تدهور الوضع السوري عامة لدرجة حصول مثل هذه المجزرة الجماعية.......... على حد قوله والسبب الحميمي لتماسكي هو أنني أمام جهة أقل ظلمًا من أبناء بلدي. تعتمد على العقل والمنطق أكثر من التهديد. تتمة الصورة ما مصير منزل العمر الذي اشتريته بعرق العمل في التدريس والمكتبة التي تشغل إحدى غرفه الواسعة من السقف إلى الأرض بنوادر الكتب وأغلاها وأحلاها على قلبي والفرش الذي لم يتح لي يوم عرسي وأنا خريج جامعي مفلس فأعدت الفرش والتأثيث للبيت كبيت العرسان.

 كل ذلك صار كأن لم يكن فقد استولى عليه ضابط أمن بغير قرار مصادرة رسمي. المنزل الجديد لم يكن مسجلًا بعد باسمي فعمد الضابط إلى تهديد البائعين بالتنازل عن البيت لدى دائرة العقارات بحلب وتسجيله باسمه غير الشريف. ثم بيعه إلى جهة ثالثة. ومع امتداد الزمن مات البائعان وبقيت بيدي ورقة البيع العادية كما بقيت الظروف الاستثنائية من قانون طوارئ وحكم الحزب القائد وتغول الأجهزة الأمنية وغربتي الدائمة خارج الحدود. وحرماني من حضور جنازة والدي وأخواتي وكل الأحباب. 

لم يكن بودي تصديع رؤوس القراء بمأساتي الشخصية. وقد سطرت الكثير من جوانبها فنيًا في ديوان «في غيابة الجب» وفي رواية «خطوات في الليل» المنشورين أقول: ولو كانت رمزًا لمأساة الآلاف من المواطنين أمثالي لكنني شعرت بواجب التضامن مع معتقلي الرأي السوريين وغير السوريين الذين خصص لهم «مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية.. شهرًا للتضامن معهم. ولا بد من معلومات موثقة، وليس أوثق وأصدق من المعلومات التي تتعلق بك توضح أبعاد هذه المأساة وخصوصًا مأساة الذين اعتقلوا بلا سبب كالرهائن أو بسبب الرأي، أو الذين صدرت بحقهم أحكام عرفية وقضوا مدة حكمهم، ولم يتم الإفراج عنهم، وبعضهم أمضى أكثر من ربع القرن بل ضرب الرقم القياسي في مدة الاعتقال عالميًا، مثل الناشط عبد العزيز الخير. ناهيك بالمفقودين والمهجرين قسريًا والمحرومين من حقوقهم المدنية بعد الإفراج عنهم. ولك أن تتساءل أين نعيش؟ وفي أي عصر؟ وإلى متى…………. 

الرابط المختصر :