; التعليم ساحة صراع هامة مع الصهيونية | مجلة المجتمع

العنوان التعليم ساحة صراع هامة مع الصهيونية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1990

مشاهدات 75

نشر في العدد 968

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 29-مايو-1990

·       دور بريطانيا في مخطط تجهيل الفلسطينيين.

·       عملية تهجير عرب فلسطين ذات جذور عميقة في النهج الصهيوني.

أصبح قطاع التعليم في الأراضي العربية المحتلة أكثر القطاعات تأثرًا بالوقائع اليومية لانتفاضة جيل الغضب العربي في فلسطين المحتلة؛ نتيجة إقدام سلطات الاحتلال الصهيونية على الإغلاق المتكرر للجامعات والمعاهد، واعتقال الطلبة والأساتذة بصورة عشوائية ولمدد طويلة، وهذه الاعتداءات الصهيونية المتكررة من قبل سلطات الاحتلال على المؤسسات التعليمية في فلسطين تأتي تمشيًا طبيعيًا مع المخطط الصهيوني القديم الرامي إلى تجهيل الشعب العربي في فلسطين، وهذا المخطط الذي سعت الصهيونية العالمية بالتعاون مع الدوائر الاستعمارية لتطبيقه منذ ما يقرب القرن من قيام الكيان الصهيوني في أرض فلسطين بهدف تلوين فلسطين بالثقافة اليهودية.

وقد لعب الاستعمار البريطاني دورًا كبيرًا في تسهيل نشر الثقافة اليهودية، وبالمقابل حصر العملية التعليمية بأقل عدد من العرب الفلسطينيين، وفرض مناهج دراسية مسلوبة التوجيه على أبناء فلسطين، على عكس ما جرى لليهود، حيث أعطيت لهم الفرصة كاملة، وكان المجال أمامهم مفتوحًا للتوسع في مختلف آفاق المعرفة وميادينها الواسعة؛ فسهلت لهم فتح الجامعات والمعاهد والمدارس المتخصصة، أما النشاط الصهيوني الذي مهد إلى تغليب العنصر اليهودي بفكره وثقافته العنصرية فقد كان بارزًا من خلال دفع مجموعات من اليهود بما يحملونه من أفكار استعمارية إلى أرض فلسطين تحت مسميات متنوعة، ترفع شعار العودة إلى أرض فلسطين أرض الميعاد، فبدأت هذه الموجات تصل على مراحل تبعًا للظروف المهيئة لتحقيق أكبر تجمع يهودي على أرض فلسطين ديمغرافيًا وثقافيًا وفكريًا، وبعد ضمان وصول هذه الأعداد من الصهيونيين وإسكانهم في فلسطين، سهلت لهم سلطات الانتداب إقامة مؤسسات علمية ثقافية صهيونية تعمل على تثبيت الحضور الصهيوني الدخيل في فلسطين، وفي نفس الوقت عمل الاستعمار البريطاني على تشويه صورة العربي، ووصفه بالجهل، وعدم الإقبال على العلوم، وبحكم الترابط العضوي بين الصهيونية والاستعمار البريطاني تم الاتفاق بينهما على تعيين (مندوب سامي) البريطاني كان صهيونيًا على فلسطين حتى يصار إلى تنفيذ المشاريع التي من أبرزها إنشاء المعاهد العلمية العليا.

وهكذا برزت المؤسسات الصهيونية والمعاهد والمدارس فأنشئت الجامعة العبرية في القدس، والتخنيون «المعهد التقني اليهودي» في حيفا، كما أنشئت المدارس الزراعية والمهنية ومراكز التعليم التمريضي.

- بريطانيا تمارس سياسة التمييز في التعليم ضد المسلمين

أما المناهج والبرامج التعليمية فقد اشتملت على مواد متخصصة، يتميز فيها الطلبة اليهود عن غيرهم من الطلبة العرب، فكان المنهاج يشكل مادة متكاملة لتفسير وشرح أحكام وأخبار حكماء اليهود، كما اشتمل المنهاج على الأدب والتاريخ القديم والتوراة والتاريخ اليهودي ودورات الخياطة والحياكة والصناعة اليدوية والزراعية، وخوفًا من بروز ظاهرة الجهل بين اليهود، ولتثقيف أكبر عدد منهم ممن يجهلون اللغة العبرية، فقد تم تشكيل الجنة للتعليم الشعبي العام؛ حيث كان هذا النوع من التعليم يتولى إعداد اليهود إعدادًا عقائديًا وعسكريًا وتاريخيًا ودينيًا، كل ذلك من خلال تسهيلات كبرى قدمتها بريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين التي عملت كل ما في وسعها لمحاربة الحضارة العربية الإسلامية، وطمسها عبر سياسة التجهيل، ونظرة مقارنة سريعة على التعليم اليهودي والتعليم العربي في ظل الانتداب نجد أن التعليم العربي كان مقيدًا، بينما كان التعليم اليهودي حرًّا، وكانت المدارس والمعاهد العربية ضئيلة ومفتقرة إلى معظم المرافق الضرورية، والدراسات التقليدية، بينما كانت المدارس والمعاهد والجامعات اليهودية تنتشر بأعداد كبيرة، وتزود بأرقى المختبرات العلمية التطبيقية ومحطات التجارب والصالات الرياضية والمكتبات وغيرها، وكان التعليم المهني والزراعي العربي مهملًا، بينما كان التعليم المهني والزراعي اليهودي مدعومًا من كافة المؤسسات الصهيونية ودوائر الاستعمار البريطاني.

- العنصرية الصهيونية تعتبر العرب خدما للسادة اليهود

إن عملية تجهيل عرب فلسطين ذات جذور عميقة في النهج الصهيوني، ومن أهم ملامحها وثيقة كينغ العنصرية التي تعتبر المواطنين العرب مجرد خدم يؤدون الطاعة للسادة اليهود، كذلك وثيقة «الاستقلال» التي ترى في الكيان «الإسرائيلي» دولة يهودية صهيونية، ولذلك وبعد قيام الكيان الصهيوني توالت الأحكام العسكرية والقوانين التي تضع في أيدي السلطة الحاكمة في «إسرائيل» سيفًا مصلتًا فوق رؤوس الجماهير العربية في فلسطين، وتعمل على استمرار تجهيلهم.

إن نظرة سريعة على واقع التعليم العربي في ظل الاحتلال الصهيوني لفلسطين عام ١٩٤٨ تجد مدى تدني مستوى التحصيل العلمي لدى الطلبة العرب، كذلك سوء المباني والتجهيزات العربية التي تعاني من نقص شديد من حيث العدد والإعداد، إضافة إلى أن مناهج التدريس «الإسرائيلية» ترتبط بأمن الكيان الصهيوني ومفاهيمه التي تؤدي إلى تشويه صورة العالم العربي تحت الاحتلال.

ويتبين من عدة تقارير إحصائية النقص الكبير بين نسبة الطلبة العرب الذين يتابعون دراستهم والاحتياجات الضرورية من المدرسين والباحثين والاجتماعيين والنفسيين في المدارس مقارنة مع الطلبة اليهود؛ مما يعطي صورة واضحة عن المستقبل الرهيب الذي ينتظر أبناء فلسطين المحتلة، وما تخططه سلطات الاحتلال بطمس الهوية العربية، ووأد الذات الفلسطينية.

- البدو ينالون القسط الأكبر من مخطط التجهيل

هذا وقد نال بدو فلسطين القسط الأكبر من المخطط الصهيوني الرامي إلى التجهيل من خلال سلسلة من الإجراءات التعسفية، وعمليات التهجير التي تعرض لها بدو فلسطين وتجميعهم في مخيمات سكنية أشبه بالزرائب لانعدام الخدمات الاجتماعية كافة؛ بهدف إجبارهم على الالتحاق بجيش الاحتلال في الوحدة التي أعدت خصيصًا لهم والدروز، وقد تعرض الطلبة البدو للتشتيت والتفريق وإبعادهم عن مراكز سكناهم، من أجل خلق حالة شبه دائمة من اليأس لديهم وتنفيرهم من الالتحاق بالمدارس.

- استخدام المناهج سلاح تمزيق وتشويه للتاريخ

كما استخدمت الصهيونية المناهج كسلاح لتمزيق ما تبقى من الشرائح العربية في الوطن المغتصب، فراحت تقسم العرب إلى طوائف وجماعات، وفصلت العرب الدروز عن أمتهم؛ حيث ركزت المناهج الصهيونية على القول بأنه لا صلة للفلسطينيين الدروز بالعرب على الصعيد التنظيمي والسياسي والتعليمي والثقافي، كذلك تعرض الأدب العربي في مناهج الصهيونية للتشويه من خلال تجاهل الجانب القومي في النتاج الأدبي، كما عملت المناهج الصهيونية على تحريف وتشويه وقلب الحقائق التاريخية، وإلى تهويد وصهينة العقلية العربية، وتوجيهها بسهولة نحو سياسة الدمج والانصهار في بوتقة الكيان «الإسرائيلي» من خلال بث الأفكار الصهيونية المسمومة، وتزوير التاريخ تحت اسم العودة إلى الأرض الموعودة، وتطبيقًا للمقولة الصهيونية المعروفة «شعب بلا أرض، لأرض بلا شعب» وتبرير الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني من مجازر ونهب أراض، وهدم بيوت، واتهام العرب بسرقة مقدساتهم بتحويلها من خلال تغيير أسمائها، وتزوير تقاليدها إلى أماكن مقدسة لهم، في نفس الوقت الذي سعت فيه الحركة الصهيونية إلى توظيف قواها ومواردها وأقلامها خارج الكيان «الإسرائيلي» لتثبيت ادعاءاتها معتمدة على ترابطها العضوي مع الاستعمار العالمي، وذلك من خلال الندوات والمؤتمرات التي تعقدها خدمة لأغراضها؛ حيث تخرج بالنهاية باستطلاعات واستفتاءات مزورة لتدعيم ممارساتها لتجهيل الفلسطينيين، حقيقة إن عرب فلسطين قاوموا السياسات الصهيونية في مجال التعليم من خلال المؤتمرات الشعبية والالتحاق بالتعليم العالي، وتكوين الصناديق لتقديم المنح الدراسية للطلبة العرب، غير أن الوسط العربي لم ينج من النتائج السلبية لهذه السياسات الصهيونية من خلال ظاهرة الجنوح والانحراف التي انتشرت بين صفوف الناشئة العرب الرازح تحت ظلم الاحتلال نتيجة لعدم تطبيق قاعدة التعليم الإلزامي على العرب، وانعدام الإشراف التربوي والرعاية الاجتماعية والسياسة المعادية المتعمدة التي تنتهجها الشرطة «الإسرائيلية» في معالجة هذه الظاهرة؛ حيث يعتبر العرب مجرمين يزج بهم في السجون، في الوقت الذي يوضع الجانحون اليهود في مراكز خاصة.

- الصهاينة يضعون العراقيل أمام انتشار المدارس والجامعات العربية

إذن هذا هو المخطط الصهيوني الذي كان ينفذ ضد عرب فلسطين عام ١٩٤٨، ومع احتلال باقي الأراضي العربية في فلسطين عام ٦٨ وجدت سلطات الاحتلال الصهيونية نفسها أمام واقع تعليمي جديد، يتمثل بانتشار مئات المدارس وعشرات المعاهد، ثم قيام العديد من الجامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي هدد مخططها التاريخي لتجهيل العرب؛ فأخذت تضع العراقيل تلو العراقيل أمام انتشار المدارس والمعاهد والجامعات، إلى أن اندلعت الانتفاضة المباركة، فأخذت سلطات الاحتلال تتذرع بأوهى الأسباب لتعطيل الدراسة، تمشيًا مع مخططها التجهيلي، غير أن إرادة الحياة عند عرب فلسطين دفعتهم إلى ابتداع أساليب جديدة في التعليم، وهكذا يستمر صراع الحياة بين صاحب الحق والغاصب الذي لا يتورع عن استخدام أي سلاح للفتك بضحيته حتى ولو كان قصف مدارس الأطفال بقنابل النابالم كما حدث في بحر البقر، وكما يحدث يوميًا في فلسطين، فأخشى ما يخشاه الصهاينة أن يصل سلاح العلم إلى أبناء أمتنا العربية.

الرابط المختصر :