; الهولنديون يتعرفون على الإسلام بعد بث الـ «فتنة»! | مجلة المجتمع

العنوان الهولنديون يتعرفون على الإسلام بعد بث الـ «فتنة»!

الكاتب صلاح الصيفي

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008

مشاهدات 58

نشر في العدد 1797

نشر في الصفحة 28

السبت 12-أبريل-2008

هولندا

﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: 11)

«خيرت فيلدرز» يهودي من أصل بولندي.. عاش في الكيان الصهيوني فترة ودائم التردد على السفارة «الإسرائيلية» في لاهاي

الرابطة العربية الأوروبية بثت فيلمًا باسم «مفتنون» يرد على «فتنة» ويظهر العنصرية ضد عرب ومسلمي أوروبا

«لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا.. لأصبح الصخر مثقالًا بدينار».. هكذا تعامل المسلمون في «هولندا» و«أوروبا» مع فيلم «فتنة» المسيء للإسلام والقرآن الكريم، الذي أنتجه السياسي الهولندي «خيرت فيلدرز»، فهذا اليميني المتطرف كان يتوقع أن يخرج المسلمون للتظاهر، وأن تحدث ردود أفعال غاضبة واحتجاجات وحرق للأعلام، كما حدث بعد نشر رسوم الكاريكاتير الدنماركية المسيئة للرسول ﷺ، وكان يخطط بهذا الأسلوب لكسب أصوات العنصريين والمتطرفين من أمثاله!

«خيرت فيلدرز» -كما كشفت وسائل الإعلام الهولندية – يهودي من أصل بولندي، عاش فترة في الكيان الصهيوني، ودائم التردد على السفارة «الإسرائيلية» في «لاهاي» ما يفسر سر الهجوم الشرس والعنصري من جانبه ضد الإسلام والمسلمين والقرآن الكريم.

أحداث الـ«فتنة»

فيلم «فتنة» مدته 17 دقيقة، ويبدأ بصورة للقرآن الكريم، ثم أحد الرسوم الدنماركية المسيئة، ويعقب ذلك صور لهجمات الحادي عشر من سبتمبر على «نيويورك» ثم تفجيرات «لندن» ثم «مدريد»، مصحوبة بآيات للقرآن صوتًا وصورة، بجانب صور تظهر عمليات تنفيذ حدود شرعية..

وبعد ذلك تتوالى صور عناوين بارزة لعدة صحف، ليس فقط حول اغتيال المخرج السينمائي الهولندي «تيو فان خوخ» -الذي سبق أن أخرج فيلمًا مسيئًا للإسلام- بيد الشاب المسلم (من أصل مغربي) «محمد بويري»، وإنما أيضًا حول التهديدات الموجهة للكاتب البريطاني المرتد (من أصل هندي) «سلمان رشدي» بسبب نشره الرواية «آيات شيطانية» المسيئة للإسلام..

ويظهر في الفيلم أيضًا بعض الأئمة المسلمين وهم يدلون بتصريحات متشددة ضد «اليهود» و«الشذوذ الجنسي»، وفتاة صغيرة محجبة تُسأل عن اليهود؛ فتجيب «هم قردة وخنازير» وتضيف: «إن هذا ما يقوله القرآن».. ثم يركز الفيلم بعد ذلك على الأخطار المفترضة للإسلام على مستقبل هولندا، ومنها صور لمساجد على بطاقة بريدية تقول «تحيات من هولندا»، كما تظهر في الفيلم إحصاءات توضح زيادة عدد المسلمين في هولندا..

وفي نهاية الفيلم، تظهر يد تحمل صفحة من القرآن، ويسمع المشاهد صوت الصفحة وهي تمزق، ولكن تظهر كتابة تقول: «إن تلك الصفحة التي مزقت كانت من دليل الهاتف؛ لأنه لست أنا (فيلدرز) الذي عليه أن يفعل ذلك، بل إنها مهمة المسلمين أنفسهم لتمزيق الآيات التي تحض على الكراهية في القرآن»!

ويواصل «فيلدرز» تحذيره بهذه الكلمات: «يريد الإسلام السيطرة علينا، وإخضاع وتدمير حضارتنا الغربية».

مكاسب للإسلام: ورغم الاستياء والغضب الذي أبداه الكثيرون من مسلمي هولندا، إلا أن ردود الفعل اتسمت بالهدوء والتعقل والتجاهل، وهو ما خدم المسلمين في نقل المواجهة بين المسلمين الهولنديين والزعيم اليميني المتطرف «خيرت فيلدرز» إلى مواجهة تمس كل المجتمع الهولندي، وأصبح عدد من المخرجين الهولنديين– وحتى الساسة ورجال الكنيسة- يتحدثون عن خطورة الرجل على تركيبة المجتمع بأكمله.. وشارك في الاعتراض قانونيون هولنديون لا علاقة لهم بالإسلام، بحثوا عن الطرق القانونية لإلجام مثل هذه الأصوات المهددة لاستقرار المجتمع الهولندي.

وعلى العكس مما كان يهدف إليه «فيلدرز»، فقد شهدت المكتبات التي تعرض مواد ومطبوعات إسلامية في العاصمة «أمستردام»، إقبالًا غير اعتيادي، حيث اشترى الهولنديون أعدادًا كبيرة من المصاحف الإلكترونية المترجمة إلى الهولندية ما أدى إلى نفادها تقريبًا من الأسواق بعد يومين فقط من عرض الفيلم!!

وقد رحبت صحف هولندية بردود الفعل الهادئة من الجالية المسلمة في هولندا، واتخاذ المسلمين من أبناء الجيل الثاني الذين يعيشون في هذا البلد الأوروبي «مواقف حكيمة» أدت إلى تعاطف كبير مع قضيتهم.

وأبرزت صحيفة «دي تليجراف» الهولندية حملة الرد على الفيلم التي تمثلت في فتح جميع المساجد الهولندية أبوابها للرد على استفسارات الهولنديين بشأن القرآن الكريم والإسلام، بالإضافة إلى «ورش» حوارية مع المثقفين والإعلاميين الهولنديين أجابت عن استفساراتهم، وأوضحت ما قام به فيلم «فتنة» من إخراج بعض الآيات القرآنية عن سياقها..

وخلال ورشة حوارية نظمها شباب مسلمون من أبناء الجيل الثاني بضاحية «مير» في أمستردام لاحتواء تداعيات الفيلم، أشهر أحد الهولنديين إسلامه، وتم إعلان أنه ثالث شخص يسلم خلال أسبوع واحد؛ ردًّا على عبارة انتهى بها الفيلم تقول: «أوقفوا أسلمة أوروبا»!

انقلاب السحر!

رغم أن «فيلدرز» آثار جدلًا واسعًا في هولندا وسعي لإثارة الهولنديين ضد المسلمين –حيث ندر أن تتصفح أو تطالع مجلة خلال الشهور الأخيرة دون أن تجد مقالًا عن آرائه المعادية – إلا أن قسمًا كبيرًا من الهولنديين عارض آراءه جذريًّا، ورأى معارضوه أنه يهين المسلمين دون مبرر، وأنه يجعل اندماجهم في المجتمع الهولندي أكثر صعوبة، بسبب اتهاماته المتواصلة لهم..

بل إن بعض هذه الاعتراضات جاء من جهة «يهودية»، حيث نشر أحد أعضاء منظمة يهودية إعلانًا كبيرًا في صحيفة يومية واسعة الانتشار قال فيه: إن «فيلدرز» كان سيُدان بالعنصرية، لو أنه قال عن اليهود ما يقوله عن المسلمين.. وحتى من أيدوا ما فعله، قال بعضهم: إنهم يعارضون آراءه لكنهم يجدون تصريحاته الاستفزازية ضرورية لفتح النقاش والحوار بين الهولنديين المسلمين وغير المسلمين، ما يفضي في النهاية إلى تفهم وجهات النظر المختلفة.

وقد بدأت محكمة في مدينة «روتردام» الهولندية النظر في دعوى رفعتها منظمة الاتحاد الإسلامي في هولندا لحظر الفيلم ومنعت الشرطة الهولندية ناشطًا يمينيًّا متشددًا من رفع لافتة أمام المحكمة تدعو إلى «حظر الإسلام»!

ردود موضوعية

وقد بادر البرلماني الشاب من حزب الخضر الهولندي «توفيق الديبي» بالشروع في إعداد فيلم يرد فيه على دعاوى «فيلدرز» وإثبات التعايش.. كما أعلن سياسيون وشخصيات وطنية هولندية ومسلمة عن مبادرة وطنية لخدمة التعايش أطلقوا عليها: «المصارحة والمعالجة» في إشارة إلى تحديد المشكلات، والبحث عن حلول حقيقية...

أيضًا أنتجت «الرابطة العربية الأوروبية» فيلما بثته على شبكة الإنترنت باسم «مفتنون» في محاولة للرد على فيلم «فتنة» ويعد أول رد فعل من نوعه للمنظمة المعنية بالتضامن مع القضايا العربية والإسلامية في أوروبا، والتي تتخذ من هولندا مقرًا لها.. واحتوى فيلم «مفتنون» (ومدته سبع دقائق) على لقطات تلفزيونية تبرز بعض الانتهاكات العنصرية لحقوق الإنسان ضد العرب والمسلمين والأجانب في أوروبا.. وتضمن الفيلم صورًا لمظاهرات تطالب بإغلاق المساجد في أوروبا، ومعلومات عن منتج الفيلم «خيرت فيلدرز» أشارت إلى زيارات متعددة له للكيان الصهيوني..

وقال «عبد المطلب بوزردا» رئيس فرع الرابطة العربية الأوروبية في هولندا: إن الرابطة تؤمن بحرية الرأي كاملة، ولذلك فضلوا الرد على الفيلم بآخر يدفع الأذى عن العرب والمسلمين.. ويرى مسؤولون في الرابطة التي أسست عام 2000م أن الهدف الأساس من تشكيلها هو الدفاع عن حقوق المسلمين والعرب المهاجرين والذود عنهم بسبل حضارية راقية.

إن فيلم «فتنة» ليس فقط تعبيرًا عن رأي السياسي الهولندي المتطرف؛ ولكنه تعبير عن رؤية كثير من اليمينيين المتطرفين في أوروبا بسبب انتشار الإسلام المتزايد يومًا بعد يوم في القارة الأوروبية، وهو أمر يقلق كثيرين من الكارهين للإسلام، وقد حاول -من قبل- كتاب وأكاديميون من أولئك تنبيه أوروبا إلى ما يعتبرونه خطرًا يهدد هويتها التاريخية الحضارية؛ ولهذا لا تستغرب إذا ظهر كل فترة «فيلدرز» جديد أو «فتنة» أخرى مسيئة للإسلام.

الرابط المختصر :