العنوان مفهوم «النفر» في سورة التوبة»
الكاتب د. عدنان علي رضا النحوي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001
مشاهدات 124
نشر في العدد 1434
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 16-يناير-2001
الذين يتفقهون هم الذين ينفرون وكل مؤمن مكلف بالاستعداد للخروج للجهاد
الجهاد في سبيل الله نهج ممتد يجب تطبيقه بتكامله في شتى مناحي الحياة
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).
هذه الآية الكريمة من سورة التوبة مليئة بالتوجيه الممتد مع الزمن، بغض النظر عن أسباب نزوله، فقد تنزل الآية الكريمة مع حادثة، ولكن لا تنحصر حكمتها في الحادثة فقط وإنما تمثل قاعدة من الحق المطلق الماضي مع الزمن كله.
عند العودة إلى كتب التفسير، نجد أن المفسرين اختلفوا في المعنى المقصود من هذه الآية، فقال بعضهم: إنها نزلت لتبين أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعذر أولئك الذين بعثهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى البادية، فلما سمعوا قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ (التوبة: ۱۲۰)، انصرفوا عن البادية إلى المدينة، خشية أن يكونوا ممن تخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقال بعضهم كان يكفي أن ينفر من كل حي أو قبيلة طائفة منهم للجهاد، وتبقى طائفة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة ليتفقهوا بصحبتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعلموا ما نزل من القرآن، ثم يبلغوا الذين نفروا للجهاد عند عودتهم بما نزل من القرآن الكريم، وهذا التأويل ينطبق في حالة السرايا التي يبعثها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقال بعضهم كان يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- عصابة من كل حي من العرب يسألونه عما يريدونه من دينهم، فيفقههم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويأمرهم، ويعلمهم، فيعودون إلى قومهم ينذرونهم بعذاب الله إن كفروا ويبشرونهم بالجنة، إن أمنوا حتى يحذروا وقال بعضهم: إن هذه الآية تكذيب للمنافقين الذين آزروا بأعراب المسلمين وعابوا عليهم تخلفهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما كان للمنافقين أن يفعلوا ذلك لأن هؤلاء الأعراب كانوا ممن عذرهم الله.
وقال آخرون: إن معنى الآية أن تنفر طائفة لتتفقه في الدين من خلال نفرتهم وجهادهم العدو، حتى إذا عادوا أنذروا قومهم بخطر العدو حتى يستعدوا لهم، ويحذروهم، ويكون الفقه بما يرون من آيات الله في الجهاد والنصر الذي ينزله على عباده المؤمنين.
وحين مراجعة مختلف أقوال المفسرين نجد أن معظمهم يربط التفسير بحادثة أو واقع معين أو مرحلة معينة.
بيد أن تفسير أي آية اليوم يجب أن يرتبط بالخط العام للسورة التي هي فيها، والآيات التي قبلها، والتي بعدها، بحيث يستفاد من الأحداث والوقائع المرتبطة بها، لنخرج من ذلك كله بدروس واضحة من التفسير والمعنى نحتاجها في واقعنا اليوم، وفي كل واقع آخر، في ممارسة إيمانية وتطبيق إسلامي.
بداية: نحن نؤمن بأن الآيات القرآنية تمثل ما نسميه الحق المطلق الذي يحتاجه كل زمان ومكان، إنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنه تنزيل من حكيم حميد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 41-42).
مدخل إلى سورة التوبة
وبداية، فإن سورة التوبة لها أسماء متعددة. فتسمى «براءة»، وتسمى «الفاضحة»، وتسمى «الحافرة». (1)
وسورة التوبة من أواخرها نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد نزل أول هذه السورة لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج.
تتحدث السورة عن العلاقة والموقف من المشركين، وتحدد ذلك تحديدًا حاسمًا، ينهى المسلمين عن أن يخدعوا بأفواه المشركين فهم المعتدون الظالمون المجرمون أبدًا ما داموا على شركهم.
وتضع السورة قواعد فاصلة في الفكر، والعلاقات وأسس الإيمان والتوحيد، وهي الأسس التي يبنى عليها الفكر والرأي والفقه والموقف، فتشرق من خلال ذلك معاني الآيات.
ثم تتوالى الآيات الكريمة لتقرر حقائق مطلقة يجب ممارستها في واقع حياة المؤمنين، وفي علاقاتهم مع أبنائهم وآبائهم وأزواجهم، وكذلك في تجارتهم ومختلف شؤون حياتهم.
وتمتد الآيات الكريمة لتعرض صورة النفاق والمنافقين الموجودين بين المؤمنين، وتكشف سماتهم وخصائصهم التي تفضحهم، وتحدد الموقف منهم، وتدرس نفسياتهم، وما يخفون فيها، ومواقفهم التي يخذلون بها المؤمنين في ساعات النفرة، ولحظات الشدة، كما حدث في غزوة تبوك، إذ كانوا هم المتخلفين الذين أخفوا نفاقهم بما قدموا من أعذار كاذبة، حتى بين الله لنا كذبهم، وفتنتهم، وحقدهم على المؤمنين.
ثم تفرق السورة بين تخلف المنافقين والثلاثة الذين تخلفوا واعترفوا بأنه لم يكن لهم عذر فصدقوا الله ورسوله، ونزل بحقهم العقاب في الدنيا، وترك المنافقون، بعد أن فضحوا لعذاب الله في الآخرة، ورفضت أموالهم، ومات من مات منهم وهم كافرون.
وتعدد السورة نماذج أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، نموذجًا نموذجًا، ثم تعرض الصورة المشرقة للمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان على صراط مستقيم، ثم يختم العرض كله بقوله سبحانه وتعالى بالقاعدة الإيمانية الكبيرة أن ينهج المؤمنون نهج الذين صدقوا وقد عوتبوا وليس نهج المنافقين الذين كذبوا فتركوا لعذاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (التوبة: 119).
النفر محور السورة
من خلال هذه المشاهد المتتالية والقواعد الربانية المتماسكة، تأتي الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).
فمحور سورة التوبة هو النقر في سبيل الله لنشر الدعوة الإسلامية، ومجاهدة الكافرين والمشركين الذين يصدون عن سبيل الله.
والنقر في سبيل الله نهج يحمل أهدافه الربانية، وهذا النهج لا يحتاج لأن ينفر المؤمنون كلهم فردًا فردًا، لكنه يفرض شروطًا أساسية يجب توافرها في واقع المؤمنين.
أولًا: أن يكون جميع المؤمنين مستعدين للنفر إذا صدر إليهم الأمر قادرين عليه إلا من عذر الله مع إعداد العدة من تدريب وبناء ورباط وقوة ليرهبوا بها عدو الله وعدوهم، فكل مؤمن مكلف -في دين الله- بأن يكون مقاتلًا مستعدًا للجهاد في سبيل الله، ليكون المؤمنون جميعهم أمة واحدة، وصفًا متماسكًا كالبنيان المرصوص يحمل رسالة الله إلى الناس كافة، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).
وفي الآيات الكريمة التي تتحدث عن الجهاد لا يتوجه الخطاب إلى فئة دون فئة، ولكن إلى المؤمنين كافة دون استثناء أحد منهم، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 14).
ويرتبط الجهاد حينًا بالإيمان والتقوى، وحينًا بالشعائر، وحينًا بمنع الفتنة، ويمتد في حياة المؤمنين حتى يكون ذروة سنام الإسلام، كما جاء في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه معاذ رضي الله عنه، الذي جاء فيه: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قلت بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). (2)
ثانيًا: أن ينفر من المؤمنين ما يكفي لبلوغ النصر، وحماية دار الإسلام وحرمات المسلمين وثرواتهم، فقد يكون الواجب أن ينفر المؤمنون كلهم، قال تعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 41).
وقد يكفي أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة كما في الآية موضع المقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (التوبة: ١٢٢)
وهذا أقل ما يجب على الأمة المسلمة أن تفعله في ميادين الجهاد الممتدة في الأرض والزمن.
وحين تنفر فيه من كل فرقة، فإن الباقين جاهزون، قادرون، يمكنهم النزول إذا تطلبت المعركة ذلك، أو إذا اشتد الخطر على المسلمين.
وعندئذ يصبح ميدان الجهاد ميدان فقه وهذه نقلة عظيمة للفقه في الإسلام، حتى يمتد الفقه ومفهومه إلى ميادين الحياة كلها، ابتداء من حياة الفرد إلى الأسرة والبيت إلى الوظيفة، إلى التجارة، وإلى ميادين الدعوة والتربية والجهاد والحكم وغير ذلك. (3)
فهذه الآية الكريمة تبين لنا هذه النقلة العظيمة في الفقه حين تنص: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: ١٢٢)، فمعنى الآية واضح جلي محكم تدل عليه اللغة العربية وترابط الضمائر، فالذين يتفقهون هم الذين ينفرون للجهاد، إذ يرون آيات الله في الواقع، ويرون سنته وفضله ونعمته على المؤمنين الصادقين المتقين المجاهدين بالنصر، وحين يرون العبرة بعد العبرة والعظة بعد العظة، في ميدان القتال، حتى إذا رجع هؤلاء المجاهدون إلى قومهم حدثوا قومهم بخطر الأعداء على دين الله، وعلى الإسلام والمسلمين، ليأخذوا حذرهم، ويظلوا على استعداد دائم لينفروا، وليعدوا كل عدة لازمة للميدان.
إن هذا المعنى للآية الكريمة متناسق كل التناسق مع الآيات قبلها وبعدها، ومتناسق مع نهج سورة التوبة وموضوعها وخطها، ومتناسق مع أسس الإيمان والتوحيد، وقواعد منهاج الله، وتؤكده لنا قواعد اللغة العربية.
وكذلك، فإننا بهذا التصور نكون مطالبين بممارسة هذه الآية الكريمة في واقعنا، في كل واقع، وبخاصة في واقعنا اليوم.
ونخرج من هذه الآية الكريمة ومن السورة كلها بقاعدة رئيسة يؤكدها منهاج الله سورة بعد سورة، وحديثًا بعد حديث، هذه القاعدة هي: أن المؤمنين أمة واحدة لهم رابطة واحدة، تنشأ الحقوق والواجبات من هذه القاعدة العظيمة، القاعدة الربانية المؤكدة في سور عدة بإلحاح، وتكرار حتى لا يتفلت منها المؤمنون، فينهاروا ويذلوا، ويصبحوا غثاء كغثاء السيل.
وفي واقعنا اليوم واقع المسلمين، جميع المسلمين علينا أن نرد واقعنا إلى منهاج الله، كما يأمرنا الله سبحانه وتعالى، وأن نبحث عن أخطائنا وزللنا على أساس من ميزان واضح دقيق هو منهاج الله، فتعالج أخطاءنا وعيوبنا على الأساس والميزان نفسه، عسى أن يقبل الله توبتنا وأوبتنا، ويمدنا بنصر من عنده.
هذا هو السبيل الوحيد، ولا أرى سبيلًا سواه، سوى المضي من هزيمة إلى هزيمة، وهوان إلى هوان، إذا حدنا عنه، أو رغنا عن صراطهم المستقيم يؤيد ذلك أننا نرى من خلال هذه الآيات، وآيات أخرى مترابطة في كتاب الله، أن الجهاد في سبيل الله نهج ممتد متكامل، يجب تطبيقه بتكامله، ففيه البناء المتماسك وإعداد القوة التي ترهب عدو الله، وهو نهج له أهدافه، ورسالته العظيمة في الحياة الدنيا، حين يحمل المسلم رسالة الله ليبلغها للناس كافة على مدى العصر.
الهوامش
(1) تفسير ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي
(2) الترمذي ٢٦١٦/٨/٤١
(3) يراجع كتاب الفقه امتداده وشموله بين منهاج الله والواقع للكاتب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل