; روسيا تستهدف إضعاف الثورة السورية وليس «تنظيم الدولة» | مجلة المجتمع

العنوان روسيا تستهدف إضعاف الثورة السورية وليس «تنظيم الدولة»

الكاتب عبدالغني بلوط

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016

مشاهدات 50

نشر في العدد 2093

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 01-مارس-2016

الخبير الإستراتيجي د. عبدالعالي الحور لـ «المجتمع»:

روسيا تستهدف إضعاف الثورة السورية وليس «تنظيم الدولة»

حاوره: عبدالغني بلوط

أكد الخبير الإستراتيجي د. عبدالعالي الحور، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة المغربية، في حواره مع «المجتمع»؛ أن التدخل الروسي في سورية هو تعطش روسي للمياه الدافئة في ظل عودة الأهمية الإستراتجية للبحار وللممرات البحرية والتواجد عسكرياً فيها، معتبراً أن الولوج للبحر الأبيض المتوسط هو أحد العوامل الرئيسة في هذا التدخل، علاوة على السعي لضمان موطئ قدم ثابت لها في الشرق الأوسط، وحدود برية مشتركة مع كل من «إسرائيل» وتركيا ولبنان والعراق والأردن، داعياً الدول العربية والإسلامية إلى عدم التعويل على أي دور لأمريكا والدول الغربية الأخرى، التي تتعامل مع التدخل العسكري الضخم لروسيا ببرود أقرب للتواطؤ.

< ما الأسباب الحقيقية للتدخل الروسي الحالي في سورية؟

- التدخل الروسي في سورية يجب أن يوضع في سياق الطموحات التي أصبحت تبديها القيادة الروسية الحالية في استعادة مجد الإمبراطورية السوفييتية منذ وصول «فلاديمير بوتين» للحكم، وسعيه لجعْل روسيا فاعلاً أساسياً ودولة عظمى في الساحة الدولية يحسب لها ألف حساب، وقد بدأ هذا الأمر بضم شبه جزيرة القرم عام 2014م؛ وهو ما قوبل بردود أفعال من قبل الدول الغربية رافضة ومتبوعة بسلسلة من العقوبات، اعتبرتها القيادة الروسية مهينة وغير مقبولة، ولا تصلح للتعامل مع قوة عظمى كروسيا، وقد كان إذناً بخروج الدب الروسي من كهف الجليد الذي ظل يسكنه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

استشعرت بعده القيادة الروسية عجز أمريكا وأوروبا عن معارضة أي تحرك روسي على الساحة الدولية، فكان لزاماً تأكيد هذا التوجه الجديد لروسيا بالتدخل عسكرياً في منطقة أخرى بعيدة نسبياً عن روسيا، خاصة أن الروس خسروا حلفاءهم في المنطقة.

كما أن هناك تعطشاً روسياً للمياه الدافئة في ظل عودة الأهمية الإستراتجية للبحار وللممرات البحرية والتواجد عسكرياً فيها؛ فالولوج للبحر الأبيض المتوسط يعتبر أحد العوامل الرئيسة في هذا التدخل، ومن أجل ضمان موطئ قدم ثابت لها في الشرق الأوسط، وحدود برية مشتركة دول المنطقة. 

كما أن سورية تستضيف إحدى أهم القواعد العسكرية (قاعدة حميميم، وميناء طرطوس) الروسية في الخارج، وسقوط نظام «بشار الأسد» يعني إمكانية فقدانهما؛ وبالتالي عزل روسيا عن البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى تأمين مصادر الطاقة وحماية المصالح الأخرى بالمنطقة، والتموقع في الحرب والسلم في الشرق الأوسط بعد احتكار الولايات المتحدة الإشراف على الصراع العربي «الإسرائيلي» لأكثر من عقدين من الزمن، هذا دون أن نغفل أن روسيا كانت قبل الأزمة الحالية تزود سورية بالأسلحة والذخائر، فضلاً عن الدعم السياسي والدبلوماسي لنظام «بشار الأسد»، وتزودها بالخبراء الذين قدر عددهم في مرحلة معينة بحوالي ألف خبير. 

كما أن روسيا تسوق مبرراً آخر وهو قتال المتطرفين المنتمين إلى «تنظيم الدولة الإسلامية» الذين ينتمي الآلاف منهم إلى دول القوقاز.

هذه مجمل الأسباب التي تقف خلف التدخل الروسي في سورية.

< هل حققت روسيا أهدافها حتى الآن؟ 

- الساحة السورية تعج باللاعبين من غير روسيا الذين لن يسمحوا لها بتحقيق أهدافها ببساطة وبسرعة ودون كلفة، فليس من مصلحة أمريكا ودول الخليج وتركيا أن تنجح روسيا في الساحة السورية، وأن تهنأ بهذا التدخل، فرغم كثافة القصف الجوي الروسي على مختلف الأهداف العسكرية والمدنية في سورية سواء التابعة للقوى الثورية وتنظيم «داعش»، والتقدم الذي أحرزته قوات «بشار الأسد» باستعادة بعض المناطق من يد الثوار؛ فإن هذا التدخل لم يحقق اختراقاً كبيراً من شأنه تغيير موازين القوة بشكل حاسم. 

وروسيا ما زالت تتخوف من المغامرة بأي قوات برية، رغم أنها لن تستطيع الحسم عسكرياً بدونها، فبعد ما يزيد على 4 أشهر ما زالت قوى المعارضة قادرة على الصمود، وطول أمد الحرب قد يثقل كاهل الميزانية الروسية، وقد يتبعها ردود أفعال داخل روسية، واحتجاجات ورأي عام رافض لهذا التدخل؛ لأن أي تدخل في الخارج يكون على حساب الاستثمارات الداخلية.

< ومن المستهدف الأول من هذه الحملة؟

- المستهدف الأول من هذه الحملة هي قوى الثورة السورية التي أثبتت قدرتها وقوتها في مواجهة قوة النظام؛ فرغم الادعاء الروسي بأن غارتهم تستهدف مواقع «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)؛ فإن التقارير الإخبارية والصحفية وتقارير منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن القوى الثورية المعتدلة والجيش الحر والمدنيين العزل يأتون على قائمة الأهداف الروسية، فقتال «تنظيم الدولة الإسلامية» ليس أولوية لا بالنسبة لروسيا ولا بالنسبة لـ «بشار الأسد»، فإضعاف قوى الثورة المسلحة هو الهدف من هذه الحملة، وإفقادها الحاضنة الشعبية من خلال استهداف المدنيين؛ لأن ذلك كفيل بتحقيق باقي الأهداف من خلال فرض التسوية التي تضمن ذلك.

< هل هذا التدخل يخدم فعلاً الشعب السوري كما يدعي «بوتين»؟

- التدخل الروسي يخدم النظام ولا يخدم الشعب السوري، لأنه يؤدي إلى زيادة التدمير والتهجير واللجوء، خاصة في ظل ورود تقارير عن قصف المدنيين والمستشفيات والمدارس وقوافل الإغاثة، حيث اتهمت منظمة «العفو الدولية» روسيا بقتل مئات المدنيين، وإحداث دمار هائل في سورية جرَّاء الغارات الجوية التي تشنها على مناطق سكنية، واعتبرت أن هذه الضربات قد ترقى إلى حد جرائم حرب. 

والتدخل يخدم أيضاً أهداف روسيا في إثبات ذاتها، وتملكها لمفاتيح القضية السورية، وممارسة دور الدولة العظمى ولو على حساب معاناة الشعب السوري، كما أن هذا التدخل يخدم بشكل مباشر «إسرائيل»؛ فإطالة أمد الحرب يعني إضعاف سورية وجيشها، ويساعد في إمكانية تقسيم سورية على أسس طائفية مذهبية، وهو ما يخدم أمن الاحتلال «الإسرائيلي».

< كيف تفسرون الموقف الفضفاض لعدد من الدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا تجاه هذا التدخل؟

- يبدو أن التدخل الروسي في سورية كان مفاجئاً للجميع، ولم يكن متوقعاً أن يتخذ هذا المسار، رغم أن روسيا لم تكن تحفي دعمها وتشبثها بنظام «بشار الأسد»، فحتى الدول العربية اتسمت مواقفها بالتباين، انعكاساً لموقف مختلف هذه الدول من نظام «بشار الأسد» ومن الأزمة السورية بصفة عامة.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فقد اتسم موقفها منذ بداية الثورة بالتردد والغموض، ولم تستطع أن تتخذ موقفاً حاسماً تجاه المآسي التي يتعرض لها الشعب السوري، وقد يعود ذلك في جزء منه إلى تخوفها من البديل الذي قد يخلف نظام «بشار الأسد»، وعدم ثقتها في المعارضة السورية وخاصة ذات التوجه الإسلامي منها، والتي قد تشكل تهديداً لـ «إسرائيل»، بالإضافة إلى أن أي تدخل أمريكي في سورية قد يثقل كاهل الميزانية الأمريكية، بالإضافة إلى التخوف من الغوص في المستنقع السوري، هذا في ظل الدعوات في الداخل الأمريكي إلى الانكفاء وتجنب التدخلات العسكرية الخارجية، كما أنه يأتي في سياق قرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي لا يرغب الحزب الديمقراطي الأمريكي أن يحسب عليه أي توتر جديد في العلاقات يكون من شأنها إضعاف حظوظه في الفوز بالرئاسيات. 

لهذا لم تكن الولايات المتحدة قلقة كثيراً من زيادة النفوذ العسكري الروسي في سورية، بل أكثر من ذلك يمكن النظر إلى الأمر كتواطؤ مع روسيا في هذا التدخل في محاولة لتحميلها عبئاً أكبر في محاربة المجموعات الجهادية، والمحافظة على النظام حتى يتم إيجاد تسوية تتفق عليها الأطراف الدولية.

وقد أعلنت الإدارة الأمريكية صراحة استعداد الولايات المتحدة العمل مع روسيا وإيران من أجل إيجاد تسوية سياسية في سورية. 

وليست أمريكا فحسب التي اتسم موقفها بالغموض، بل إن معظم الدول الأوروبية التي طالما طالبت برحيل «الأسد» دون قيد أو شرط بدأت تغير رؤيتها باتجاه عدم رحيله الآن، بل تراه جزءاً من الحل يجب التفاوض معه من أجل محاربة «تنظيم الدولة».

< لماذا تؤيد إيران هذا التدخل دون تردد، فيما تنكره تركيا وتحاول وقفه؟

- إيران منذ بداية الثورة السورية أعلنت وقوفها إلى جانب نظام «بشار الأسد»، بل تجاوز الأمر ذلك إلى القتال إلى جانبه، وقد كانت إيران هي الطرف المؤهل للتفاوض معه بشأن مصير «الأسد»، لكن فشل قوات «الأسد» والمليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانبه أمام تمدد المعارضة السورية جعل إيران ترحب بالتدخل الروسي كمنقذ لـ «الأسد» ونظامه، رغم أن هذا التدخل يعني سحب البساط من تحت أقدامها ويجعلها طرفاً ثانوياً في الملف السوري، فإنه قد يشكل سنداً لها في ملفات إقليمية أخرى، علاوة على العلاقات المتميزة التي ظلت تربط روسيا بإيران؛ سواء على المستوى الاقتصادي والسياسي، فروسيا تعتبر عرَّاب المشروع النووي الإيراني، كما أن إيران ظلت تنسق مع روسيا منذ بداية الأزمة.

 أما تركيا؛ فهي من الدول التي تدعم الثورة السورية، وتدعم الجيش الحر والفصائل التي تحارب «بشار الأسد»، وهي تعلم حقيقة التدخل الروسي في سورية وأهدافه الحقيقية، ولا ترغب في وجود روسي على حدودها، كما أن هذا التدخل أتى لقطع الطريق على أي تدخل تركي، خاصة أن تركيا طالبت منذ بداية الأزمة بإقامة مناطق آمنة وعازلة، كما تتخوف تركيا من تصاعد نفوذ الأحزاب الكردية في سورية، وتطور قدراتها العسكرية، وترى فيها تهديداً مباشراً لأمنها القومي وخاصة قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردية التي تعتبرها تركيا جماعة إرهابية؛ لأنها تعتبر الذراع السورية لقوات حزب العمال الكردستاني. 

< هل يعني ذلك أن للتدخل الروسي أبعاداً طائفية ومذهبية، أم أن الأمر اقتصادي سياسي محض؟

- للأسف الأوضاع في الشرق الأوسط بصفة عامة أضحت تنحو نحو الطائفية والمذهبية، فالدعم الإيراني لنظام بشار الأسد ينبني على اعتبارات مذهبية، والصراع في سورية اتسم بهذه الصفة حيث المواجهة تدور بين السُّنة والشيعة والأكراد، وهو نفس الوضع الذي يعاني منه العراق واليمن، لكن أن تعتبر الطائفية والمذهبية محركاً للتدخل الروسي في سورية فهذا أمر مستبعد.

وبالنسبة للجانب الاقتصادي في الموضوع، فالتدخل الروسي يكتسب طابعاً سياسياً وجيوستراتيجياً واقتصادياً، فقد جاء لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية الروسية والقواعد العسكرية، ويدخل كذلك في إطار الرؤية التي تتبناها القيادة الروسية للدور الذي يجب أن تمارسه روسيا على الساحة الدولية وخاصة الشرق الأوسط، خاصة بعد الحديث عن إعادة رسم خريطة المنطقة، وروسيا لا ترغب أن يتم ذلك بعيداً عنها ودون أخذ مصالح بعين الاعتبار.

< ماذا يجب على الدول الإسلامية والعربية عمله لمواجهة هذا التدخل؟

- لا بد من الإشارة إلى أنه للأسف دائماً الدول العربية والإسلامية تأتي متأخرة في ردود أفعالها؛ فالحديث الآن عن إرسال قوات برية إلى سورية لن يكون – من وجهة نظري - هو الحل المناسب، وستعتبر روسيا أنها هي المستهدف من ذلك؛ مما قد يدفع نحو انفجار إقليمي كبير ستكون له تبعات وخيمة على المنطقة كلها.

لكن كان يجب على الدول العربية والإسلامية أن تدعم قوى المعارضة السورية بمختلف أنواع السلاح والعتاد النوعي، وألا تأبه للفيتو الأمريكي على ذلك، وهو ما كان من شأنه أن يغير المعادلة في الساحة السورية، وهذا الخيار يبقى وارداً الآن، وهو الأنجع والأقل كلفة في ظل تهاوي أسعار النفط، فالخيار المتاح أمام الدول العربية وتركيا هو دعم المعارضة السورية بالسلاح النوعي والمتطور للصمود في وجه القوات الروسية وقوات «بشار الأسد» وحلفائه.

< ما مستقبل سورية في ظل هذا الوضع؟

- مستقبل سورية يرتبط بمستقبل المنطقة ككل، وبالتطورات التي تشهدها جميع البؤر في المنطقة، ورهين بالإرادة والقوة التي يمكن أن تعبر عنها الدول العربية والإسلامية في مواجهة الإرادة الروسية، وعدم التعويل على أي دور لأمريكا والدول الغربية الأخرى، التي تتعامل مع التدخل العسكري الضخم لروسيا ببرود أقرب للتواطؤ، والذي يعطي الانطباع أنه تم تسليم سورية لروسيا بعد أن تم تسليم العراق لأمريكا.

فالهزيمة الفعلية للنظام لم تعد أمراً مرجحاً، مما يكون معه زيادة الضغط على القوات الروسية وقوات «الأسد» بدعم المعارضة المسلحة، لدفع روسيا نحو البحث عن بديل لـ «الأسد» ولو من داخل النظام نفسه، والجلوس إلى طاولة المفاوضات، وتعزيز الثقة مع المعارضة السورية؛ وذلك تفادياً لانهيار الدولة وتقسيم سورية.>

الرابط المختصر :