; مشروعية تجديد الدين بين الأمل والواقع | مجلة المجتمع

العنوان مشروعية تجديد الدين بين الأمل والواقع

الكاتب د. محمد جميل المصطفى

تاريخ النشر الجمعة 06-أبريل-2012

مشاهدات 74

نشر في العدد 1996

نشر في الصفحة 54

الجمعة 06-أبريل-2012

دواعي تجديد الدين

الضغوط الخارجية إن كانت تتعلق بأساسيات الدين فلا يجوز اعتبارها أما إن كانت تتعلق بمحاسن الإسلام فلا حرج من مراعاتها

صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان لا تتحقق ما لم تكن في تعاليم الإسلام مرونة تجعلها تناسب كل عصر ومِصْر

التجديد ضرورةٌ تقتضيها طبيعة الإسلام وخصائصه؛ وذلك للأسباب التالية:
أولاً: كي يظل الدين يؤدي دوره في توجيه دفة الحياة الدنيا؛ لأن الحياة متجددة متطورة، وبدون تجديد الدين يصبح أتباعه عاجزين عن فهمه بشكل يساير التطور.

ثانياً: للحفاظ على معالم الحق والهدى أن تنطمس فلا يعرفها أحد، ولئلا تضيع بين ركام التراث الاجتهادي وما فيه من صواب أو خطأ، حيث تَعَلَّق الناس بأقوال العلماء، ونسي كثيرٌ منهم نصوص الوحي؛ فيكون التجديد إعادة نصوص الوحي إلى الواجهة، وبث الروح فيها، وربط الناس بها، وتمحيص ما قيل فيها من اجتهادات وتفسيرات، واختيار الأصلح للزمان والمكان.
ثالثاً: كي يؤدي الدين دوره في إقامة التوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح، وبين العمل للدنيا، والعمل للآخرة، ويحقق التوازن في الحياة البشرية عموماً.
ودواعي التجديد؛ منها ما يعود لطبيعة الإسلام، ومنها ما يعود لأمور خارجة عنه:
فأما ما يعود لطبيعة الدين وخصائصه؛ فهي:
خلود الدين: قال النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك »صحيح مسلم ص 502 ، رقم 1920 ، وإذا كانت هذه الطائفة باقية على الحق، فهذا يدل على وجوب المحافظة على هذا الحق وهذا الدين، وسبب خلود الدين؛ تعهد الله تعالى بحفظه وإظهاره على الأديان كلها، قال تعالى: ﴿إنَّا نّحًنٍ نّزَّلًنّا الذَكًرّ إنَّا لّهٍ للحّافٌظٍونّ﴾ الحجر، وقال سبحانه: ﴿هٍوّ الذي أرًّسّلّ رّسٍولهٍّ الحق ليٌظٍهرّهٍ عّلىّ  الدين 
كٍلَهٌ لّوً كّرٌهّ المٍشًرٌكٍونّ﴾ التوبة.
شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة؛ قال تعالى: ﴿مَّا فّرَّطًنّا فٌي الكٌتّابٌ مٌن شّيًءُ ثٍمَّ إلّى رّبَهٌمً يٍحًشّرٍونّ﴾ الأنعام، فتشمل علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الفرد بغيره، وعلاقة الفرد بمجتمعه والمجتمعات الأخرى، وهذه العلائق  المتشابكة تتغير وتتغاير باختلاف الأشخاص والظروف، لذلك لا بد من التجديد في فهم الدين؛ حتى يتفاعل مع هذه العلائق باستمرار، ويكون معها ضابطاً لها، وموجهاً لها بالشكل الصحيح.
صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت تعاليم الإسلام فيها مرونة؛ تجعلها تناسب كل عصر ومِصْر.. فاقتضت حكمة الله أن يشرع أساسيات الأحكام التي لابد منها لكل شخص، ولا تختلف باختلاف البشر، ولا باختلاف الزمان، مثل: أركان الإيمان، وأركان الإسلام والعبادات، وأن يضع مقاصدَ عامة للشريعة لا يجوز الخروج عليها؛ كحفظ الضروريات، وتَرَك التفصيل في كثير من التشريعات المدنية؛ حتى يجتهد الناس فيأخذوا بما فيه مصلحتهم؛ مما لا يتنافى والمقاصد العامة للإسلام.
-4 إجمال بعض النصوص، وعدم وضوح المعنى المقصود منها بشكل دقيق؛ يؤدي إلى اختلاف الأفهام فيها، وبما أنه لا دليل على القطع بصحة اجتهاد معين؛ لذلك تظل الحقيقة القطعية خفية، ويحرص الناس على إصابتها، ويظن كل منهم أنه قاربها، أو وقع عليها، بينما هي لم تتضح بعد، وقد تكشف عنها الأيام، أو الاجتهادات التالية، لذلك كان كثير من الصحابة والعلماء يغيِّر كثيراً من اجتهاداته مرة بعد مرة؛ لأنه اتضح له بعدُ، ما لم يتضح له قبلُ، بل إن رسول الله ﷺ غيَّر في بعض اجتهاداته التي لم يوح إليه فيها؛ فقال ﷺ: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس »صحيح البخاري، ص 994 ، رقم 7229 .
وأما الدواعي الخارجية لتجديد الدين؛ فهي: اختلف أفهام الأشخاص: فقد يفهم عالِمٌ من الدليل ما لا يفهمه آخر، ويفهم العالِم
من الآية ما لا يفهمه الإنسان العادي، ولقد كان ابن عباس رضي الله عنه يفهم من القرآن ما لا يخطر لكثير من الصحابة، ولما سأل شخص عليّاً رضي الله عنه: هل عندكم كتاب غير كتاب الله المعروف؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أُعطِيَه رجل مسلم.
اختلاف المُدْرَكات العقلية: من وقت  إلى وقت، بسبب اختلاف المُعْطَيات؛ فإن الحقائق الاجتهادية لا تظهر للعقل دفعة
واحدة، بل قد تتجلى مع التطبيق، ومع الزمن، وقد يظهر لجيلٍ لاحقٍ، ما لم يظهر للسابق 1.
اختلاف الأعراف والعادات: فقد يختلف العرف في قضية من مكان لمكان؛ فيختلف الحكم باختلاف العرف؛ وقد قال الفقهاء في ذلك قاعدة شهيرة: «العادة محكمة 2» ؛ لذا فإنه يحتاج إلى مراعاة الأعراف التي جدت في البيوع والمعاملات، مما لم يكن معروفاً سابقاً كالمعاملات البنكية والحوالات المصرفية وآلات الصرافة والتأمينات..
اختلاف الأزمان: فقد يَجِدُّ من الرؤى والحيثيات ما يستدعي تغيير الحكم، وقد غَيّر الرسول ﷺ بعض الأحكام لتغير الظرف، من ذلك أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ ثم سمح بذلك فقال ﷺ: «إنما نهيتكم أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلث؛ من أجل ا الدَّافة التي دفَّت عليكم، فكلوا، وادخروا وتصدقوا »صحيح مسلم، ص 515 رقم 1971 ، وسنن أبي داود 3/ 99 رقم 2812 ؛ أي  لما  كَثُر الخير، وأصبح كثير من الناس يضحي؛ لم تعد الحاجة ماسّة لِلُّحوم، فسمح بالادخار، ولما كان الناس حديثي عهد بجاهلية، نهاهم عن زيارة القبور، ثم لما  تمكن الإيمان من قلوب الناس سمح بها، فقال: «نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها »صحيح مسلم، ص 516 رقم 1975 ، وإن ثورة المعلومات والاتصالات في العصر الحاضر قد غيرت كثيراً من المفاهيم، وأعادت ترتيب سُلّم الأولويات والقِيَم لدى كثير من الناس، وهذا يستدعي إعادة برمجة الخطاب الإسلامي حتى يكون مواكباً لعصره، «ولا يكون بَثُّه على موجة تغاير الموجة التي تسمع عليها الجماهير » .
حالة المسلمين من ضعفٍ أو قوة: فما يُطَالَب به الناس في وقت الحرب، قد لا يطالبون به في وقت السلم، والعكس، فالحدود لا تقام في حالة الحرب خشية التحاق المسلم بالكفار، فقد جاء عن النبي ﷺ: «لا تقطع الأيدي في الغزو »سن الترمذي 4/ 43 رقم 1450 ، وسنن الدارمي، ط. دار الكتب العلمية 231/2 ، وما يفتى به في حالة الإقبال على الدِّين، لا يفتى به في حالة الضعف، وما يفتى به لشخص، قد لا يفتى به لآخر، سأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما: لمن  قَتَلَ مؤمناً متعمداً توبة؟ قال: لا، إلا النار، فلما ذهب؛ قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أنَّ لمن قتل توبة مقبولة. قال: إني لأحسبه رجلاً مغضباً، يريد أن يقتل مؤمناً، قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. الجامع لأحكام القران؛ للقرطبي 5/ 333 ، وقد أوقف عمر رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم عندما رأى أن الدين قد عَزّ، ولم يعد يخشى شَرَّهم، ولم يطبق حد السرقة عام الرمادة؛ لأن كثيراً من السرقات كانت لدفع الجوع والهلاك.
الضغوط الخارجية: الضغوط إن كانت تتعلق بأساسيات الدين وأركان الإسلام والإيمان، فل يجوز بحال اعتبارها؛ لأنه  لما عرض المشركون على الرسول ﷺ أن يعبدوا إلهه سنة، ويعبد آلهتهم؛ اللات والعزى سنة ؛ نزل الحكم القاطع بتحريم المساومة أو التنازل في ذلك؛ فقال الله تعالى: ﴿قٍلً يّا أّيَهّا پًكّافٌرٍونّ لا أّعًبٍدٍ مّا تّعًبٍدٍونّ لا أّنتٍمً عّابٌدٍونّ مّا أّعًبٍدٍ وّلا أّنّا عّابٌدِ مَّا عّبّد أّنتٍمً عّابٌدٍونّ مّا أعّبًدٍ  لّكٍمً دٌينٍكٍمً لٌيّ دٌين﴾ الكافرون، وأما إن كانت الضغوط تتعلق بمحاسن الإسلام والمصالح والمفاسد؛ فلا حرج من مراعاتها إذا كانت تحقق مصلحة وتدفع مفسدة.
وقد راعى الرسول ﷺ مثل تلك الضغوط؛ من ذلك: عدم قتله للمنافقين، و ململّا طلب منه عمر رضي الله عنه قتل عبدالله بن أُبَي قال ﷺ «دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه »متفق عليه؛ صحيح البخاري، ص 697 ، رقم 4905 ، وصحيح مسلم، ص 659 ، رقم 2584 ، فالمفسدة التي تترتب على هذه الإشاعة أعظم من مفسدة الصبر على المنافق.
وتنازل الرسول ﷺ عن بعض مستحبات العبادة ململاَّ ترتبت عليها بعض المفاسد؛ فإنه كان يجهر بصلاته في الليل وكان بعض المشركين يسب القرآن عند سماعه، فقال الله تعالى له: ﴿لا تهجر بٌصّلاتٌكّ لا تٍخّافٌتً بٌهّا ابًتّغٌ بين ذّلٌكّ سّبٌيلاْ﴾ الإسراء.
بل ولقد أثرت الضغوط في تغيير بعض أوقات العبادة وشكلها؛ كجمع الصلوات وقصرها في حالة الخوف، والتساهل في بعض أركان الصلاة، في شدة الخوف. كل ذلك يشير إلى أن في ديننا إمكانية المرونة في بعض الأمور خصوصاً في الأمور الاجتهادية؛ إذا كان ذلك يحقق مصلحة، أو يدفع مفسدة أكبر.
الهوامش
1 انظر: تجديد الخطاب الإسلامي.. الشكل والسمات، د. عبد الكريم بكار، ط. 1، دار المسلم، ص 7 - 8.
2 الأشباه والنظائر للسيوطي، ط. عيسى البابي الحلبي، ص 99 .
3 تجديد الخطاب الإسلامي، مرجع سابق.
4 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 20 / 326 ، وتفسير ابن كثير، ط. دار الشعب بالقاهرة، .527/8

الرابط المختصر :