العنوان محمد فرغلي... الشيخ «الجنرال»... وعشرة دروس للدعاة
الكاتب عبدالحليم الكناني
تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004
مشاهدات 83
نشر في العدد 1632
نشر في الصفحة 42
السبت 25-ديسمبر-2004
الإمام البنا: هكذا يكون الرجال المسلمون في مواضع المسؤولية
هي عشرة مواقف عملية.. تخبرنا عن سمات الدعاة المجاهدين، نأخذ منها عشرة دروس عظيمة، يحتاجها كل داعية عامل للإسلام، كتبها شيخنا الشهيد «محمد فرغلي» بوقته وجهده وعرقه وماله.. وفي النهاية بدمائه، عسى أن ينتفع بها الدعاة من بعده ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ﴾ (ق:37)
1- السبق والمسارعة للعمل للإسلام
كان سباقًا للعمل للإسلام وهو لا يزال طالبًا بالأزهر، فقد كان عضوًا بجمعية «الحضارة الإسلامية» بالقاهرة، التي انضمت بعد ذلك بأعضائها لجماعة الإخوان اقتناعًا منها بأن توحيد جهود الدعاة خير من الفرقة، وأصبحوا شعبة من شعب الجماعة المنتشرة وصار شيخنا الشهيد من أبرز دعاتها في تلك الفترة المبكرة.
٢- قلة الكلام وكثرة العمل
كتب مقالًا قصيرًا قال فيه: «نحب دائمًا أن نعمل وأن ندعو إلى العمل، لأن العمل هو الطريق الذي يوصلنا إلى الغاية ويحقق لنا ما نرجو من الأمل، والعمل الطيب خير كله، قليله وكثيره، يشد بعضه بعضًا، أما الكلام فالخير منه قليل والكثير منه ينسي بعضه بعضًا»
وأضاف رحمه الله: «أدعو إخواني رجال الوعظ والخطابة إلى الإيجاز في خطبتهم ومواعظهم، ليخرج المستمعون وقد فهموا شيئًا محدودًا يمكنهم أن يحفظوه وأن يعملوا به، والزمن كفيل بأن يبلغ كل ما يريد من القول، أما أن يغتر الخطيب من الإعجاب أو أن يشغل نفسه بأن يقول كل ما في نفسه ثم يخرج المستمع ناسيًا كل شيء عند أول خطوة فذلك ليس من الحكمة في التبليغ، وللكلام شهوة يجب أن تحاربها، لأنها تضيع الفائدة، وتحبط العمل».
٣- عزة المؤمن وشجاعة الداعية
يروي الأستاذ البنا في مذكراته هذا الموقف الرائع للشيخ الشهيد فيقول: «...طلبت الشركة، الجباسات، من الجماعة بالإسماعيلية، انتداب أخ من العلماء يقوم بالإمامة والتدريس.. في مسجدها ، فانتدبت لهذه المهمة فضيلة الأخ الشيخ محمد فرغلي». وتسلم الأستاذ فرغلي المسجد، ووصل روحه القوى المؤثر بأرواح هؤلاء العمال الطيبين، فلم تمض عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري والنفساني والاجتماعي ارتفاعًا عجيبًا.
ويضيف الإمام: «... ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء وقرروا أنه إذا استمر الحال على ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبح جماحه وجماح العمال».
ظن الرؤساء هذا في الشركة، وفكروا في إقصاء هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيس المباشر، فلما توجه إليه قال له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خدماتك، وأنها تفكر في انتداب أحد العمال للقيام بعملكم في المسجد وهذا حسابكم إلى اليوم حسب أمر المدير.
فكان جواب الشيخ له بكل هدوء: ما كنت أظن «يا مسيو فرانسوا» أنني موظف بشركة جباسات البلاح، ولو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل معها، ولكني أعلم أنني موظف من قبل الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وأتقاضى مرتبي منهم محولًا عليكم، وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك مرتبًا ولا حسابًا، ولا أترك عملي في المسجد ولا بالقوة، إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي انتدبني هنا وهو إمامكم بالإسماعيلية فاتفقوا معه كما تريدون، واستأذن وانصرف.
وسقط في يد إدارة الشركة، وصبرت أيامًا، لعل الشيخ يطلب منها مرتبه، ولكنه كان قد اتصل بي في الإسماعيلية فأوصيناه بالتمسك بموقفه وألا يدع مكانه بحال، وحجته معقولة ولا شيء لهم، عندها لجأت الشركة إلى الإدارة، واتصل مديرها «المسيو ماينو» بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف، وحضر المأمور ومعه قوته، وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد، وأجاب الرسول لا حاجة لي عند المأمور ولا عند المدير وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما حاجة ليحضر لي، وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ، وأخذ يطلب إليه أن يستجيب لمطالب المدير، ويترك العمل ويعود إلى الإسماعيلية، فأجاب بمثل ما تقدم، ووصل النبأ إلى العمال، فتركوا العمل في لحظة واحدة، وأقبلوا متجمهرين صاخبين وخشي المأمور العاقبة فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية، واتصل بي للتفاهم على الحل.
قابلت بعد ذلك مدير الشركة، وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصًا يستسلم لمطالبهم، وكان من كلامه كلمة لا أزال أذكرها: «إنني صديق للكثير من زعماء المسلمين، ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحدًا كهذا الشيخ الذي ينفذ علينا هنا أحكامًا عسكرية كأنه جنرال تمامًا».
٤- الجهاد بالمال دون إبطاء
في عام ١٩٣٨م اقترح مشروع سهم الدعوة، وخلاصته أن يتطوع من يشاء من الإخوان ببذل نسبة من ماله لا تقل عن العشر، للإنفاق منها على تكاليف ومتطلبات العمل الدعوي.
وندب الإخوان إلى المشاركة في هذا الجهاد المالي فكانوا سراعًا، وكان من أسرعهم إخوان الإسماعيلية، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ محمد فرغلي، وكانت مشاركتهم في صورة جماعية، رائعة، دعت المشرف على المشروع أن يكتب عنهم تحت عنوان «صفحة الرعيل الأول»
٥- الصبر والاحتساب والثبات عند الشدائد
وتنشر مجلة النذير (عدد ١٠-٥ جمادي الآخرة سنة ١٣٥٧ه الموافق ١/٨/١٩٣٨م) هذا الموقف الإيماني المؤثر كتبه الأخ «عبد الله عبد المطلب المازني» وكان في رفقة فضيلة المرشد في رحلة إلى القنال تحت عنوان «إيمان رجل» فيقول: «في أثناء حفلة بورسعيد وردت للأخ الكريم الشيخ محمد فرغلي وفا واعظ بورسعيد، ومن إخوان الدعوة السابقين برقية قرأها في ثبات الواثق واطمئنان المؤمن، ثم وضعها في جيبه في تؤدة ورفق، وبعد دقائق دعي للخطابة فتكلم في الدعوة ونزاهتها، وكان موفقًا غاية التوفيق، وفي اليوم التالي بعد سفرنا علمنا من فضيلة المرشد أن البرقية كانت نعيًا لوفاة نجله الوحيد، وأن الشيخ فرغلي كان يريد متابعة الرحلة معنا لولا إباء فضيلته على ذلك، فلله ما أروع هذا الإيمان، وما أكبر هذا القلب وأسماه!»
٦- الجدية وتقدير المسؤولية
ويذكر عنه إخوانه «أنه لما نزل الأستاذ البنا الإسماعيلية عام ١٩٤٨م وقضى مع الشهيد الشيخ فرغلي جزءًا من الليل، وكان الشهيد على وشك السفر إلى ميدان القتال في فلسطين، فقال له الإمام البنا: «ربما أمكنك السفر مع الفجر وتقضي ليلك معنا» وفي صلاة الفجر، قالوا لـ«البنا»: لقد سافر الشيخ فرغلي مبكرًا، وصار الإمام يضرب كفًا بكف، ويقول فرحًا: «هكذا يكون الرجال المسلمون في مواضع المسؤولية».
٧- التواضع والأدب مع المربين
يروي إخوانه أنه «دعي يومًا للخطابة في وجود الأستاذ البنا وأصر عليه الإمام أن يتكلم، فوقف متلجلجًا لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة، وهو من هو في الوعظ والخطابة، ولكنه يستحي أن يتحدث في وجود الإمام البنا».
٨- الولاء الكامل للدعوة واحترام القيادة
يقول الأستاذ كامل الشريف: «أذكر أن الشيخ فرغلي لم يكن منسجمًا تمام الانسجام مع المرشد العام الجديد في الأيام الأولى لتنصيبه، المستشار حسن الهضيبي، وكنت أعرف عنه ذلك، وبعد نجاح الانقلاب العسكري عام ١٩٥٢م، وتأليف وزارة محمد نجيب الأولى عقد اجتماع في مكتب البكباشي جمال عبد الناصر، وكنا، الشيخ فرغلي وأنا، نمثل الإخوان في محاولة من تلك المحاولات التي بذلت لتحديد الخلافات بين الإخوان وحكومة الانقلاب ووضع حلول لها.
ويبدو أنهم أرادوا أن يوقعوا بين الشيخ والمرشد العام، فأخذوا يمدحون الشيخ ويذكرون له مواقفه العظيمة في فلسطين، ثم أخذوا ينالون من شخص المرشد العام ويتحاملون عليه، غير أن الشيخ فرغلي قطع عليهم الحديث وقال غاضبًا: «يجب أن تدركوا أن هذا الذي تتحدثون عنه هو زعيمنا وقائد جماعتنا، وإني أعتبر حديثكم هذا إهانة للجماعة كلها، ولشخصي بصفة خاصة، إذا كان هذا هو أسلوبكم في تسوية الخلاف فإنكم لن تصلوا لشيء إلا زيادة هذا الخلاف».. وكان هذا القول كافيًا لإقناعهم أنهم أمام رجل صلب العود.. قوي الشكيمة، فانصرفوا بالحديث إلى جهة أخرى.
٩- اليقين والثقة في الله
وهذا ما ظهر في اللحظات الأخيرة من الحياة، إذ تقدم الشهيد محمد فرغلي إلى المشنقة، وهو على حد ما تناقلته الصحافة العالمية في حالة سلام واضحة مع نفسه، وكان تعليقه الوحيد «أنا مستعد للموت.. فمرحبًا بلقاء الله».
١٠- الورع والزهد الصادق
يقول فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب: إنه بعد إعدام الشهيد بثلاثة أيام فوجئ بصحيفة الأهرام تنشر في الصفحة الأولى صورة عمارة ضخمة جدًا، وأمامها سيارة مرسيدس، مكتوب تحتها هذه عمارة فرغلي وقد بناها من تبرعات فلسطين وهذه سيارته!.
ويضيف الخطيب: «ولأننا لم نكن نظن أن الإجرام يصل إلى هذه الصورة.. خاصة أن الناس لم تجف دماؤهم بعد، أخذت الأهرام وذهبت إلى البيت وكنت أسكن في الحلمية، وأنا في غاية الألم، يسكن معي أحد الإخوة من أسيوط، فقال لي هل تدري أن شقيق الشيخ فرغلي إبراهيم سيزورنا بعد قليل! لأنهم حضروا من البلد ليأخذوا وصية الشيخ ويستلموا ملابسه، فانتظرت حتى جاءوا فأخذت إبراهيم وقلت له «ممكن أشوف الوصية؟» قال: نعم، فأعطاها لي فوجدت في الوصية: «يا إبراهيم أذكر أن سجن المؤمن خلوة، وأن تغربيه سياحة، وأن قتله شهادة، يا إبراهيم أنا لم أترك لكم شيئًا، فإذا أعوزتك الحاجة فاذهب إلى الشيخ الباقوري فإنه صديق يستطيع أن يقضي لك ما تريد».
ينشر بالتنسيق مع موقع إخوان أون لاين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل