العنوان الانتفاضة تلهب الفن الشعبي المصري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-يناير-2003
مشاهدات 55
نشر في العدد 1535
نشر في الصفحة 52
السبت 18-يناير-2003
على الرغم من تكبيل الشعب المصري باتفاقات السلام الموهوم. ورغم المحاولات المستميتة بسحب ملف القضية من بين يديه... ورغم هيجان الغول الأمريصهيوني، إلا أن ذلك كله قد احترق في أتون الانتفاضة الفلسطينية المباركة وتم فتح كل الملفات على رصيف الشارع المصري... وردت الروح للفعل الشعبي العام، وتحولت فعاليات الانتفاضة إلى شهيق وزفير يومي للمواطن المصري الذي يتنفس الدين والسياسة رغم كل الأجواء المعاكسة والإحباطات المضادة.
نشرت صحيفة لوموند الفرنسية في ٢٥/٨/٢٠٠١م تقول: الواقع أن الحمى المعادية لإسرائيل، قد تضاعفت مع رد الفعل بالنفور تجاه الولايات المتحدة، الذي يتصاعد بحدة في النفوس.
وبعيداً عن الاستفتاءات والإحصاءات والمقولات المعولية الجاهزة للتصدير والتصوير فهناك «ترمومتر» لا يخطئ أبداً في قياس ضغط الدم للشعوب العربية والإسلامية، خاصة الشعب المصري المعروف بصبره مدى الأعوام وتمرسه مع الأيام.... ذلك المقياس هو الفن الشعبي.... المتمثل في الغناء العفوي والهتافات التظاهرية، والتعليقات العفوية السائرة، والسينما والمسرح والنكات الساخرة المنطلقة كالرصاص الخارق الحارق.
وعلى حد تساؤل جريدة «لوموند» هل أصبحت الوطنية بمثابة ضمان لنجاح الشباك؟ فمثلاً منتجو فيلم «أصحاب ولا بيزنس» الذي تدور أهم أحداثه داخل المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان، قرروا أن يتبرعوا للانتفاضة بالربح الذي سيحققه الفيلم عن يوم كل أسبوع، الأمر الذي جعل كبار المخرجين والنقاد يعتبرونه فيلم الموقف والقضية والشباك في آن واحد ... رغم خفة وزن الفيلم فنياً وإبداعياً، فهو يحكي قصة مقدم برامج في إحدى قنوات التلفاز العربية الخاصة، يعيد اكتشاف نفسه، بعد أن يتعرف على مدى تفاهته أمام مذبحة أشقائه، فيرتبط مع أحد الفلسطينيين بصداقة تحوله من نجم لعبة تسمى «دولارات» إلى فدائي ينفذ عملية استشهادية، يلقى فيها بعض العسكريين الإسرائيليين حتفهم عند أحد الحواجز، وكما يبدو فإن الفيلم الذي أخرجه «علي إدريس» ليس فريداً من نوعه، إلى الحد الذي جعل «لوموند»، تقول: «الحقيقة أن نجاح هذا الفيلم يجعل الخبراء في حيرة.... لأن تفعيلات الفيلم المباشرة لهذا العمل الشبابي البسيط، ما كانت لتحظى بهذا النجاح الذي فتح للفيلم ثلاثين داراً للعرض في مصر، ويستمر العرض للأسبوع العاشر- وبجنيه واحد للفرد- مما اعتبره البعض نقطة انعطاف بالسينما الشبابية، تخرجها من دائرة الابتذال الرخيص إلى دائرة الوعي والمسؤولية.. ويرجع ذلك النجاح الكبير إلى أن السينما المصرية تشحن التعاطف مع الانتفاضة، على حد قول فيليب سمكر بمجلة كريستيان ساینس مونيتور الأمريكية.
الأمر نفسه يكاد يتطابق مع فيلم «جاءنا البيان التالي» للكوميدي محمد هنيدي.... حيث يلعب فيه دور مراسل يغطي أحداث الانتفاضة ويعيش الإجرام والوحشية الإسرائيلية على أرض الواقع... وذلك امتداداً لفيلمه السابق «صعيدي في الجامعة الأمريكية»، اللذين يؤسسان لبعض الهيمنة الأمريكية، والشيطنة الصهيونية، عند عامة الناس البسطاء.
فضلاً عما سبق، فإن مئات النكات اللاذعة التي تتداولها ألسنة العامة والخاصة، في إبداع مركب وسخرية مرة، وفلسفة عميقة واعية... لا یتوازى معها سوى آلاف الرسوم من فن الكاريكاتير المحارب بالصورة والكلمة والحس الشعبي المضطرم.
أيضاً فإن شعبان عبد الرحيم المطرب الشعبي- غير المتعلم- تراه ينتقل من كوّاء بسيط للملابس، إلى «شعبولا» الذي يتغنى معه رجل الشارع «أنا أكره إسرائيل... إن شاء الله أموت قتيل»، ويردد معه «أمريكا يا أمريكا».
وينتقل هذا المطرب السوقي إلى غناء يومي لراكبي وسائل المواصلات والباعة الجائلين وتجتاح أشرطته الأحياء الراقية، ويشرع رجال السياسة وعلماء الاجتماع والمختصون النفسيون في دراسة وتحليل هذه الظاهرة التي فسرها البعض بأنها استغلال عابر للأحداث، وفسرها آخرون بأنها النبض الشعبي الذي يريد أن يترجم عن نفسه بأي لغة وبأي وسيلة.
أذّن يا بلال
ثم ينشد الفنان إيمان البحر درويش وهو الفنان التائب عن رسالة الفن الهابط أو اللاهي إلى الفن المبدع المسؤول... فيتغنى معه العامة والخاصة.
أذّن يا بلال فوق الأقصى صحي النايمين قبل ما ننسى
وتعترض السفارة الإسرائيلية ضد هذا الفن الشعبي، معتبرة إياه كلاماً قاتلاً للشعب اليهودي، وتحتج «واشنطن» معتبرة إياه محرضاً على الكراهية، وزارعاً لبذور الإرهاب.
وهكذا يتحدث الفن الشعبي المصري بكل لسان.. ويتحول الفعل الانتفاضي إلى شكل إمتاعي لاهب يجعل من أطفال مدارس الروضة والابتدائي ثواراً، تهتز العمائر والبنايات الشامخة من هتافهم الفطري الطهور...
يا فلسطين يا فلسطين إحنا معاك ليوم الدين