العنوان قراءة في كتاب: أضواء على الحضارة والتراث
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 60
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 19-يناير-1988
قراءة في كتاب
أضواء على الحضارة والتراث
الفينة تلو
الفينة يتحفنا الدكتور عبد الرحمن علي الحجي، أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي،
بكتاب عن نوع من الموضوعات جديد في ميدانه وعنوانه، والمكتبة التاريخية الإسلامية
وحضارتها بانتظار المزيد السديد منه.
فهو بإنتاجه
المتنوع يقدم مرة في التاريخ الإسلامي وحضارته مادته ومنهجه، وأخرى عن أديب وشاعر
أندلسي في جانب جديد يظهره، قلّ البحث فيه، جانب عصي المراس، صعب الدروب،
"ابن زيدون السفير الوسيط"، وثالثة في موضوع تاريخي يعد من المجاهيل
النادرة والمسالك الوعرة.
يعتلي صخرتها،
ويتربع فوق قمتها، في ندرة من المعلومات وشح في الوثائق، مخاضة شاقة طريقًا إلى
موضوع "محاكم التفتيش الغاشمة وأساليبها" التي تولت مطاردة المسلمين في
الأندلس طوال ما يقرب من أربعة قرون، تلت سقوطها سنة 897 هـ (1492م).
هذا حول نتاجه
الجديد خلال الأشهر القليلة الماضية، ومثل ذلك وأكثر يقال عن نتاجه السابق المتنوع
المتعدد، بحوثًا ومقالات، كتبًا وكتيبات، تحقيقًا وتأليفًا، جمعًا وتصنيفًا.
واليوم يقدم
كتابًا جديدًا باهرًا زاهرًا "أضواء على الحضارة والتراث"، إضاءة قوية
في طريق دراسة وتدريس الحضارة الإسلامية وتراثها الباهي الزاهي، يتناولها منهجية
وأسلوبًا، ويبينها مادة وعرضًا.
يتعامل معها
بأحقية وواقعية وبعمق ومصداقية لتسير بقوامها الأصيل وثوبها الناصع.
ومع اعتماده
المتمكن وحسن استيعابه واستعماله المصادر والمراجع العربية والأجنبية التي بلغت في
هذا الكتاب نحو سبعين، نادرة ورئيسية، لكنه بجانب ذلك تلمس بوضوح وتحسس بقوة خبرته
الطويلة وممارسته للميدان العلمي الجامعي الأصيل الجاد المتنامي تدريسًا ومتابعة
وتحصيلًا ونضوجًا، نموًا لا ينقطع، مما جعله هو المصدر المتسع الذي جمع المعلومات
المتأصلة المتمثلة في نظرة سديدة وتصور قويم يستنطق حقائق الحضارة الإسلامية،
ويستحضرها متمثلًا مؤشراتها، بتعبير رائق ينم عن أدب أصيل، وإدراك عميق، وصحبة
جادة متفحصة، ومعرفة عريقة تشير إلى طريق طويل من هذه الرفقة الكريمة والممارسة
النظيفة، مكونًا صورة ناصعة، متعاملًا معها بالمنهج والأسلوب المتناسب معها،
المتناسق وطبيعتها وارتباطها. مؤداها غرس بذور الخير لتتفتح زهرات حضارية ثمارها
العذبة استئناسًا واستمرارًا، اتباعًا وتكرارًا لأجيال سبقت في أمة الحضارة
الكريمة أمة الإسلام المجيدة، إنها حضارة الإسلام عقيدة وشريعة، حضارة إنسانية
رائعة وخيرية صادقة، وهي التي بخصائصها ومقوماتها أنبتت المجتمع المسلم الإنساني
الفريد على منهج الله وشرعه، وهو وحده الذي أنتج وينتج هذه الحضارة الفريدة
المتميزة، يظهر كمالها وجمالها في البناء الإنساني، والمجتمع الفاضل الذي ملأ
الحياة مواقف رائقة ونتاجًا فائقًا بمقدار ونوعية لا يتأتى أبدًا إلا بهذا الدين.
ومستقبل هذه
الحضارة مثل ماضيها - إن شاء الله تعالى - لكن بشروطها، أخذًا به في تربية الإنسان
في بناء جماعته بأفراده وإقامة دولته من مجتمعه تربية شاملة كاملة بكليته وعمومه،
متفردًا متوحدًا لا يحيد عنه ولا يحول عنه، وبسبب هذا البناء كان ويكون تميزها
وتفردها، في إنسانها وميدانها.
وهذا التصور
والأسلوب يدعو إليه المؤلف ويدرس به التزامًا منذ سنوات طويلة بداية عمله التدريسي
الجامعي منذ عرف وعرفته الحياة الجامعية؛ حيث كان هذا الأسلوب والمنهج التدريسي
والدراسي أكثر غرابة، وغرابته اليوم تقل، آخذة - إن شاء الله تعالى - إلى الزوال
تدريجيًا، ذوبانًا أمام الحقائق حتى تؤول منهجية الدراسة وموضوعاتها إلى موطنها
الحقيقي، ومحضنها الأصيل، وجوها الطبيعي وأمها الرؤوم، تتمتع بالإنصاف، وتزينها
الأمانة والواقعية النقية الصبورة الجادة.
والكتاب يمثل
ويحمل دعوتين (على وإلى): واحدة إلى التخلي عن الأسلوب الحالي في تدريس الحضارة
الإسلامية، مبينة عدم أهليته لاستيعاب حقائقها، وموضحًا عدم صلاحيته لتناول
قضاياها ثوبًا هزيلًا طال وتكرر أمد ومحاولات ترقيعه، فهي دعوة تهز جذعها الخاوي،
وتقطع جذورها السطحية، مهما أسندت وأحيطت به من قوى وروجته الإمكانات الرسمية
الهشة المندسة. كما يوجه الكتاب الدعوة إلى منهج جديد مديد يتناسب ويتناسق علميًا
وموضوعيًا وواقعيًا بعمق مرموق، وهو ما اتبعه في دراسة المنهج وتطبيقاته في
القضايا الحضارية التي عرضها وتناولها، بروح كريمة، ونفس طويل، وصبر دؤوب، ولمسة
ندية حانية حنون.
تقرأ هذا الكتاب
الجديد - وهو جديد فعلًا في أسلوبه ومحتواه - وأنت مستمتع يقودك بتؤدة وارتياح
يروض لك مللك وتعبك، ويقيك من إرهاق، يشدك بأسلوبه ويلزمك بمحتواه، ينقلك من عنوان
لآخر، الرئيسة منها والفرعية سواء تجتذبك بصدقها وتفتحها، فلا تتركك لشرود أو
سرحان أو توزع وذهول، أو غموض وتشتت أو تلكؤ وتمهل.
رحلة ممتعة
وسياحة نزهة تريك أفانين الرياض النضرة، وألوان الأزاهير العطرة والبساتين السارحة
الباهرة في المسيرة الطويلة عبر القرون والمواقع والمواقف كثيرًا ما هطلت فوقها
الثلوج، وهبت عليها عاتيات الرياح، وعصفت بها الأهواء الهوجاء، مما كان بعضًا منها
كافيًا أن يأخذ بذلك كله للاندثار والغياب عن الأنظار، لكنها ثبتت بعون الله
تعالى.
ومن منهجيته
النظيفة تجد العناية بعرض الحقائق كانت قبل وأهم وأكثر من نقاش الشبهات، وإظهار
بطلانها ورميها في مهملات السلال وتحت ساقيات الرمال.
لكن قوة هذه
الحضارة الإسلامية كامنة - بفضل الله تعالى - في منهجها، بما أودع فيه، وأحاطت به
عنايته جل جلاله، ناهيًا نصوصه وتاريخه ونظرة الإنسان له ومحتاجه، وجمعًا من أمته
مهتاجة تسعى لتنهض برايته، وتسير بدعوته، متكاملًا متماثلًا، ليعود دولاب الخير
إلى الدوران، ويعود نهر البر للعطاء في كل ميدان، ولا بد ذلك أن يكون بوعد الله،
والله غالب على أمره.
يمر الكتاب بك
في موضوعات متنوعة جمعت في حلقات مهمة، بغرض سهل التصور سلس التعبير طبيعي متفهم،
وهو في كل ذلك يزدهي بالعمق والأصالة والصدق والجدارة، يطوف بك في مرابع تمسك
وتنعشك، نسمات حية تتضوع منها نفحات حضارية غائرة، وإن كانت غابرة تطلبها وتنظر
صورها في موضوعات تخص آفاقها وصنعتها وثمرتها وعلومها وتفوقها وإنسانها، أخلاقًا
وفية، موضحة مكانة الإنسان فيها نساءً ورجالًا، عاشوا بخصائص نبيلة ومؤهلة ومرجوة
ومؤملة لمستقبل البشرية منقذًا وموئلًا.
ذلك مكفول - بعد
عون الله وفضله - بالتربية على الإسلام والبناء على منهجه، مدعاة للإبداع،
والابتكار، والتجدد، والحيوية، والإسهام، والإغناء، بناء وعطاء.
كل ذلك تلمسه
بنفسك عيانًا، وتحسه بيدك وجدانًا، وكأن روحه تسري وتسير أمامك، لتكاد تهتف بها أو
تهتف بك لاستحضارها في بناء مستقبل خلاب في طريق هو وحده الصواب.
والكتاب بجانب
شباب علميته وقوة حجيته وإضاءات عرضه وشهود مرجعيته تجد فيه كذلك طبيعة وقوامًا
صورًا أدبية من نوع من الأدب الذي يدعو إليه المؤلف، ويسميه الأدب الهامس أو
الرامز، وتصطلح على ما فيه من هذا - مثل تألق في مؤلفاته الأخرى - تحت نوع من
أدبيات الحضارة الإسلامية وأدبيات التاريخ الإسلامي.
تكاد تقرأ بين
الحروف وخلف السطور كل ذلك، وتتلمس معاني أخرى تدل على حركة، وأن في شرح آخر أكثر
مدخرًا وأمثلة أخرى - بجانب ما تراه من نفسه، كلها تقدم بك يطول، ويمكنه بكل عرض
يصول، وفيما احتواه خير مدلول، خذ الكتاب وانظر فيه تجد مصداق ما أقول. والكتاب
متوفر لدى مكتبة المنار: الكويت - حولي - شارع المثنى - ص. ب: 43099 الرمز البريدي
32045 هاتف: 02615045.