; العمى الشرقي.. هل له من علاج؟! | مجلة المجتمع

العنوان العمى الشرقي.. هل له من علاج؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

مشاهدات 90

نشر في العدد 1119

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

معالم على الطريق:

داء العمى الحيثي قد استوطن الشرق، فطمس الرؤية، وصبغ البلاد بالسواد رغم طلوع الشمس في أرجاء المعمورة، والعمى الشرقي قد استوفى كل ما في الكلمة العربية من معان ودلالات وفاءً للكلمة وهيامًا بمعانيها الجميلة؛ حيث يطلق علماء اللغة كلمة العمى على حالات معينة تلزم صاحبها وتلتصق به، منها: 

١- الجهل والغباء: يقال: عمى فلان عن الطريق: إذا جهله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (126)﴾ (طه: ١٢٥-١٢٦) قيل: عمى عن الحجة: فكان غبيًا جاهلًا ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾ (الرعد: ١٦).

٢- يطلق على عمي القلب والبصيرة: قال العلماء: رجلٌ عمٍ وقوم عمون: يعني عمي القلب والبصيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿... فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦)، ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (فصلت: 44).

٣- يطلق على الضلال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٢)

٤- يطلق على اتباع الأهواء وعدم الرضوخ للحق، ومنه قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨)؛ لأنهم صموا عن كل شيء وعموا عن كل حق إلا من اتباع أهوائهم وشياطينهم، ﴿۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ﴾ (الرعد: ١٩)؛ لأنه اتبع هواه وترك الحق. 

٥- عدم الفقه للحوادث والفهم للنوازل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (القصص: ٦٦) ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ (النمل: ٦٦).

٦-استحباب الضياع والهيام به، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ (فصلت: ١٧) ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (هود: ٢٨).

٧- اتباع الفتن والجري وراء العصبيات المقيتة: وفي الحديث: «من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو ينصر عصبة أو يدعو إلى عصبة فقتل؛ قُتِل قتلةً جاهليةً» هم الأقوام تتجارى بهم الأهواء والفتن والعصبيات التي تفرق الجماعة وتلفت عن دين الله. 

وقومنا رد الله غربتهم، وجعل كلامنا خفيفًا عليهم، ما تركوا معنى من هذه المعاني إلا وأوغلوا فيه وأخلصوا له، ولهذا ترانا بين الأمم كالشامة السوداء، وكالناقة الجرباء، نتجنب ونلفظ ونحتقر ونترك، وتنظر إلينا الشعوب كيأجوج ومأجوج أو كلكع ابن لكع، تستعد لنا وتتندر، وتنادي علينا وتتهكم، ونظن وللأسف بعد هذا أن لنا دورًا على هذه المعمورة، ولله در من قال: 

إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

أعمى يقود بصيرًا لا أبا لكم *** قد ضل من كانت العميان تهديه

الأيام تنكأ الجراح، والليالي حبالي بالكوارث، والدهر مثقل بالأرزاء، والحوادث تقرع الأذان ولا ترحم النفوس، أو تهادن الأرواح، أو تشفق على القلوب. 

ماذا حملت من الأنباء لا رزئت *** أذني وعيني بمسموع ومشهود
  خادعت أذني فلم أسمع بصالحة*** وخنت عيني فلم أبصر بمولود
  دعني أصم عن الدنيا وساكنها *** أعمى عن الدهر في أحداثه السود
  إني تزودت قبل اليوم داهية *** دهياء أحمل منها فوق مجهود
  قل للفجائع شتى لا عداد لها *** كفي أذاك عن الباكين أو زيدي

هل عميت أمتنا إلى هذا الحد، وهل ضاعت إلى هذا القدر فلا علم يرفعها من جهل، أو بصيرة تردها من ضلالة، أو تعاليم تحجزها عن هوى، أو فقه وفهم يضيء لها في ظلمة، أو صحوة توقظها من نوم طويل وثبات عميق ولهو سائر، أو عزمة تكشف عنها سعار الطامعين وبأس المغامرين. 

يا أمة خاط الكرى أجفانها ***هبي فقد أودت بك الأحلام
  هبي فما يحمي المحارم راقد*** والمرء يظلم غافلًا ويضام
  هبي فما يغني رقادك، والعدى *** حول الحمى مستيقظون قيام
  شيئان يذهب بالشعوب كلاهما *** نوم عن الأوطان واستسلام
  إن لم يحن للراقدين قيام *** فعليهم وعلى الديار سلام

والشفاء من العمى، والبرء من العماية والضلالة، موجود بين أيدينا، فنحن الذين هدى الله بنا الدنيا من ضلالة، وفتح الله بنا قلوبًا غلفًا، وأنار الله بنا عيونًا عميًا، وصدق الله قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، يقول المؤرخ الغربي «توينبي»: إن الإسلام يمكن أن يتولى زعامة العالم مرة أخرى إذا تهيأت له الظروف، ويقول ابن جوريون زعيم «إسرائيل»: «لا تنظروا إلى المسلمين في واقعهم المتدني الذي يعيشون فيه، ولكن انظروا إليهم يوم يسيطر عليهم الإسلام، فإنهم استطاعوا في أقل من قرن أن يخضعوا العالم كله لهم، فإذا أردتم السيطرة على بلاد المسلمين، فاضربوا المسلمين من داخلهم، وأبعدوا الإسلام عن دائرة الصراع»، ولكن على من تقع التبعة الآن؟ يقول محمد أسد: «أما التبعة فيما وصل إليه المسلمون من تأخر فتقع على عاتق العلماء والشباب المثقف وعلى عاتق القادة الذين يتاجرون بالشعوب، وليس لأحد من هؤلاء أن يتنصل من هذه التبعة»، فهل يقوم كل بواجبه نحو أمته أم يظل أعمى؟ وهل العمي الآن يتناقصون أم يزيدون؟

قد كان ثم أبو رغال واحد*** واليوم آباء الرغال كثار

ولكن هل يقف هؤلاء العمي أو آباء الرغال أمام نور الله الغامر؟ لا أظن.. وإن غدًا لناظره قريب!!

الرابط المختصر :