; الهند.. ترسانة سلاح! صفقات تسليح بالجملة.. خاصة بعد أحداث كارجيل | مجلة المجتمع

العنوان الهند.. ترسانة سلاح! صفقات تسليح بالجملة.. خاصة بعد أحداث كارجيل

الكاتب سمير شطارة

تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000

مشاهدات 54

نشر في العدد 1388

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 15-فبراير-2000

  • تزايد الصفقات العسكرية مع دول العالم أفرز ظاهرة «عولمة سماسرة السلاح» المتهم بها رؤساء وزراء وساسة
  • 44% من الجيش الهندي يتمركز في كشمير يكلف الخزانة فاتورة فادحة تفوق خسائر الهند في حروبها الثلاثة مع باكستان

من العجيب أن تدَّعي الهند أنها أكبر دولة ديمقراطية في العالم، ووريثة فلسفة «اللاعنف الغاندية» ثم مع ذلك تقترف مجازر لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، وهو الأمر الذي دفع الصحفي الأمريكي مارتن شوجرمان للقول إن ما يحدث في كشمير ليس له مثيل في أي مكان في العالم، فلا مكان فيها آمن للمسلمين.

وطبقًا لتقارير المنظمات الإنسانية فإن معدل انتهاكات حقوق الإنسان في كشمير المحتلة في تصاعد مستمر وهو ما أثار تلك المنظمات ودفعها لتنظيم زيارات ميدانية تباعًا، وما أوردته في تقاريرها من أحداث عنف وجرائم وسلب للقيم الإنسانية، إنما هو غيض من فيض، وقطرة في محيط «سادية الغطرسة والتحقير»، وطبقًا كذلك لتقرير وزارة الدفاع الهندية وابتهاجها من رفع ميزانيتها لتصل إلى 211 مليار روبية في الوقت الذي يعاني فيه مواطنوها من وطأة الفقر والمرض والجهل، فإننا ندرك أن ما يحدث في الهند إنما هو تعبئة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ودلالات، تعبئة لدخول حرب شاملة تستنفر فيها طاقاتها وإمكاناتها جميعًا.

حلم المشروع النووي

أولت الهند منذ الأيام الأولى لتأسيسها واستقلالها عن الاستعمار البريطاني عام 1947م اهتمامًا منقطع النظير بـ «البرنامج النووي»، فقد أعلن أول رئيس وزراء لها وهو جواهر لال نهرو عن تعيين الدكتور بابا رئيسًا ومهندسًا أعلى للبرنامج النووي في 26/8/1947م أي بعد 11 يومًا فقط من حصول الهند على الاستقلال من الاستعمار البريطاني في 15/8/1947م.

نجح الدكتور بابا في الحصول على مادة اليورانيوم المخصبة عن طريق العميل البريطاني سيرجون كرونت، وفي محاولة لتطوير فكرة ومشروع البرنامج النووي أبرمت الحكومة الهندية اتفاقية مع حكومة كندا وشركاتها الخاصة، وفي الوقت نفسه أبرمت اتفاقًا آخر مع فرنسا لإيفاد بعض العلماء النوويين الهنود إلى باريس والاستفادة من الخبرات الفرنسية في هذا المجال من خلال المشاركة في دورات تدريبية مخبرية وعملية، وعلى الرغم من هذه الاتفاقيات إلا أن الهند ادعت مرارًا أنها تمكنت من تطوير برنامجها النووي عن طريق وسائلها الخاصة ودون مساعدة من أحد.

ويذكر الدكتور جورج بركانوش الأستاذ في العلوم النووية بجامعة كاليفورنيا الأمريكية، أن مهندس البرنامج الهندي الدكتور بابا تمكن من ترتيب وإعداد الخطوات الأولية لامتلاك الهند لبرنامجها ومن ثم مقدرتها على إنتاج السلاح النووي، وكان ذلك عام 1965م، ويرى الدكتور جورج أن مصرع الدكتور بابا في حادث تحطم طائرة في الهند عام 1966م أدى إلى توقف المشروع وعدم إنجازه بالسرعة التي كان يريدها مهندس المشروع.

وثائق أمريكية

د. بركانوش كشف عن وثائق أمريكية رسمية تحمل اسم «مهم جدًا وسري للغاية» تتضمن ضمن ما تتضمنه إيعازًا من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك «دين راسك» للسلطات الأمريكية المعنية بالبرامج النووية بتقديم المساعدات المخبرية والذرية للحكومة الهندية التي من شأنها دفع المشروع الهندي الناشئ للوقوف على قدميه واستكمال خططه وبرامجه، وكان ذلك عام 1961م، ولم يكن الحرص الأمريكي على تطوير الهند لبرنامجها النووي من باب الإعجاب بالهند، بل إن الصين الشعبية كانت تعتزم إجراء بعض التجارب النووية في مطلع عام 1962م، ولقد رأت الحكومة الأمريكية أن الهند أكثر الدول التي تستطيع أن تحقق هذا التوازن الأمني والاستراتيجي، وفعلًا فقد تمكنت الحكومة الهندية بتعاون أمريكي - غربي من إجراء أول تفجيراتها النووية خارج المعامل المخبرية بعد عشر سنوات فقط على التفجير الصيني، فقد قامت الصين الشيوعية بإجراء تجربتها النووية الأولى عام 1964م وفي عام 1974م، تمكنت الهند من إجراء أول تفجير نووي لها في صحراء راجستان الهندية لتتبعه بخمس تفجيرات نووية في المنطقة نفسها لتعلن صراحة امتلاكها القنبلة النووية، وهو ما دفع باكستان للرد عليها بتفجيرات نووية مماثلة وانضمامها هي الأخرى إلى النادي النووي الدولي.

ويؤكد الدكتور جورج بركانوش أنه في الوقت الذي زودت فيه كندا الهند بالأجهزة والمعدات البالغة الحساسية لتحضير الماء الثقيل فإن الولايات المتحدة، وبريطانيا، وروسيا، وألمانيا الغربية، وسويسرا، والنرويج، وفرنسا، قامت بتزويد الهند بكل التقنيات الكمبيوترية والمخبرية الحديثة لإنجاح تلك التفجيرات، وساهمت الولايات المتحدة على وجه الخصوص بتصميم وهندسة المفاعلات النووية.

نشوة التفجيرات

حاولت الحكومة الهندية ضرب عصفورين بحجر واحد، خاصة بعد نشوة ونجاح التفجيرات النووية المخبرية عام 1971م وأرادت أن تحقق خلال عشر سنوات هدفين أساسيين:

الأول: أن يتم التفجير عمليًا وبعيدًا عن المعامل المخبرية، وحققت ذلك عام 1974م، والثاني: أن تصنع الغواصة النووية وتدخلها ضمن خدمتها العسكرية، وتكون بذلك قد حققت إنجازًا منقطع النظير وفي وقت قياسي، إلا أن الرياح لم تجر وفق الرغبة الهندية، ولم تحقق الهند حلمها رغم المساعدات الروسية وتزويدها بالوسائل اللازمة لامتلاك تلك الغواصة، ويرجع بعض المراقبين عدم نجاح الهند في تحقيق هدفها الثاني إلى سببين مهمين: الأول: عدم كفاية الميزانية المخصصة للمشروع، حيث إن صنع مثل هذه الغواصة يتطلب ميزانية تنوء بحملها الخزينة المثقلة بالديون والالتزامات، والثاني: عدم استكمال المعلومات التقنية لدى المهندسين القائمين على المشروع، وأكد بعض الخبراء العسكريين الهنود أن الهند لن تنجح كذلك في امتلاكها للغواصة النووية وتنفيذ مشروعها خلال العقد المقبل للأسباب ذاتها.

وقد حاولت الهند الحصول على ست غواصات نووية من الاتحاد السوفييتي السابق، ولكن تفكك الأخير حال دون تنفيذ عملية الشراء، وهو ما دفعها للتفكير من جديد في العودة إلى استكمال مشروعها المتعثر بسبب نقص الميزانية ونقص التقنيات اللازمة للمشروع.

من المناسب في هذا الصدد أن نتطرق لأهم الصفقات التي أبرمتها الهند مع دول العالم بقصد تطوير وإدخال أحدث الأجهزة لخدمتها العسكرية، خاصة بعد أحداث كارجيل الشهيرة وفشل جهازي المخابرات والاستخبارات العسكرية في كشف دخول المجاهدين للأراضي الكشميرية.

أبرمت الهند مؤخرًا صفقة مع روسيا لتزويدها بألف صاروخ حديث الصنع يتم توجيهه والسيطرة عليه بواسطة أشعة الليزر، وبقذائف من نوع – 155 KRANSOPOLO، وستزود القوات الهندية المرابطة في مرتفعات كارجيل وسياشين بهذا النوع من الصواريخ، وهو ما صرح به «راهول بيري» الخبير العسكري الهندي الذي أضاف أن الحكومة اضطرت لهذه الصفقة تجاوبًا مع الإصرار الشديد لقادة الجيش لعقدها وامتلاك أحدث التقنيات، وقد دفعت الحكومة الهندية مبلغ 20% من قيمة الصفقة مقدمًا، بعدما أخضعت المؤسسة العسكرية هذه الصواريخ والقذائف للاختبارات في صحراء بوكران وأثبتت فاعلية جيدة.

كما عقدت الهند صفقة أخرى مع جنوب إفريقيا وبموجبها ستدخل صواريخ من طراز mm-155 للخدمة العسكرية ويبلغ قيمة الصاروخ الواحد 1200 دولار.

هذا كما تعتزم الحكومة الهندية شراء ما بين 3 - 4 آلاف مدفع حديث خلال العقد المقبل.

كما ضغط الجيش الهندي على حكومة فاجبائي لعقد صفقة لشراء رادار متطور من فرنسا ونشره على الحدود الهندية – الباكستانية، وأخيرًا تمت صفقة عسكرية بين الهند والحكومة الإسرائيلية بقيمة ثمانمائة مليون دولار ويخطط الجيش الهندي لإبرام صفقة من أجل شراء جهاز رادار متطور خفيف الوزن يمكن للأشخاص حمله.

وكشفت صحيفة The Finanstidninger السويدية النقاب عن اتفاقية سرية بين شركة بوفورس السويدية المعروفة بإنتاج المدافع والحكومة الهندية من أجل تزويدها بـ 300 – 600 مدفع متطور وتبلغ قيمة الصفقة نحو 959 مليون دولار، وذكرت الصحيفة أن الشركة السويدية سترسل نموذجًا عن هذه المدافع ليجري اختباره في المعامل وفي صحراء راجستان، وجبال كشمير، وأضافت الصحيفة نفسها أن الحكومة الهندية بعد صراع كارجيل عازمة على توقيع عقود مع الشركة السويدية بدلًا من الشركة الفرنسية Gait أو الشركة الجنوب إفريقية Danal.

وأشارت صحيفة «موسكو تايمز» الروسية إلى رغبة الحكومة الهندية كذلك بإدخال تعديلات على قواتها البحرية وتحديث هذه القوات على غرار القوات البحرية الروسية، وأضافت الصحيفة أن الهند تحاول شراء طائرة مقاتلة حديثة من طراز Tu22m وهي تمتاز بدقة عالية في إصابة الطائرات التي تحاول اختراق الأجواء.

وتضيف الصحيفة أن الهند تحاول أن تبرم تعاقدًا مع روسيا حول طائرات للإنذار المبكر القادرة على رصد التحركات عن بعد 230 كم، ورصد مواقع ومنصات إطلاق الصواريخ عن بعد ألف كيلو متر.

صفقات..

تزايد الصفقات العسكرية الهندية مع دول العالم أوجد على الساحة مشكلة حقيقية تؤرق قادة الجيش الهندي، تتمثل في «عمولة سماسرة السلاح»، فقد اتهم رئيس وزراء الهند الأسبق راجيف غاندي وسياسيون آخرون بتورطهم في إبرام صفقات مع بعض الدول الغربية وتقاضي عمولات عليها، وعلى الرغم من أن الحكومة الهندية أعلنت مرارًا سيطرتها على الفساد والقضاء على سماسرة السلاح، إلا أن أحداث كارجيل وتهافت القادة العسكريين على إجراء صفقات وتعاقدات مع دول العالم أسال لعاب السماسرة الذين هم في حقيقة الأمر متنفذون أو تربطهم علاقات ودية وقوية مع بعض قادة الجيش والدفاع لإرساء المناقصات عليهم وتنفيذ الصفقة عن طريقهم.

من خلال هذا العرض يتضح مقدار الحرص الهندي على تقوية ترسانتها العسكرية والسعي بها لتصطف إلى جانب الدول العظمى واستهلاك ميزانيات البلاد في قضايا التسليح على حساب التنمية والصحة والتعليم التي تشهد إهمالًا كبيرًا، فإلى متى يتحمل الشعب الهندي الفقير مغامرات حكومته؟

وبلغة الأرقام فإن 44% من تعداد الجيش الهندي يتمركز في جامو وكشمير وكأننا بإزاء ساحة من ساحات الحرب التي تهيمن عليها الهند بقوة الحديد والنار ويكلفها فاتورة فادحة وخسائر طائلة فاقت خسائر الهند في حروبها الثلاث السابقة مع باكستان، لكن الحكومات لا تأخذ بعين الاعتبار تكاليف مثل هذه النزاعات على المدى الطويل، ولو تبصرت الهند قليلًا واتعظت بتجربة أمريكا في فيتنام، وفرنسا في الجزائر، والسوفييت في أفغانستان، لأدركت فداحة ما سيجره عليها تورطها في هذا النزاع، بل إن استمرار مشكلة كشمير ربما يؤدي إلى عكس النتائج التي ترمي إليها الهند، فبينما ترمي إلى الحفاظ على وحدة أراضيها، فإن استمرار النزاع ربما يؤدي إلى تفكك الدولة، وما الاتحاد السوفييتي عن الهند ببعيد.

الرابط المختصر :