; نحو بناء جديد للأمة.. مكانة الدعوة في الحضارة الإسـلامية | مجلة المجتمع

العنوان نحو بناء جديد للأمة.. مكانة الدعوة في الحضارة الإسـلامية

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يونيو-1974

مشاهدات 64

نشر في العدد 203

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 04-يونيو-1974

نحو بناء جديد للأمة بقلم الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق مكانة الدعوة في الحضارة الإسـلامية ●الأمة الإسلامیة .. صاحبة رسالة عالمية ●الفرق بين دعوة الإسلام.. والدعوات الباطلة ●الهداية وتحرير الناس وإقامة العدل من خصائص الدعوة ●من أكبر ما يميز الحضارة الإسلامية على حضارات الأرض جميعًا أن الأمة التي تعيش بهذه الحضارة هي أمة، دعوة، فالمسلمون لا يقيمون حضارتهم لأنفسهم ولكنهم يقيمونها للعالمين، فالدعوة الإسلامية دعوة عالمية والحضارة التي تنشئها هذه الدعوة يجب أن تكون حضارة عالمية في الحضارة الإسلامية- بمفهوم الحضارة الذي سبق بيانه- ليست حضارة عربية ولا حضارة شرقية وإنما هي حضارة عالمية تقوم على قيم ربانية ليست من اختراع البشر وإنما هي من وحي الله- تبارك وتعالى-. تجميع القيم العقائدية والتشريعية والأخلاقية فيها قيم ربانية لأنها من الله، ولذلك فالأعراف والعادات القومية والمميزات الإقليمية تذوب جميعًا في إطار هذه الحضارة الربانية. ●ولقد كانت هذه السمة الواضحة لدعوة الإسلام مثار الاستغراب والاستهجان من كفار قريش ومن تابعهم في بدء دعوة الرسول- صلى الله عليه وسلم- فما كانوا يتصورون أن الرسول- صلى الله عليه وسلـم- قد جاء ليبني أمة واحدة ذات عقيدة واحدة وتشريع واحد وأخلاق واحدة وحضارة كاملة متميزة عن كل حضارات الأرض ولذلك قال لهم الرب- تبارك وتعالى-: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: 87), ولم يمض هذا الحين الذي ما تجاوز ثلاثين عامًا حتى كان المسلمون في عهد عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- يقيمون فعلًا الحضارة العالمية التي تذيب جميع الفروق والاختلافات العقائدية والتشريعية وتقيم الدين لله وحده- سبحانه وتعالى-. ●وعلى أساس العقيدة السابقة أعني على أساس عالمية هذه الدعوة وجمع الناس جميعًا في إطارها وتحت ظلها ربى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أتباعه على ذلك، ونزل كتاب الله- تبارك وتعالى- ليعد المؤمنين لهذه الغايه فيخبر الله عز وجل هذه الفئة المؤمنة بالمهمة الحضارية التي أخرجهم من أجلها قائلًا: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ (آل عمران:110) وهذا يعنى أن المسلمين كجماعة هم خير جماعة ظهرت على وجه الأرض تحمل دين الله للعالمين وتبشر به في الناس أجمعين. وتقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أكبر واجب حضاري فإقامة المعروف في الأرض معناه إقامة العدل والحق وهذه مقومات الحضارة الصالحة والنهي عن المنكر هو النهي عن الفساد في الأرض سواء كان فسادًا في العقول والنفوس أو في الحرث والنسل والحضارات لا تقوض إلا بانتشار الفساد وإشاعة الفوضى. فالمسلمون أمة أخرجت للناس لبناء الحضارة الصالحة ولحراسة هذه الحضارة، حتى يعبد الله وحده- لاشريك له- وهذه الغاية النهائية من سكنى الإنسان لهذه الأرض وعمارته لهذه الدار. ●ولم يكتف الله- سبحانه وتعالى- بإعلام المسلمين بهذه الأفضلية بل أمرهم- جل وعلا- أن يكونوا أمة شأنها الدعوة الى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104) وليس المراد هنا أن يكون من المؤمنين جماعة قائمة بهذا الواجب بل المراد أن يكون المسلمون جميعًا أمة قائمة بهذا الواجب، ولذلك جعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- واجب النهي عن المنكر لازمًا لكل أحد رآه، حيث قال:«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان »فجعل المسلم منكرًا المنكر بطبعه بل من لم ينكر المنكر بأي صورة من الصور السالفة لم يكن مسلمًا أصلًا ولذلك قال في الحديث الآخر «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، فالمؤمن إنسان حضاري بعقيدته أعني أن المسلم لا يعيش وحده منعزلًا عن مجتمعه مهتمًا بشؤون نفسه فقط، وهذا ما يميز الإنسان المتحضر عن الإنسان الشاذ الهارب المتبدي الذي لا يألف سكنى المدينة ومعاشرة الناس. وتفاعل المسلم مع مجتمعه بالإنكار على المفسدين والنهي عن الفسَاد وشد أزر المصلحين والدعوة إلى الرشاد من أكبر الأدلة على أن المسلم إنسان حضاري بالمفهوم الصحيح لكلمة الحضارة. تعدد مقاصد الدعوة ●والذين لا يفهمون أهداف الدعوة الإسلامية وغاياتها سيظنون- جاهلين أن المسلمين قد دعوا إلى الله وحاربوا في سبيله وفتحوا البلدان بقصد هداية الناس إلى دينهم فقط وإدخال الناس في الإسلام ليس إلا ذلك هدفًا لهم وغاية يسعون إليها وهذا جهل بدين الله- تبارك وتعالى- وقصور نظر فهذه الغاية هي إحدى أهداف الدعوة الإسلامية وقد تكون أعظم أهدافها ولكنها ليســـــت الهدف الوحيد بل هناك أهداف اخرى سامية منها: إقامة العدل في الأرض فالمسلمون قد أنزل الله عليهم التشريع الكامل لإقامة العدل بين البشر مسلمهم وكافرهم، وقد استعبد البشر وظلموا من الحكام الطغاة، وسدنة الآلهة الباطلة، في الحكام الطغاة استعبدوا الشعوب وأذلهم وسام وهم الخسف وسدنة الآلهة الباطلة أكلوا أموال الناس بالباطل ودجلوا على الناس وعبدوهم للوهم والأباطيل, والمسلمون مطالبون من الله بتخليص البشر من ظلم هؤلاء الطواغيت طواغيت الحكم الجاهلي الاستبدادي، وطواغيت الآلهة الباطلة المدعاة. وقد كان هذا هدفًا ساميًا ثانيًا. تخليص البشر من ظلم البشر وإقامة العدل بينهم سواء آمنوا أولم يؤمنوا، ولقد كان أصغر جندي بين المسلمين الغازين الذين فتحوا فارس والروم يدرك ذلك تمامًا ولذلك لما أرسل سعد بن أبي وقاص ربعي بن عامر الجهني إلى رستم قائد الفرس سأله رستم لماذا أتيتم لحربنا؟ قال ربعي:«إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» فإخراج العباد من عبادة العباد وهم طغاة الملوك والرؤساء ليفسحوا أمامهم عبادة الله وحده غاية من غاية الدعوة، وإخراج الناس من ضيق الدنيا،إلى سعتها غاية فقد أذل ملوك الأرض الظلمة النـاس وعاملوهم معاملة الحيوان والمتاع وجاء الإسلام ليضع الإنسان في الموضع الكريم فإقامة العدل في الأرض مطلب من مطالب الحضارة الإسلامية وهدف من أهدافها وقد مضى تفصيل ذلك سابقًا، فانظر كيف أصبح المسلمون اليوم بحاجة إلى من يخلصهم من جور الحكام وظلم الرؤساء والملوك!! وهم الذين ابتعثهم الله لتحقيق الحضارة الكاملة على الأرض وإقامة العدل بين العالمين!! هذا وهناك أهداف أخرى للدعوة الإسلامية غير إقامة العدل بين العالمين، وهداية الناس إلى رب العالمين منها إقامة الحجة لله على الناس حتى لا يعتذر معتذر يوم القيامة أنه لم تبلغه النذارة ولم يصله الدين، ولهذا السبب جعل الله أمة الإسلام شاهدة على أمم الأرض حاكمة عليهم حيث قال-سبحانه وتعالى-: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (البقرة: 143) والوسط هم العدول وهذا من مقتضيات الشهادة فلا يشهد على الناس إلا عدل، ولا يحكم بينهم إلا مقسط ولهذا اختيرت الأمة الإسلامية لذلك واختير لها المكان والزمان والقبلة والرسالة والتشريع الذي يكفل لهم القيام بمهمتهم، ولكن انظر أین وضع المسلمون أنفسهم من هذه المكانة، وأين وصلوا في أداء هذه الأمانة. لقد أصبحوا في ذيل الناس بلا منازع قوة وعدلًا وقسطًا وتشريعًا وأخلاقًا وعقيدة إلا من رحمه ربك من أفراد قلائل يعلمون عظمة هذه المسؤولية وضخامة هذه التبعة التي أناط الله بهذه الأمة العظيمة. والخلاصة أن واجب المسلمين في الأرض واجب حضاري لازم لأنهم القائمون بالخلافة التي نص الله تعالى عليها بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ﴾ (البقرة:30) وهذه الخلافة تقتضى القيام بأمر الله- سبحانه وتعالى- وتنفيذ شريعته، وإقامة العدل بين خلقه ولذلك قال تعالى لداود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ﴾ (ص:26) الآية, وهذا الواجب الحضاري يتمثل في إقامة المجتمع الفاضل الذي يقوم على الحق والعدل والخلق، ولذلك أصبحت الدعوة إلى هذا المجتمع واجبة لازمة والقيام على حراسته واجب مفروض. ولا يشك عالم يعرف رسالة الإسلام وغاياتها إن مثل هذا المجتمع نفقده في الوقت الحاضر، ولذلك كان السعي لإيجاد فريضة لازمة على كل مسلم. الدعوة في الحضارة الإسلامية وفي الحضارات المادية وقد يقول قائل بأن الدعوة كأساس في الحضارة لا تختص به رسالة الإسلام وحضارته فكل أرباب حضارة هـم دعاة لحضارتهم ومجتمعهم وعقيدتهم وآدابهم وأخلاقهم. فالعقيدة الشيوعية التي تؤسس اليوم حضارة مادية معروفة لها نظم وقوانين مشهورة وأصحابها من أنشط الناس دعوة إلى حضارتهم وعقيدتهم وآدابهم ومجتمعهم. والغرب الذي بنى حضارة مادية معروفة له قيم عقائدية وسلوكية وفلسفية في الحياة والكون، وله نظم في العدل تتضمن ديمقراطية الحكم وحرية الإنسان هذا الغرب بدوله الكبيرة هو أيضًا داع إلى هذا النمط الحضاري المادي بل إنه قد غزانا بأفكاره وفلسفته ونظم حياته ومعاشه وآدابه وسلوكه وهو يقتلع كل يوم شيئًا من حضارتنا الإسلامية ويغرس بدلًا منها شيئًا من حضارته المادية وثقافته الخلفية وقوانينه وأنظمته. فكيف تقول بأن الحضارة الإسلامية تمتاز عن سائر الحضارات بأنها حضارة دعوة؟! والجواب أن هذه الحضارات المادية وإن كانت قد جعلت الدعوة إلى نمط حياتها، ونظم حكمها، ومعاملاتها، وأخلاقها وسلوكها- جزءًا من حياتها ووجودها فإنها لا تستهدف من وراء ذلك نفع الآخرين ولا إزاحة الظلم عن المظلومين، ولا هداية من تراهم ضالين، ولكنهـم جميعًا وبلا استثناء يريدون بدعوتهم سيادة أنفسهم على من يدعونهم، واحتلال أراضيهم، ونهب خيراتهم، والعلو عليهم وإفساد كل صالح يغاير وجودهم، ويوقف مطامعهم. فالشيوعية كدعوة وإن كانت قد أزاحت ظلمًا صنعه القياصرة في روسيا، إلا أنهم مارسوا ظلمًا أبشع منه بمراحل فالذين استجاروا من ظلم القياصرة بعدل الشيوعية كان مثلهم مثل القائل: المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار فالظلم والخسف الذي لاقته شعوب بأكملها إبادة وتمزيقًا تسلطًا وقتلًا في تنفيذ قانون خيالي للعدل يزعم أن الناس جميعًا يجب أن يبذل كل منهم قدر طاقته ولا يأخذ إلا حسب حاجته. كان ظلمًا وخسفًا لم تعرف البشرية مثيلًا له اللهم إلا في العصور الأوربية الوسطى. فمع أن غاية الدعوة الشيوعية غاية خيالية جهلانية تزعم أن الناس من الممكن أن يعيشوا في مجتمع متحاب يسهم كل إنسان فيه حسب جهده ولا يأخذ منه إلا حسب حاجته مجتمع تختفي فيه الأثرة وحب الذات وتنهي فيه الحكومات والمحاكم والجنود أقول مع هذه الغاية الخيالية «الجهلانية» التي سميت زورًا «بالاشتراكية العلمية» فإن الوسائل التي استخدمت في سبيل إبرازها للوجود كانت من التعسف والظلم والقمع بحيث إنها تغطي على كل محاسن هذا المجتمع الخيالي المرتقب لو وجد فكيف وهو مجتمع خيالي يستحيل وجوده في الواقع. ولذلك فبعد أن علم يقينا استحالة إيجاد هذه الغاية الشيوعية فإن الدعوة الشيوعية ما زالت قائمة مع معرفة أربابها باستحالاتها ولهذا يتأكد لديه أن غاية هذه الدعوة ليست نفع الآخرين ولا إزاحة الظلم عنهم وإنما هي لإقامة مجد استعماري مادي يقوم على ظلم الآخرين واستغلال خيراتهم وثرواتهم. ووراء ذلك دوافع خفية ليس هذا مجال بيانها وإن كانت لا تخفى اليوم على من يراقبون الأوضاع التاريخية والحضارية. وأظن أنني لست بحاجة إلى كثير قول ومزيد من التدليل على بيان أن الدعوة الغربية للحضارة المادية القائمة هناك دعوة استعمارية مكانة الدعوة.. في الحضارة الإسلامية: استغلالية خبيثة فقد عانى وطننا الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ظلم أرباب هذه الحضارة المادية ودعاتها ورأى مكرهم وخبثهم وجرائمهم وعرف أطماعهم واستغلالهم الخبيث لثروات هذا الوطن وأرضه وشعبه ولذلك فالدعوة إلى الحضارة الغربية ما هي إلا دعوة استغلالية استعمارية وإن تغلفت بالإعمار والرفاه والرقي المادي والتكنولوجيا. ودعوة تلك نهايتها وغايتها تفقد ولا شك قيمة وجودها واستمرارها ولكن مما يؤلم حقا اقتران إزالة هذا الاستعمار الخبيث بأخذ طرقه ومناهجه في الحياة والسلوك والحضارة والعقيدة والقانون فحتى الذين علموا علما يقينًا ظلم دعاة الحضارة الغربية وحقيقة الاستعمار قد قرنوا دعوتهم إلى إزالته والقضاء عليه بالارتباط عقيدة وشريعة وأخلاقًا وسلوكًا، ولم يستطيعوا أن يروا في عقيدتهم الإسلامية وتشريعها العادل وأخلاق دينهم المجيد بديلًا عن عقيدة الحضارة الأوروبية وتشريعاتها الباطلة وأخلاقها الهابطة السافلة. وخلاصة الأمر أن الدعوة وإن اقترنت بالحضارات المادية: الشيوعية والرأسمالية فلم تكن في يوم من الأيام دعوة سامية لنفـع الآخرين ورفع الظلم عن المظلومين وإشاعة العدل بين العالمين وإنما اقترنت هذه الدعوات دائمًا بالتسلط والقهر والاستغلال الخبيث والمكر السيء وسرقة الشعوب ونهـب خيراتها. وهذا يخالف أسس الدعوة وغاياتها في الحضارة الإسلامية التي تجند أتباعها وأبناءها لنشر العدل بين الناس ورفع الظلم عنهم وفتح الطريق إلى هدايتهم وإرشادهم إلى طريق رب العالمين- سبحانه وتعالى- وإقامة المجتمع المثالي أخلاقًا وأدبًا ونظمًا وعقيدة و سلامًا واستقرارًا، وإذا كان المسلمون اليوم قد فشلوا في إيجاد هذا المجتمع المثالي الفاضل بينهم بل يقوم الآن في أرضهم أبشع ما تعرفه البشرية في حاضرها المعاصر من صور الاستبداد السياسي والظلم والجور والتفريق فإن كل ذلك راجع إلى المسلمين أنفسهم وإلى تلك الدعوات الباطلة الحضارات المادية التي تحول بما لديها من إمكانيات وقوة من المسلمين وبين قيام مجتمع مثالي فاضل في أرضهم. وسيكون لأسباب تأخر قيام هذا المجتمع الحضاري الإسلامي مقالات متتابعة ضمن هذا البحث إن شاء الله- تعالى- والمهم هنا هو بيان أن هذا الواقع الحضاري للمسلمين اليوم لا يمثل في قليل أو كثير واقع دعوته الإسلامية التي تجند كل فرد فيها للأهداف السامية التي سبق بيانها مرارًا. وأن هذه الحضارات الخاوية وإن بذلت الجهود والأموال والقوة في سبيل دعوتها فإنما ذلك لأهدافها الباطلة في التسلط والقهر والغلبة والعلو والفساد في الأرض. وليس أدل على ذلك من تسخیر الدين في سبيل هذه الحضارات الباطلة في الحضارة الغربية اليوم حضارة جاهلية إلحادية ومع ذلك تسخر الكنيسة النصرانية ووراءها جيش ضخم من المبشرين ومنظمات هائلة طبية واقتصادية واجتماعية وكل ذلك في سبيل خدمة الحضارة المادية التي جاءت النصرانية نفسها لهدمها وإقامة مجتمع فاضل مكانها فانظر كيف يستخدم الدين النصراني ورجاله اليوم في خدمة هذه الحضارات المادية الباطلة. بل ما هو أعجب من ذلك استخدام الشيوعيين أنفسهم التبشير النصراني في نشر الشيوعية والإلحاد، في الصندوق التبشيري في أندونيسيا وهو أحد وسائل يراد بها اليوم تحويل أندونيسيا من دولة إسلامية إلى دولة شيوعية أو إلحادية نصرانية يشارك في تمويله الشيوعيون والمنظمات التبشيرية النصرانية الأخرى. وكل ذلك يدل على أن هذه الدعوات وإن تغلفت بالهداية والخلاص تارة كما تزعم النصرانية المنحرفة أو بالعدل والمساواة تارة كما يزعم أتباع الشيوعية فإنها دعوات واحدة في الكفر والصد عن سبيل الله والسعي لغاية واحدة هي التسلط والقهر والغلبة. الواقع العكسي والمسلمون فتحوا البلدان وقدموا الهدايا الربانية للناس خالصة من كل شائبة لا يرغبون الا في رضوان الله عليهم والعيش مع إخوانهم في الإنسانية إخوانًا في ظل العقيدة الواحدة والتشريع الرحيم الواحد. وحتى من خالفهم عقيدتهم وشريعتهم تركوه ومعتقده وشريعته وكفلت له العدل والسلام والأمن وبذلك رحم الله بهم شعوب الأرض من الظلم وجور الأديان وتحكم الطواغيت. ولقد انحرف الحكم في الإسلام قليلًا وكثيرًا أحيانًا وما وصل يومًا من الأيام أن يظلم الناس حتى غير المسلمين ظلمًا يشبه فيه أحدًا من أهل الحضارات المادية في الفرس والروم قديمًا والاستعمار الحديث بشتى دوله الاستعمارية قد مارس مع الشعوب المستعمرة ظلمًا وخسفًا وذلك ما صنع المسلمون حتى في أحط عهودهم انحرافًا عشر معشارها. وأجمل موضوع اليوم فيما يلي من الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية الدعوة فأمة الإسلام أمة دعوة للناس جميعًا قد كلفها الله بذلك وجعلها خير أمة أخرجت للناس لذلك والمسلمون يقومون بالدعوة أداء هذا الواجب الرباني، وفتحًا لباب الهداية أمام الناس، ورفعًا للظلم والخسف عنهم، وإقامة مجتمع إنساني عالمي فاضل ذي عقيدة واحدة، وشريعة واحدة، وأخلاق واحدة وهذا ما تنشتــــده البشرية في شتى عصورها. عبد الرحمن عبد الخالق
الرابط المختصر :