العنوان قضية التربية في إطارها الصحيح.. نحو معالجة جادة لقضايانا الكبرى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1986
مشاهدات 52
نشر في العدد 758
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 11-مارس-1986
إذا كان من علامات الارتجال والخلط والتفتيت: فصل القضايا عن مدارها الطبيعي، ومعالجتها بالنظرة الجزئية، فإن من إمارات المنهج السليم: وضع كل قضية في إطارها الصحيح، والإقبال على معالجتها في ضوء نظرة كلية مستوعبة لكافة زواياها وأبعادها وآثارها.
وهذه هي أجدى وسيلة لتصحيح المسار والتوجه نحو الغايات المطلوبة، وإذا كان من طبائع الاستعمار: إكراه أبناء المستعمرين على تلقي نظمه التربوية والتعليمية، فإن من خصائص الاستقلال: تربية الأجيال على المبادئ الأصيلة للأمة التي نالت الاستقلال، ومنت النفس بالتمتع بمعطياته.
وهذا هو أرقى مفاهيم الاستقلال.
وإذا كانت الأمم تبني الجيوش، وتنشئ المؤسسات الأمنية لحماية أمنها الداخلي، وحدودها الخارجية، فإن مهمة المؤسسات التربوية هي: أن تكون حصونًا منيعة، وقلاعًا متينة تتدرب فيها الأجيال على القوة النفسية والفكرية، وتتسلح فيها بما يجعلها قادرة على صد أي هجوم تربوي، أو فكري، أو نفسي، وهذه هي أعظم مهام المؤسسات التربوية.
وتقودنا النقطة الأخيرة إلى طرح سؤال بدهي وكبير، وهو: هل تنفصل قضية التربية عن الأمن الوطني؟
إن الجواب الأمين العميق على هذا السؤال يضع الشأن التربوي في إطاره الصحيح من جهة، ويحدد المسئولية تجاه القضية التربوية من جهة أخرى.
ولكن ما هو الأمن الوطني؟
إن الأمن الوطني ليس لفظًا بلا مضمون، ولا شعارًا عامًا غامض المفهوم، مبهم التفاصيل.
إن الأمن الوطني مفهوم مركب من قضايا كثيرة ومحددة.
فالاستقرار السياسي جزء من الأمن الوطني.
وسلامة الوضع الاقتصادي جزء من الأمن الوطني.
والتماسك الاجتماعي جزء من الأمن الوطني.
وأداء الأعمال بأمانة، وكفاءة جزء من الأمن الوطني.
والحفاظ على الأسرار الحيوية للدولة جزء من الأمن الوطني.
والوحدة الفكرية جزء من الأمن الوطني.
والإجماع على «الثوابت» التي تمد هذه الأجزاء بالشرعية، والقوة، والبقاء، قمة الأمن الوطني وجوهره وذروته.
ونعني بالثوابت: الإسلام، والفصحى، والسيادة، وكرامة الأمة، ووحدة البلاد.
وتربية الأجيال على ذلك كله جهد علمي وفكري يدخل في صميم الأمن الوطني: تخطيطًا وتنفيذًا.
إذن: فقضية التربية هي إحدى القضايا الكبرى التي يتساوى الاهتمام بها -من حيث المستوى والجدية والإجماع- مع الاهتمام بأمن الحدود الإقليمية، والأمن السياسي.
بل نستطيع أن نؤكد على أنها تتقدم هذين المجالين في الأهمية والعناية، وذلك لسبب واضح أشد الوضوح وهو: أن الرجال الذين يتولون القيام بهذه الأعباء والمسئوليات لا يستطيعون أداءها- كما هو مطلوب- إلا وهم مزودون بمقادير عالية من التربية الأصيلة.
ومن المعلوم أنه- في ساعات المحن، ولحظات الإغراء- لا يعصم الناس إلا المثل العليا، والقيم الراسخة، وقد أكدت التجارب هذه الحقيقة توكيدًا لا جدال فيه.
ومن هنا فإن النظر إلى قضية التربية على أنها مجرد موضوع جزئي وفرعي تبسيط مخل، ومغامرة خطرة بحاضر الكويت ومستقبله ووجوده المعنوي.
وتزداد المغامرة النظرية خطرًا، إذا ترتب عليها عمل أو سلوك يضعف قيمة التربية في المناهج والأداء اليومي، أو يهز الاستقرار التربوي بمنطق تنقصه دقة الحساب.
وهذا هو الدليل:
•في أي بلد نحن؟
في بلد مسلم عربي.
وهذا وصف يستلزم التحقق به، وفي طليعة الأعمال والمسالك التي تؤدي إلى التحقق به: تمكين قيم الإسلام وترسيخها في الميدان التربوي: مناهج وخططًا ورجالًا.
وليس للعدول عن ذلك إلا تفسير واحد وهو: المغامرة بهوية البلد وأصالته.
•هناك اتفاق وطني عام على أن الكويت مستهدف لأكثر من سبب، ومن أكثر من جهة.
وهذا الاتفاق تعبير عن وعي عام مرتكز على عشرات القرائن.
ولا قيمة لهذا الوعي إلا إذا تجسد في خطط عملية تحبط أهداف الخصوم القريبين والبعيدين.
وفي طليعة هذه الخطط: التدابير التربوية القوية في كافة مؤسسات التربية والتعليم.
وكل تقصير في هذه التدابير، خروج على الاتفاق الوطني العام، وهذه مغامرة مهلكة.
وإذا كانت التربية القويمة مطلوبة على كل حال، وفي كل حين، فإن فترات الفتن الفكرية والمذهبية تحتاج إلى مزيد من الجرعات التربوية الحافظة والواقية.
فإذا حدث العكس، بمعنى أنه في زمن الحاجة الملحة إلى تكثيف التربية وإعلاء نوعها، حدث اضطراب أو تبدل غير محسوب، أو تقليص لمكانة الأصول التربوية الإسلامية، فإن هذا الاتجاه العكسي لا معنى له إلا المغامرة بالحصانة الثقافية للأمة.
• ثبت -بالملاحظة والاستقراء والتجربة- أن ثمة علاقة قوية بين الفساد الإداري والاقتصادي والأمني، وبين ضعف التربية والخلق.
والفساد الإداري والاقتصادي والأمني كارثة تتجاوز الأخطاء معادية لتهدد الكيان الوطني كله.
وكل إضعاف للتربية الدينية والأخلاقية، عن طريق تعديل المناهج أو اتخاذ إجراءات إدارية معينة، معناه: زيادة العوامل التي تهدد الكيان الوطني برمته.
وهذه مغامرة يقف لها شعر الرأس.
•إن إضعاف قيم الإسلام في التربية تمهيد فكري وسياسي للزحف الشيوعي، وما يماثله من زحوف فكرية وسياسية.
وفي مأساة أفغانستان عبرة.. أي عبرة.
إن حكام أفغانستان القدامى أضعفوا قيم الإسلام في التربية والتعليم وغيرهما من المجالات.
وبهذا العمل الشرير مهدوا الطريق للزحف الشيوعي الذي سبق الاحتلال الروسي لأفغانستان، ثم كان منطقة نفوذ لهذا الاحتلال.
ومما لا شك فيه أنهم حين فعلوا ذلك إنما ارتكبوا خيانة ضد أمن أفغانستان الوطني.
وهل زحف الفكر الشيوعي على جنوب اليمن إلا بعد إجراءات إضعاف موقف الإسلام في التعليم والتربية وسائر الميادين؟
وهل تغلغل الفكر الشيوعي في إندونيسيا، وهل وقع الزحف الصليبي في جزرها إلا بعد التضييق الشديد على الإسلام ورجاله في كل حقل؟
وقد يقال: هذه مبالغة، فالبديل هو «التأمرك» وليس الزحف الشيوعي.
ونحن نقول: ومتى كان التأمرك وقاية ضد الشيوعية؟
إن التأمرك يعني العلمانية، والعلمانية تفريغ للقلوب والعقول من عقائد الإسلام ومفاهيمه، وحين يحدث الفراغ تتقدم الشيوعية لسد الفراغ المفتعل.
إن الحقيقة التي ينبغي أن يستوعبها الخاصة والعامة استيعابًا كاملًا- ينبني عليه موقف وعمل- هي: «أن الأخطاء الأمريكية- التربوية والثقافية والسياسية- في منطقة الشرق الأوسط- وغيرها من المناطق- كانت أوسع الأبواب أمام النفوذ الشيوعي».
****
إن الله- تعالى- وهبنا النعمة لينظر-سبحانه- كيف نعمل؟
وابتلانا- عز وجل- بأكثر من بلاء لنتذكر ونخشى.
وأفسح لنا- جل شأنه- الفرصة لنعزم على التوبة النصوح.
وهذه مفاهيم تربوية أصيلة يجب أن يتحراها الجميع بعامة، والمسؤولون عن التربية بخاصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الأنفال: 24- 25- 26- 27- 28- 29).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل