; الملف الإرهابي لزعماء إسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان الملف الإرهابي لزعماء إسرائيل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996

مشاهدات 92

نشر في العدد 1192

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 19-مارس-1996

إن مليون عربي لا يساوون ظفر يهودي واحد، هذا ما قاله حاخام يهودي شارك في مراسيم دفن باروخ جولدشتاین منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل قبل عامين، والذي احتفل الصهاينة قبل أقل من شهر بذكرى وفاته في إحدى قاعات الأفراح، حيث أشارت الدعوات التي وجهت بهذا الخصوص إلى أن الاحتفال يأتي لإحياء ذكرى مرور عامين على وفاة الدكتور جولدشتاين.

وفي غمرة انشغال العالم بالتركيز على ما يسمى بـ العنف والإرهاب الفلسطيني بحق الإسرائيليين، يتغافل الجميع عن أن الإرهاب كان هو الوسيلة التي اعتمدها الصهاينة لإقامة كيانهم اللقيط على أرض فلسطين، وقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي الهالك مناحيم بيجن، الذي رأس عصابة الهاجاناة التي شاركت مع عصابة شتيرن في تنفيذ مجزرة دير ياسين، عام ١٩٤٨م بأنه لولا النصر في دير ياسين لما كانت هناك دولة إسرائيل، وهذا التصريح يوضح الأسس التي قامت عليها دولة الاحتلال الصهيوني، واعتمدت عليها أيضًا فيما بعد لضمان بقائها وتوسعها، والتي تجسدت في العديد من المجازر الوحشية بحق الشعب الفلسطيني واللبناني، وبحق الجنود المصريين الذين قتل مئات الأسرى منهم على أيدي الجنود الصهاينة.

وحتى لا ننسى الإرهاب الصهيوني، وجرائم الإرهابيين الصهاينة الذين مارسوا هوايتهم المنسجمة مع طبيعتهم العدوانية الحاقدة ضد كل ما هو عربي وإسلامي، ورغم أن سجل الإرهابيين الصهاينة سجل ضخم ربما تضيق به صفحات المجتمع إلا أننا نعرض هنا نموذجًا فقط لبعض هؤلاء الإرهابيين الذين لهم دور بارز ومواقع حكومية او حزبية، مع الإشارة إلى أن غالبية المسؤولين الإسرائيليين الذين شغلوا رئاسة الحكومات الإسرائيلية، كان لهم سجل حافل في المنظمات الإرهابية الصهيونية أو في الجيش الإسرائيلي. 

رئيس دولة الكيان الصهيوني حاليا عايزر وايزمان

ولد عام ١٩٢٤م، وانضم لعصابة الهاجاناة الإرهابية، وأقام نواة سلاح الجو

الإسرائيلي عام ١٩٤٧م، تولى خلال حياته العديد من المناصب العسكرية، منها قائد سلاح الجو، ومساعد رئيس هيئة الأركان، ورئيس شعبة الأركان العامة، ووزير الدفاع خلال الفترة من عام ۱۹۷۷ - ۱۹۸۰م، وكان قد تجند في سلاح الجو البريطاني عام ١٩٤٢م وعمل طيارا في منظمة «البالماخ»، الصهيونية الإرهابية، وفي حرب عام ١٩٥٦م كان قائداً لجناح جوي مقاتل وفي مؤتمر صحفي عقده عام ١٩٧٢م قال وایزمان: إن من واجب إسرائيل ضرب الدول وإبادة قوتهم العسكرية وخاصة القاهرة ودمشق وطرابلس وبيروت، وذلك بسبب تشجيعها للأعمال العدائية ضد إسرائيل.

 وزير الخارجية الحالي ورئيس هيئة الأركان السابق إيهود باراك

ولد عام ١٩٤١م، وانضم للجيش الإسرائيلي عام ١٩٥٩م، وشغل عدة مناصب منها قائد سرية دبابات على الجبهة المصرية عام ١٩٧٠م، وقائد كتيبة دبابات عام ١٩٧٣م، ورئيس شعبة التخطيط في هيئة الأركان عام ۱۹۸۲م، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية عام ١٩٨٣م، وقائد المنطقة الوسطى عام ١٩٨٦م، ونائب رئيس هيئة الأركان عام ۱۹۸۷م، وكان آخر موقع يشغله قبل ترك الحياة العسكرية رئاسة هيئة الأركان. 

وقد شارك باراك عام ١٩٧٣م في عملية اغتيال ثلاثة من قادة حركة فتح في بيروت، كما شارك في نفس العام في إنقاذ رهائن طائرة سابينا في مطار بن غوريون، وكان رئيسًا لهيئة الأركان حينما ارتكب جنود الاحتلال مجزرة

الحرم الإبراهيمي قبل عامين.

رئيس هيئة الأركان الحالي أمنون شاحاك

ولد عام ١٩٤٤م، وتجند في الجيش الإسرائيلي عام ١٩٦٢ في قوات المظليين خلال حرب ١٩٦٧م. كان قائدًا لكتيبة مظليين، وشارك في حرب الكرامة عام ١٩٦٨، ونال وسام بطولة، كما منح وسام بطولة آخر لأعمال لم تذكر، لها علاقة باغتيال العديد من القادة الفلسطينيين، تولي أثناء غزو لبنان عام ۱۹۸۲م قيادة القوة الموجودة في بيروت، وأم الشوف وعين عام ١٩٨٣قائدًا للمنطقة الوسطى، وفي عام ١٩٨٦م عين رئيسًا لشعبة الاستخبارات العسكرية.

رئيس الوزراء الحالي شيمون بيريز ينسب إليه الفضل في تأسيس المشروع النووي الإسرائيلي في أواخر الخمسينيات، وكان نائب وزير الدفاع عام ١٩٥٦م، حينما ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة كفر قاسم، في 29/10/١٩٥٦م، وقتل فيها ٤٩ فلسطينيا. وشغل العديد من المواقع العسكرية والسياسية منها رئاسة الوزراء لمدة عامين في الحكومة الائتلافية بين حزبي الليكود والعمل في الفترة من ١٩٨٤ - ١٩٨٨م.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق وأحد أقطاب حزب الليكود المعارض إسحاق شامير

ترأس منظمة شتيرن الإرهابية التي كان لها دور أساسي في تنفيذ مذبحة دير ياسين التي سقط فيها نحو ٢٥٠ شهيدًا، وكان وزير الخارجية عام ۱۹۸۲م حينما نفذت مجزرة صبرا وشاتيلا، وكان على علم مسبق بخطة المجزرة، كما كان رئيس الوزراء حينما نفذت قوات الاحتلال الصهيونية مجزرة الأقصى التي سقط فيها ۲۱ شهيدًا، وأكثر من ١٥٠ جريحًا.

 وزير الدفاع السابق وأحد أقطاب حزب الليكود أربيل شارون

ولد عام ۱۹۲۸م، وانضم إلى عصابة الهاجاناة، في وقت مبكر عين قائدًا لسرية استطلاع في لواء غولاني عام ١٩٥١م، وكلف في عام ١٩٥٣ بتشكيل الوحدة الخاصة 101 التي أسند إليها تنفيذ عمليات انتقامية ضد الفلسطينيين والدول العربية، وقد نفذت هذه الوحدة مذبحة قبية في ١4/١0/ ١٩٥٣م التي سقط فيها ٦٧ فلسطينيا، وجرح المئات، ومن أفظع الجرائم التي وقف وراها مجزرة صبرا وشاتيلا التي قتل فيها ما بين ٢٠٠٠ - ٣٥٠٠ فلسطيني في لبنان، وكان شارون يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع، وهو الذي قاد عام ١٩٧٣م

عملية فتح ثغرة الدفرسوار ويذكر أن رئيس حركة تسوميت اليمينية فائيل إيتان كان يشغل منصب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي عام ۱۹۸۲م أثناء تنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا، حيث كان هو وشارون أبرز المخططين للمجزرة.

وهناك قائمة طويلة من القادة الصهاينة أصحاب السجل الإرهابي ممن هلكوا خلال العقود أو الشهور السابقة، وأخرهم إسحاق رابين وموردخاي غور، أو ممن ليست لهم مواقع حكومية أو حزبية في الوقت الراهن

 

• الإرهاب «الإسرائيلي» المنظم

بقلم: د. وحيد حمزة هاشم 

يعد القرن العشرون من أدمى وأعنف القرون التي عاشتها الإنسانية في تاريخها الطويل، ومن أخطرها على حياة الإنسان بل وبقائه، فلقد قتل الملايين في الحروب التي اندلعت منذ بداية القرن، وقتل وصفي عشرات الآلاف من العرب، وخصوصًا من الشعب الفلسطيني على يد الكيان الصهيوني وجهاز موساده.

ومات عشرات الآلاف في إفريقيا وآسيا في الحروب الأهلية، وأعمال العنف السياسية والإرهابية، ويموت المئات إن لم يكن الآلاف من انتشار ظاهرة العنف السياسي، على نطاق واسع وبشكل مستمر في أمريكا اللاتينية، وفي أفغانستان، والشيشان والبوسنة والهرسك بدون أية رحمة أو شفقة، أو قانون يحمي الضعيف في مواجهة القوي الظالم.

وتؤكد الأحداث الإرهابية المتعاقبة أن ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي مرض مزمن وخطير في أن واحد، فجرثومة هذا المرض باتت تنتشر بشكل سريع، وهي جرثومة تعيش كمرض السرطان، في جسم التركيبة الاجتماعية والنفسية للمجتمعات الإنسانية، عاشت معها منذ الأزل ولا تزال تعيش معها، وستعيش معها إلى أن تتحقق العدالة الإنسانية الشاملة.

إن ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي المنظم سواء إرهاب الدولة أو إرهاب الجماعات المنظمة باتت أيضًا سمة من سمات هذا القرن، وانتشرت بشكل خطير وملفت للنظر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، بل إن جميع المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تشير إلى أن ظاهرة الإرهاب في ازدياد مضطرد، نتيجة لغياب العدالة الإقليمية والدولية، ولانتشار الظلم والقهر والاضطهاد المحلي والدولي، وستتفاقم مستقبلًا إن لم توضع لها الحلول العادلة والمناسبة.

 فظاهرة الإرهاب والعنف السياسي لم تعد محصورة أو مقتصرة على جماعة معينة أو مجتمع بعينه، وإنما مورست ولا تزال تمارس حتى من قبل الدول ذات السيادة نفسها، فما فعلته الدول المستعمرة (بكسر الميم) بالدول المستعمرة (بفتح الميم) لدليل قريب وواضح وجلي، وما تفعله بعض الدول الأخرى وخصوصًا إسرائيل، والعراق منذ مدة من رعاية فائقة، وحرص واهتمام شديدين، وتنمية خاصة بعمليات وجماعات الإرهاب والعنف السياسي لأصدق دليل وشاهد على إرهاب الدولة المنظم، فالدول هذه وغيرها تنشئ الإرهاب وتدعمه وتموله وتدربه، ومن ثم توجهه لتحقيق أهدافها ومصالحها القومية الضيقة على حساب الغير، وخصوصًا على حساب الدول الضعيفة المغلوبة على أمرها، وأخطر أنواع الإرهاب هو الإرهاب المنظم «الجماعات المنظمة» وإرهاب الدولة الذي بات يعد سعة من سمات الدولة الإسرائيلية، منذ قيامها وحتى اليوم، والإرهاب العراقي ضد الشعب الكويتي إبان الاحتلال الغاشم، واستمرارية احتفاظ العراق بالأسرى الكويتيين، ولابد أن نشير أيضًا  إلى أن الإرهاب المنظم من قبل بعض الجماعات الإرهابية التابعة لإرهاب الدولة ينظم ويدعم ويمول من قبل الدول أيضًا الراعية للإرهاب، وفي مقدمتها إسرائيل، ثم العراق.

فالجماعات الصهيونية ارتكبت أبشع العمليات الإرهابية في فلسطين قبيل اندلاع حرب عام ١٩٤٨م، وكثرت عمليات الإرهاب الصهيونية في فلسطين والأردن في الفترة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعلى سبيل المثال فلقد قامت الجماعات الإرهابية الصهيونية بنسف ثلاثة جسور في يوم واحد، إثر التوقيع على المعاهدة الأردنية - البريطانية في عام ١٩٤٦م: جسر اللنبي الذي يقع بين فلسطين وشرق الأردن، وجسر الشيخ حسين الواقع على الحدود بين البلدين، وجسر دامية الواقع بين البلدين، وعبرت عصابة يهودية مسلحة الحدود إلى المنطقة الشمالية، ونسفت جسر الحاوي التابع لسكة حديد الحجاز، وأطلقت النار على بعض محافظي الجمرك وأصابوا اثنين منهم بجروح.

ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم بداية بمذبحة دير ياسين مرورًا بمذابح صبرا وشاتيلا، ومذبحة الحرم الإبراهيمي والقدس الشريف، ونهاية باغتيال يحيى عياش ارتكبت القوات الصهيونية المجازر الإرهابية في حق الشعب الفلسطيني، ولم يتحرك الرأي أو الضمير العالمي، ولم تزرف الدموع على تلك الدماء العربية التي أهدرت بقوة السلاح الإرهابي الإسرائيلي.

الإرهاب اختلاف المفاهيم!

ومفهوم الإرهاب والعنف السياسي قد اختلفت مفاهيمه ومبادئه ووسائله من مجتمع لآخر من حيث كونه وسيلة أم غاية، ففي البداية يلجأ البعض إلى الإرهاب كوسيلة لتحقيق غاية لتنتهي لتصبح غاية في حد ذاتها، مع انعدام الوسائل أو البدائل الأخرى، ولكن مع ارتفاع نسبة وحدة ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي واجتياحها لجميع المجتمعات الإنسانية المتقدمة والنامية والمتخلفة على حد سواء، تثار العديد من التساؤلات حول الأحداث الخطيرة والمعقدة هذه، ولا نستطيع أن نجد لها أجوبة كافية أو شافية، بل ولا أكيدة، إذ ليس هناك من سبب واحد وإنما أسباب، وليس هناك من عامل رئيسي واحد، وإنما عوامل رئيسية عديدة، وليس هناك من عوامل ثانوية معينة، وإنما عوامل عديدة لا حصر لها، منها عوامل مسارعة وعوامل مساندة، إذًا فليس هناك إجابة واحدة على تساؤلاتنا عن ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي، وإنما إجابات، ومعها بل ومنها تنبثق تساؤلات أخرى تحتاج بدورها إلى إجابات وعلى الرغم من ذلك وبالتحديد فإن للإرهاب

أسبابًا نفسية ومسببات اجتماعية واقتصادية، إذ تلعب العوامل النفسية الشعور بالحقد والظلم أو الاضطهاد والاجتماعية الطبقية المفرطة، وغياب العدالة الاجتماعية التي تساعد إن لم تؤد إلى ظهور ونمو مشاعر ومن ثم سلوكيات الإرهاب والعنف السياسي، فالظاهرة تبدأ من المجتمع على مستوى الفرد، ومن ثم إلى مستوى الجماعة، وبالتخصيص من عمليات التنشئة الاجتماعية لتتشبع بها النفس وتؤثر على العقل والمفاهيم والمعتقدات، وبالتالي تظهر بعد ذلك على السلوك، والظاهرة ولو أن مصادرها وجذورها تنبع من البيئة الاجتماعية، إلا إنها تتوالد وتتفاقم مع ظهور عوامل أخرى مساندة أو مهيئة تنبع من البيئة الاقتصادية أو السياسية، ومع ذلك وعلى الرغم من قدرة علماء السياسة على تحديد أسباب ومسببات الإرهاب والعنف السياسي، إلا أنه من الصعب جدًا أن تتوقع بدقة حدوث عمليات الإرهاب والعنف السياسي فدقة التوقع للسلوكيات الإنسانية السلبية تعد من الأمور شبه المستحيلة، ولذلك فشلت توقعات ماركس لأنه اعتمد على الحدس والتخمين الشخصي أكثر من اعتماده على نظرية عملية وواقعية، فتوقع الأحداث والسلوكيات يشبه تمامًا توقع وقوع الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والمناخ، ولكن من الممكن وعلى أقصى تقدير التوقع في شكل احتمالات تخضع لمعايير تلك النظرية، ولكن من المعروف قطعًا أن أفعال وسلوكيات العنف والإرهاب الموجهة ضد دولة معينة أو شعب معين عادة ما تؤدي إلى ردود أفعال من نفس المستوى إن لم يكن بشكل أكبر وأعمق وأكثر دموية.

الخيار المماثل

وهذا ما حصل في دائرة العنف العربية- الإسرائيلية، فإسرائيل تحت ستار حججها الواهية للمحافظة على أمنها القومي المزعوم ترتكب أبشع وأفظع العمليات الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني والعربي، كما حصل في السابق من عمليات إسرائيلية في تونس، وبذلك لا تترك الخيار أمام الشعب الفلسطيني إلا بالرد على الإرهاب الإسرائيلي بعنف مماثل، فالعمليات الإرهابية الإسرائيلية في داخل فلسطين المحتلة، وفي خارجها تجاه الرموز القيادية الفلسطينية ساهمت بشكل مباشر في نمو مشاعر الكره والإحباط النفسي والجماعي، فكما هو معروف في فقه السياسة المقارنة أن المستوى المتدني من الإحباط وعدم التحرك الاجتماعي، والظلم السياسي يؤدي بدوره إلى ظهور مستوى سلبي من السلوك الإنساني، في شكل اللجوء إلى عمليات من العنف والإرهاب، كوسيلة لتحقيق غاية، وكرد فعل لفعل سابق، إذًا فإن ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي تعد من الظواهر الخطيرة التي تشبه المرض المزمن والمعدي سريع الانتشار، وإلى أن هذه الظاهرة أصبحت ظاهرة عالمية تعاني منها جميع المجتمعات الإنسانية، ولذلك فإن دراسة هذه الظاهرة من الدراسات الصعبة والمعقدة، نظرًا لأنها ترتبط ارتباطًا كليًا بسلوك الإنسان، وبالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، وما يسبق ذلك من عوامل نفسية واقتصادية وعقائدية، والتي تؤدي إلى ظهور هذه الظاهرة، ومن ثم إلى انتشارها.

 الذي يمكن أن نستنتجه بعد أن نستقرئ أحداث الماضي وتتفحصها بتعمق، وبعد أن تخضعها لمعايير التحليل العلمي أن ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي في منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد في فلسطين سببها الأول والأخير هو وجود الدولة الإسرائيلية، وسلوكياتها الإرهابية تجاه الشعب العربي والفلسطيني، ولذلك فإن المجتمع الدولي يجب ألا ينظر إلى ظاهرة الإرهاب من جانب واحد، أو من بعد واحد بعينه، وينسى أو يتناسى بقية الأبعاد والمسببات، فالصورة لا يمكن أن ترى بدقة إلا إذا ما نظرنا إلى جميع ما فيها من مناظر وأبعاد ومعان، والإرهاب كظاهرة من ظواهر العنف السياسي لا يمكن أن ندرسها ونحللها من جانب واحد فقط، ولا من منظور عقائدي متجمد ومتحيز، يعتمد على المنظور الجزئي والتحليلي الضيق، فالإرهاب لا يمكن أن يكون مباحاً لفئة ومحرمًا على فئة أخرى.

فالقضية بالدرجة الأولى ليست سياسية فقط، وإنما قضية إنسانية وأخلاقية واجتماعية وعقائدية بالدرجة الأولى، فالإرهاب لابد وأن يتعامل معه المجتمع الدولي بمنظور شامل وكلي، ومن الواضح أن غياب العدالة الدولية والتحيز الدولي إلى جانب إسرائيل، ودعمها اللامحدود من قبله، وموت الضمير العالمي وإيمانه برخص الدم العربي ساهمت بشكل مباشر أيضًا في استمرارية اللجوء إلى سلوكيات العنف والإرهاب كوسيلة لتحقيق غاية. 

وأخيرًا يمكن القول إن ظاهرة العنف والإرهاب من الظواهر السلوكية الإنسانية التي صاحبت الحياة الإنسانية منذ بدء الخليقة، إلا أنها كانت ظاهرة مقصورة وجزئية ومحددة بسبب محدودية الظلم والاضطهاد وجزئية غياب العدالة الإنسانية. أما اليوم فلقد أصبحت ظاهرة منتشرة وكلية نتيجة لغياب العدالة الدولية وانتشار الظلم والاضطهاد، واستمراريته في جميع أنحاء العالم، «حكم القوي على الضعيف» وأن الظاهرة كانت مقصورة أو مقتصرة على جماعات معينة وأصبحت ظاهرة شاملة المجموعات عديدة، بل إنها ظاهرة عالمية

لأنها أصبحت ظاهرة من ظواهر إرهاب الدول القوية ضد الدول والشعوب الفقيرة والضعيفة.

 

• العلامة الدكتور يوسف القرضاوي

• إسرائيل هي الإرهاب الأكبر في العالم 

الدوحة: حسن علي دبا

في تصريحات له بالدوحة في الأسبوع الماضي قال فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي تعليقاً على اتهام الإسلاميين بالإرهاب والخلط الإسلامي بين الجهاد في سبيل الله والإرهاب: إن الإرهاب الذي أراده القرآن إرهابًا لعدو الله هو الجهاد، واستنكر تسمية الدفاع عن الوطن والعرض والدين إرهابًا كما رد على دعوى قتل أبناء حماس لمن يسمون أبرياء من سكان «إسرائيل»، فقال: إن المجتمع الإسلامي كله مجتمع محارب، كما تساءل عن سر التغيير في الإعلام العربي الذي صارت لديه إسرائيل، حملًا وديعًا وهي الإرهابي الأكبر الذي يحارب الإسلام باسم محاربة الأصولية، وبين مفهوم الجهاد والفرق بينه وبين الانتحار، كما أوضح أن الجهاد ليس تهلكة، بل تركه هو التهلكة، واستبشر بقدرة الإسلاميين على التحدي الجهادي ضد ترسانة إسرائيل، النووية.

وحول الصمت العربي إزاء ما تقوم به إسرائيل، بل ومجاراتها قال القرضاوي: الذي حدث هو أن العقل العربي قد تهود، فإسرائيل هودت العقول، وعودت الإعلام إلا من رحم ربك، وهودت السياسة إلا من عصم ربك، وقليل ما هم. هودت العقول فأصبحنا نسمي هؤلاء الإرهابيين، ونسمي عملياتهم العمليات الإجرامية، وتساءل فضيلته ثانية ما الإرهاب، وهل كل إرهاب معيب؟ وهل كل إرهاب مجرم؟ وأجاب: هناك إرهاب مجرم، وهذا يتعلق بمن ترهبه، إن كنت ترهب قومك وتقتل المدنيين والشيوخ والأطفال والنساء والمدنيين البراء، فهذا إرهاب لا نقبله، وعنف نرفضه باسم الإسلام

 إرهاب الأعداء

 ولكن إذا كنت ترهب عدو الله وعدوك الذي أخرجك من أرضك، الذي شرد أهلك واستباح دمك، وفعل بك الأفاعيل عشرات السنين هل هذا إرهاب الله تعالى يقول: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾[ الأنفال: 60]

 فهل القرآن الذي اعتبر هذا الإرهاب أمرًا ممدوحًا كان مخطئًا؟! يريدون أن يجعلوا كل جهاد إرهابًا، يريدون أن يبطلوا فريضة الجهاد وشريعة الجهاد من العالم الإسلامي كله.

فهل الذين يدافعون في البوسنة إرهابيون؟ وهل الذين يدافعون عن أرضهم ودينهم في الشيشان إرهابيون؟ والذين يدافعون في كشمير إرهابيون؟ والذين يدافعون في الفلبين إرهابيون؟ والذين يدافعون في فلسطين إرهابيون؟

 من قال إن دفاع الإنسان عن وطنه، وعن عرضه وعن أرضه، وعن أهله، وعن دينه يعتبر إرهابًا؟ ولماذا لم نكن نعتبر ما يحدث في فلسطين إرهابًا من قبل؟ لماذا كنا نقول أبطال الانتفاضة؟ لماذا كنا نكبر ونهلل في كل عملية فدائية؟ لم يقل أحد في ذلك الوقت إنهم يقتلون المدنيين كانوا يقولون إن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري.

مجتمع محارب كله

وردًّا على ما أثير هذه الأيام عن قتل المدنيين في إسرائيل رد فضيلته بقوله: إن المجتمع الإسرائيلي مجتمع محارب، رجاله ونساؤه، كلهم جنود في الجيش الإسرائيلي يستدعون عند اللحظة الحاسمة، ثم تابع هكذا كانوا يقولون ما الذي غير الموقف قالوا اتفاقية السلام، وهل تم السلام حتى بالحد الأدنى، ودون الحد الأدنى الذي رضوا به لم يتحقق، لم تعد القدس، بل مازالوا يقولون إن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل ومازالوا يغتصبون الأراضي أراضي الفلسطينيين يغتصبونها بالعنف والقوة، ونرى ونحن نشاهد التليفزيون الإخوة والأخوات الرجال والنساء والأطفال يتشبثون بأرضهم ويصيحون ويولولون، ولكن البلدوزرات القوية تجرف الأرض ولا تبالي بهؤلاء، رأيناهم يقتلون من شاءوا أن يقتلوا، أرادت حماس أن تصنع هدنة وأعلنت ذلك منذ مدة، ولكنهم قتلوا يحيى عياش كما قتلوا من قبل د.فتحي الشقاقي، وهددوا الآخرين وتوعدوهم، فأرادوا أن ينتقموا لأنفسهم، ولكن إسرائيل، تفعل ما تشاء ما تفعله لا يسمى إرهابًا، مع أن الإرهابي الأكبر في العالم هو إسرائيل، ثم فصل قائلا: إسرائيل هي التي قامت على الإرهاب من أول يوم، قبل أن تكون دولة على عهد العصابات ،كانت هي الإرهابي الأكبر، وبعد أن صارت دولة كانت هي الإرهابي الأكبر، وتساءل د. القرضاوي هل صارت إسرائيل، حملًا وديعًا الآن؟

 إن إسرائيل، مازال الإرهاب في دمها، ثم تريد هي أن تغتال من تشاء وتقتل من تشاء، وتصبح القوة التي لا تقهر، والشوكة التي لا تكسر، هي صاحبة اليد الحديدية، والذراع الطويلة، والعصا الغليظة، والترسانة النووية، تستطيع أن تضرب من تشاء فتصيب وأن تصيب فتقتل، وأن تقتل فلا تطالب بقصاص، ولا دية، ولا كفارة، لأن الذين تقتلهم دمهم مباح، وقتلهم متاح وليس على قاتلهم من جناح، هكذا تفعل إسرائيل لماذا يحدث هذا كله؟

 وحول مؤتمر شرم الشيخ، قال الدكتور يوسف القرضاوي: في الواقع إنه ليس مؤتمرًا ضد الإرهاب، إنه كما قال رابين في مؤتمر الدار البيضاء لأعداء ثلاثة الأصولية والجوع والمخدرات، فهم يحاربون الأصولية، لكن ما معنى الأصولية؟

هي الرجعة إلى الإسلام، التوجه إلى الإسلام، الدعوة إلى الإسلام، ينبغي أن يمحى هذا من الوجود، لأن إسرائيل تعرف أن بقاءها مرهون بإخماد الصحوة الإسلامية، فإذا أخمدت الصحوة الإسلامية اطمأنت جنوبها في المضاجع واستبشر د. القرضاوي بالأمل قائلًا لكن الصحوة الإسلامية لن تموت الصحوة الإسلامية باقية.

وحول العمليات الاستشهادية التي تسميها وسائل الإعلام عمليات انتحارية، قال

د. القرضاوي: إني أعجب من أجهزة الإعلام العربية التي تسمي عمليات هؤلاء الشباب الذي باع نفسه لله عمليات انتحارية، لا يا سادة ليس هذا انتحارًا، وليس هؤلاء منتحرين، المنتحر إنسان يائس من روح الله، وهؤلاء كلهم أمل في رحمة الله وروح الله، المنتحر إنسان لا يفكر إلا في نفسه، وهموم نفسه، وهؤلاء لا يفكرون في أنفسهم، بل يفكرون في أمتهم ودينهم، المنتحر إنسان فقد الرجاء في كل شيء، وهؤلاء يرجون الله والجنة، والدار الآخرة.

ليس هؤلاء منتحرين هؤلاء مستشهدون، هم الشهداء الأحياء الذين يحرصون على الموت لتوهب لهم الحياة، يريدون أن يموتوا في سبيل الله، الناس يخافون الموت وهم يسعون إليه ركضًا، هذا ليس انتحارًا يا سادة، هؤلاء شهداء في سبيل الله، بل هم في مقدمة الشهداء الذين يقومون بهذه الأعمال يفدون أمتهم بأرواحهم وضعوا رؤوسهم على أكفهم وقدموها رخيصة في سبيل الله، فكيف تسمونهم منتحرين؟! كيف تسمون عملهم انتحارًا؟! هذا ظلم، وهذا أمر غير مقبول.

التهلكة في ترك الجهاد

وبين د. يوسف القرضاوي مفهوم الجهاد وأن تركه تهلكة للأمة، وليس العكس من خلال عرضه لهذه الرواية

روى الإمام الترمذي وأبو داود عن أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم أي على أسوار قسطنطينية، وكان معنا على الجند المصريين عقبة ابن عامر رضي الله عنه، وعلى الجيش فضالة ابن عبيد، ثم أخرج الروم صفًا عظيمًا فقابلهم المسلمون بمثله، ثم قام رجل من المسلمين ودخل في غمار الروم هجم عليه وحده، فصاح الناس سبحان الله هذا يلقى بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه - صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال أيها الناس، إنكم تتأولون الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار بعد أن عز الإسلام وكثر ناصروه، قلنا في أنفسنا سرًّا، ولم نقل ذلك إلى رسول الله ، لو أنا بقينا في أموالنا فأصلحنا زرعنا، وأصلحنا أموالنا وتركنا الجهاد يعني أننا شغلنا سنين عدة بالجهاد، وتركنا النخيل والزرع فلو أنا تركنا الجهاد وانشغلنا بإصلاح المال، قال فأنزل الله تعالى على رسوله هذه الآية ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة:195]، فكانت التهلكة أن نترك الجهاد وتنشغل بأموالنا الخاصة.

هذه هي التهلكة، التهلكة هي ترك الجهاد، بعض الناس يريدون أن يكون الذي يرمي بنفسه في سبيل الله في هذه الأعمال الجسورة يعتبرونها إلقاء باليد إلى التهلكة لا، التهلكة أن تنشغل بدنياك الخاصة وتترك الجهاد في سبيل الله، هؤلاء هم الذين يرهبون أعداء الله

الشهادة سلاح جديد

ثم قال عن الاستشهاد في سبيل الله: هذا سلاح جديد أودعه الله في أيدي المؤمنين وأيدي الضعفاء، جعله الله في يد المستضعفين ليقفوا به في وجه الأقوياء المتجبرين المستكبرين في الأرض بغير الحق، جعله الله في يد المؤمنين سلاحًا يخيفون به المشركين والكفار، ماذا تستطيع أن تفعل في إنسان جعل من نفسه قنبلة موقوتة، ليكن عندك الأسلحة النووية والأسلحة الاستراتيجية، وما شئت من أدوات الدمار، ماذا تفعل أمام إنسان باع نفسه لله، ولا يبالي بموت، لقد دخل المعركة ميتًا في سبيل الله، يقول ما قال الأول، «وعجلت إليك رب لترضى» فإذا ما انفجر قال فزت ورب الكعبة.

 وعند إسرائيل، ترسانة نووية، وعند الإسلاميين ترسانة إيمانية، قنابل بشرية، قادرة على التحدي واختتم د. القرضاوي تصريحاته قائلًا: هذا هو الذي ينبغي أن نعيه في هذه القضية التي التبس فيها الحق بالباطل، واختلط الحابل بالنابل، وأصبح إعلامنا أسيرًا للإعلام الغربي، والإعلام الصهيوني حتى أصبحت «إسرائيل» قادرة على تهويد عقولنا، على صهينة عقولنا وإعلامنا وصحافتنا، إلا من رحم ربك.

إننا لا يسعنا إلا أن نسأل الله للإخوة في فلسطين أن يوحد صفهم، وأن يقيهم أن يفتن بعضهم بعضًا، وأن يحارب بعضهم بعضًا، وأن يعصمهم من كيد اليهود ومكر اليهود، فإن كيد الله أقوى.

الرابط المختصر :