; المسلمون الكازاخ موضع التجارب النووية السوفيتية | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون الكازاخ موضع التجارب النووية السوفيتية

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الأحد 15-مارس-1992

مشاهدات 53

نشر في العدد 993

نشر في الصفحة 33

الأحد 15-مارس-1992

مأساة كازاخستان: ضحايا التجارب النووية السوفيتية

بعد سقوط الإمبراطورية الشيوعية في بلاد الاتحاد السوفيتي، بدأت الألغاز والأسرار تتوالى عن تلك البقعة من الأوطان التي ظلت مجهولة عن العالم لسنوات طويلة. وربما أبرز ما رسمته ووصفته التفاصيل الواردة من هناك والتي يتسنى للمرء أن يلاحظها بوضوح حال زيارته لها هو مأساة كازاخستان التي باتت صورة ورمزًا بشعًا للظلم والإجحاف والقهر الواقع على المسلمين، المحرومين من امتلاك السلاح النووي، لكن عليهم أن يدفعوا ثمن وضريبة امتلاك غيرهم له، بأرواح تهلك، وأجساد تتشوه، ونفوس تمرض. فلم تُصب أرضٌ في كل الاتحاد السوفيتي السابق بما أصيبت به جمهورية كازاخستان الإسلامية من إشعاعات وسموم نووية لوثت أرضها وأجواءها، فقد كانت هي المنطقة الوحيدة في الاتحاد السوفيتي -ومن بين الجمهوريات السوفيتية- التي أُجريت فيها تفجيرات نووية، وقد اختيرت المناطق ذات الكثافة السكانية المسلمة في كازاخستان لإجراء هذه التفجيرات.

فقد أعلنت الطبيبة السوفيتية «ماريا جانجالونا» أن حوالي نصف مليون إنسان في جمهورية كازاخستان ماتوا ضحية التجارب النووية، حيث أصيبوا بأضرار صحية شديدة. وقد نقلت صحيفة «برونشتيجر» الألمانية والتي نشرت الخبر عن الطبيبة قولها إن حوالي ثلث المواليد الجدد يتضح فيهم سوء النمو، وأنها قد استمدت معلوماتها من تقارير طبية سرية لم يُعلن عن محتواها إلا منذ حوالي سنة. كما ذكرت الطبيبة -وهي بروفيسورة تعمل في دراسة عن التجارب النووية في منطقة «سيميبلا تيسنك»- أن حوالي مليون ونصف إنسان واجهوا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حوالي 300 تجربة نووية، تعرضوا خلالها لكميات كبيرة من الإشعاع، وأن ثلث هذا العدد مصاب بأمراض السرطان وضعف المناعة، كما أن معدلات الإصابة بسرطان الدم في هذه المنطقة ضعف المعدل العام في الاتحاد السوفيتي، كما ذكرت الطبيبة أن هناك أعدادًا ضخمة مصابة بالاكتئاب واليأس خوفًا من إصابتهم بهذه الأمراض مستقبلًا. وذكر خبير الأشعة الأمريكي «أنتوني روبنس» أن هذه هي أكبر الكوارث الناتجة عن التجارب النووية في العالم كله.

 

وتذكر التقارير الصادرة في العاصمة الكازاخية ألما آتا أنه خلال 14 عامًا، ومنذ عام 1949 وحتى عام 1963 وعلى مساحة قدرها 2 مليون هكتار، وبالقرب من منطقة «سيميبلا تيسنك» تم تفجير 266 قنبلة نووية وهيدروجينية فوق الأرض. وخلال الستة وعشرين عامًا التالية فُجرت تقريبًا نفس الكمية، ولكن تحت الأرض. ويضيف التقرير أن كازاخستان استخدمت كأرض حاملة للصواريخ النووية، وأماكن للتجارب النووية، ومراكز لتكرير اليورانيوم، ومركز اختبار السلاح البيولوجي، وأن على أرضها كانت تتم حلقة إنتاج تامة من الصناعات النووية، من استخراج إلى تكرير إلى تجريب الرؤوس النووية إلى -أخيرًا- تحطيم الصواريخ النووية والكيميائية مسببة مشاكل بيئية ضخمة في كازاخستان، باتت تهدد حياة ساكنيها. كما فقدت الأرض خاصية التنقية الذاتية، وأثر استخراج الوقود النووي منها على الزراعة والمحاصيل، وتسبب عن التلوث البيئي موت جماعي لأنواع نادرة من الحيوانات والنباتات. هذه الأوضاع المأساوية هي التي دفعت نزار باييف رئيس الجمهورية عند لقائه مع رئيسة وزراء بريطانيا السابقة ليقول لها: إنهم يتحدثون عن مساوئ الاستعمار البريطاني؛ لكنهم لا يعلمون حقيقة الطغيان الشيوعي في كل أنحاء الاتحاد السوفيتي، ولا سيما في بلادنا. ويقول: لو جُمعت كل مساوئ الاستعمار الغربي -خلال القرنين الماضيين- لما كانت تساوي واحدًا بالمائة مما صنعه الطغيان الشيوعي في أراضي الجمهورية.

 

نتائج التجارب النووية على السكان والبيئة

وفي لقاء مع رئيس قسم البيئة في كلية البيولوجيا في جامعة كازاخستان الدكتور «بوجشوف» صرح بأن 95% من ضحايا الإشعاعات النووية كانوا من الكازاخ المسلمين، و5% من الروس، رغم أن كازاخستان يسكنها 40% روس إلا أن مناطق التجارب النووية كانت مناطق المسلمين، بل إن المناطق النووية في جمهورية روسيا تقع على الحدود مع كازاخستان، أي ملاصقة لأراضي المسلمين. ويقول أيضًا إنه يولد الآن الجيل الثالث من الناس الذين تعرض آباؤهم منذ عام 1949 إلى إشعاعات نووية، وبدأت تظهر نتائجه الخطيرة في الصفات الوراثية، سواء في صورة أطفال مشوهين أو متخلفين عقليًّا، أو مصابين بأمراض سرطانية. ويضيف: إننا الآن نقوم بحساب كمية الإشعاعات النووية الموجودة في الأجواء الكازاخية، ونحصر مدى الضرر الذي لحق بأراضينا وشعبنا، رغم أن هناك قضايا أخرى لم تأخذ حقها حتى الآن من الاهتمام الواجب، ففي منطقة «البيكانور» وهي منطقة إطلاق صواريخ فضائية، نعاني من قضية التلوث بفضلات الصواريخ لأن الوقود المستخدم منها ضار جدًّا. وتقول الدكتورة «أوماروفنا» مساعدة رئيس معهد طب الأطفال في ألما آتا: إن المعلومات المتعلقة بمجموعة الصناعات الحربية وعملها في مجال تأثير الإشعاع على البيئة، بالإضافة إلى المعلومات المتعلقة بالطب النووي غير متداولة لدينا، وكانت محظورة عن النشر، وبالتالي لم تُتخذ الإجراءات الصحية والإنسانية المناسبة. وتضيف الطبيبة أن 200 طفل يموتون سنويًّا متأثرين بمرض سرطان الدم الناتج عن الإشعاعات النووية، وأن برنامج العلاج السوفيتي متخلف جدًّا، ونسبة نجاحه في حدود 10% في حين أن نسبة نجاح البرنامج الألماني مثلًا 80%. وتقول الطبيبة «أوماروفنا» أن مستشفيات كازاخستان تعاني من نقص شديد في الأدوية والمعدات الطبية، وأن علاج الطفل الواحد في خارج كازاخستان يتكلف في حدود 70 ألف دولار، لذلك فمن الأفضل إقامة مؤسسة علاجية متقدمة في كازاخستان نفسها، تستخدم البرامج الغربية المتقدمة في العلاج. ومن ناحية أخرى وفي شهر أغسطس من العام الفائت أصدر رئيس الجمهورية الكازاخية أمرًا نهائيًّا بإغلاق مناطق المفاعلات والتجارب النووية، وذلك بعد جهود مكثفة بذلتها الحركة العالمية ضد التجارب النووية «نيفادا سيميبلا تيسنك» التي تكونت أخيرًا في كازاخستان، وتتخذ من ألما آتا العاصمة مقرًّا لها. وترى هذه الحركة أنه لحل المشاكل البيئية العامة التي تسبب لها النظام العقائدي السابق «الشيوعي» لا بد من إيجاد فكر اجتماعي اقتصادي جديد، والعمل على بعث العادات والتقاليد القومية التي تخص شعب كازاخستان، وكذلك ترسيخ الديمقراطية.

كما تعمل الحركة على إيجاد مجالس متخصصة في العلم والثقافة والاقتصاد لتوحيد القدرات الإبداعية للمثقفين والخبراء في جميع الاختصاصات المتعلقة بالإنتاج الوطني.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل