العنوان السبب الظاهر العلاقة مع ليبيا، والحقيقي موقف مصر من أسلحة «إسرائيل» النووية اللوبي الصهيوني يدير الحملة الصحفية الأمريكية ضد مصر
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994
مشاهدات 64
نشر في العدد 1129
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 13-ديسمبر-1994
تسعى الحكومة المصرية إلى تطويق أية آثار سلبية على صورتها في الولايات المتحدة من جراء الحملة التي شنت ضدها في الصحافة الأمريكية التي تناولت قضايا الفساد المالي والصفقات التجارية التي يعقدها أشخاص متنفذون في مصر مع مسئولين ليبيين تعتبرها الإدارة الأمريكية انتهاكًا للعقوبات المفروضة ضد ليبيا، وتشير المعلومات المتداولة في واشنطن إلى أن الخلاف بين الولايات المتحدة ومصر بدأ يبرز بعد أن فقدت مصر وضعية الدولة العربية الوحيدة التي ترتبط مع إسرائيل باتفاقية صلح وسلام، وأن الموضوع الظاهر للخلاف الذي يطفو على السطح هو علاقة مصر مع ليبيا وتبني القاهرة الدفاع عن ليبيا في كافة المحافل إلى حد أن تصعيد الخلاف يحمل في طياته مخاوف أن يؤدي إلى التأثير سلبًا على المساعدات الأمريكية لمصر التي تبلغ سنويا ۲۰۱ مليار دولار، التي كانت مصر بدأت تلقيها منذ 11 عاما إسوة بـ «إسرائيل» التي تتلقى في الوقت نفسه مليارات دولار سنويًا، وكان الكونجرس الأمريكي أقر المساعدة لمصر وإسرائيل في قانون واحد
اللوبي اليهودي وحرب دائمة على الدول العربية
غير أن مصادر مطلعة في واشنطن تعتقد أن الحملة الصحفية لم تكن سوى إحدى أدوات اللوبي الإسرائيلي في الضغط على مصر للتراجع عن موقفها المتصلب الذي يطالب بضرورة أن توقع إسرائيل على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي سيحين موعد تجديدها في إبريل عام ۱۹۹٥م، والتحذير من أن رفض إسرائيل القيام بذلك من شأنه أن يدفع دولًا أخرى في المنطقة إلى الانسحاب من تلك المعاهدة، وتشير هذه المصادر إلى أن الحملة الصحفية بدأت مع تقرير نشرته مجلة «يو إس نيوز» عن زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون للقاهرة، علمًا أن المعلومات المتوفرة لمراسلنا تقول: إن التقرير كان بحوزة المجلة قبل ثلاثة أشهر من تاريخ نشره، إضافة إلى أن المجلة نفسها معروفة بصلاتها الوثيقة مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد» ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي أي إيه» أما جيم هو غلاند فهو صحفي يهودي أمريكي معروف بصلاته القوية مع اللوبي الإسرائيلي بواشنطن، وكان المقال الثالث في هذه الحملة ما نشر في صحيفة «کریستیان ساینس مونيتور» يوم التاسع من شهر نوفمبر الماضي.
استياء وضغط إسرائيلي
وكانت دراسة نشرت في شهر سبتمبر الماضي من قِبَل مركز الدراسات الاستراتيجية «بيسا» في جامعة بار - إيلان الإسرائيلية في رامات غان بفلسطين المحتلة تنبأت بأن «إسرائيل» ستواجه ضغطًا سياسيًا متزايدًا للتوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي تحظى بتوقيع نحو ١٦٠ دولة عليها، غير أن «إسرائيل» التي تتذرع بأن بعض الدول لم توقع على تلك المعاهدة مثل الهند وباكستان فإنها ذكرت أنها تريد في المرحلة الأولى إنجاز سلام شامل في الشرق الأوسط، ثم تكون المرحلة التالية استعداد إسرائيل لتجريد المنطقة من الأسلحة النووية»
وقد تسائل بعض الإسرائيليين عن الدوافع المصرية وراء إصرار القاهرة على موضوع المعاهدة، مشيرين إلى تحويل المؤسسة العسكرية والإمكانيات العسكرية الكبيرة لمصر، وقد سبق لرئيس لجنة الشئون الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي أوري أور أن ذكر يوم السادس من أكتوبر الماضي أنه من المستحيل التحدث فقط حول نوع واحد من السلاح دون الحديث عن الجيش المصري الذي يتم زيادته بشكل كبير، عندما يكون هناك سلام مع كافة دول المنطقة، عندها سوف يكون من الممكن الحديث حول مسألة المعاهدة، ويقول بعض الخبراء في سياسة إسرائيل العسكرية بأن مسألة المعاهدة قد تسفر عن نزاع دبلوماسي بين سياسات «إسرائيل» والولايات المتحدة، وقال أور: إن لدى الولايات المتحدة سذاجة معينة، مضيفًا بأنه «إذا لم تأخذ بعين الاعتبار سبب الصراع والحرب، فإنه لا يمكنك تدمير المعدات».
تنسيق أدوار
وفيما يبدو أنه تنسيق في الأدوار، إذ بينما تنشر الصحافة الأمريكية أن الخلاف بين الإدارة الأمريكية ومصر هو حول العلاقة مع ليبيا، فإن الصحافة الإسرائيلية تتناول موضوع مشاكل «إسرائيل» مع مصر، فقد نشرت صحيفة «هآرتس» يوم الحادي عشر من نوفمبر الماضي مقالا حول ما تصفه بالبرودة المصرية تجاه إسرائيل، تطرقت فيه إلى استياء إسرائيل من الضغوط التي تمارسها مصر على «إسرائيل» لتوقيع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وأن الموقف المصري هذا يجبر سوريا على زيادة مطالبها في المفاوضات، وقالت الصحيفة بأنه ينبغي على عزرا وایزمان، ورابين، وشمعون بيريز أن يشرحوا «للرئيس» مبارك بأنه إلى أن تقوم الدول العربية ليس فقط على صعيد الحكومات بل على صعيد الشعوب العربية بقبول السلام مع «إسرائيل»، فإن إسرائيل، لن تخفض رفضها تسليم خيارها النووي وأضافت الصحيفة بأنه «ينبغي على مصر أن تفهم ذلك بنفسها»، أما صحيفة «جيروزاليم بوست» فقد ذكرت في تقرير لها يوم الخامس والعشرين من نوفمبر الماضي أن أكبر مشكلة ل«إسرائيل» مع مصر هي معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
وتعزيزًا لهذا الرأي فإن المصادر تشير إلى التحركات الأمريكية الأخيرة لاحتواء الأزمة، وفي هذا الصدد تشير إلى قيام نائب مدير الوكالة الأمريكية لنزع السلاح «توماس جراهام» إلى القاهرة في أواخر شهر نوفمبر الماضي لإقناع مصر بوقف تصعيد الموقف مع إسرائيل، فيما يتعلق بحظر انتشار الأسلحة النووية كما ذكر بأن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «جيمس وولسي»، قام هو الآخر بزيارة للقاهرة لهذا الشأن، فيما ذكر أن رئيس الأركان الأمريكي الجنرال جون شاليكاشفيلي زار القاهرة يوم الثاني من شهر ديسمبر الجاري، وقد تزامنت زيارات المسئولين الأمريكيين مع الحملة المضادة التي شنتها الصحافة المصرية المناهضة للضغوط الأمريكية باستخدام موضوع المساعدات الاقتصادية والعسكرية لإرغام مصر على تغيير مواقفها الحالية تجاه السياسة الخارجية.
التهديد الجمهوري
غير أن مصادر مطلعة في الإدارة الأمريكية لا تستبعد أن يعمد الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون في دورته الـ ١٠٤ التي ستبدأ أشغالها في شهر يناير المقبل إلى عقد جلسة استماع للنظر في برنامج المساعدات الأجنبية لبعض الدول، ومن بينها مصر، خاصة وأن الجمهوريين كانوا هددوا بإجراء تخفيضات كبيرة في برنامج المساعدات الخارجية في سياق جدول أعمال جديد للسياسة الخارجية في الشرق الأوسط، وسوف يستغل الجمهوريين لتحقيق ذلك أن برنامج المساعدات الخارجية لا يحظى بدعم الرأي العام الأمريكي.
وقد برزت مخاوف القاهرة فيما يتعلق بالمساعدة الأمريكية عندما أثار الرئيس المتوقع للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي جيسي هيلمز ذلك الموضوع عندما وصف مصر بأنها «حليف متردد وغير أمن» موضحًا بأن إسرائيل تعتبر الصديق الحقيقي للولايات المتحدة في المنطقة، ومن المعروف أن هيلمز من أشد أنصار إسرائيل، في مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو ينتمي إلى التيار اليميني المحافظ في الحزب الجمهوري.
محاولة جادة
وفي سياق المساعي المصرية للإبقاء على المساعدات الأمريكية، وتوضيح الموقف المصري من مسألة العلاقة مع ليبيا، فقد حضر إلى واشنطن في أواخر الشهر الماضي أسامة الباز - المستشار السياسي للرئيس المصري حسني مبارك حيث التقى مع المعلق الصحفي الأمريكي المعروف جيم هو جلاند الذي كان كتب مقالا في صحيفة «واشنطن بوست» يوم الثالث من شهر نوفمبر الماضي ضمنه المعلومات المتداولة حول ضلوع أبناء الرئيس حسني مبارك في صفقات تجارية ومشاريع مشتركة مع سيف الإسلام ابن الزعيم الليبي معمر القذافي، وتقول مصادر مطلعة على ما دار في الاجتماع أن الباز أراد أن يستفهم من هو جلاند حول مصدر المعلومات التي تضمنها المقال مؤكدا أنها عارية عن الصحة، وقد رد هو جلاند بالقول: إنه على استعداد الكتابة عكس ما كتبه في مقاله السابق، إذا ما وفرت السلطات المصرية معلومات صحيحة تفيد عكس ما جاء في مقاله.
وكان الباز شارك في ندوة عقدت في الأسبوع الثالث من الشهر الماضي في أسبن بولاية كولورادو الأمريكية حول العلاقات الاقتصادية السياسية بين الدول العربية و«إسرائيل» نظمها مجلس العلاقات الخارجية - الذي كان أحد منظمي المؤتمر الاقتصادي حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الدار البيضاء الشهر الماضي - شاركت فيها شخصيات سياسية عربية رسمية تمثل كافة الدول العربية ما عدا سوريا ولبنان، كما شارك فيها وفد رسمي إسرائيلي برئاسة نائب وزير الخارجية يوسي بيلين.
وقد اجتمع الباز في واشنطن مع كل من مدير قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي والمنسق الأمريكي الخاص لعملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي دينيس روس، حيث أكد للمسئولين الأمريكيين أن سياسة مصر فيما يتعلق بليبيا هي مراقبة وتعزيز العقوبات التي تفرضها قرارت الأمم المتحدةوأن مصر تحاول مساعدة الأطراف بأولوية واحدة للتوصل إلى تفاهم حول كيف يمكن تحقيق الامتثال القرارات الأمم المتحدة، وكان الخلاف مع مصر حول العقوبات ضد ليبيا تمت إثارته في أعقاب اتهامات وجهها مسئولون أمريكيون لمصر بأنها تسمح بشحن قطع غيار للطائرات، مما يعتبر انتهاكا للمقويات التي يفرضها مجلس الأمن ضد ليبيا.
وقال الباز: إن الحكومة المصرية أجرت تحقيقات ووجدت أن واحدة من الشركات التي ذكرت الولايات المتحدة أن اسمها أي دي أي «ADA» ليست موجودة، أما الشركة الأخرى التي ذكرت واشنطن أن اسمها شركة سمان، فإنها شحنت إلى ليبيا عددًا من الحاويات، ولكن تم ذلك عبر بلد آخر وليس هناك دليل على أنها كانت تحتوي على قطع غيار للطائرات، وأكد الباز على أن لا مصلحة لمصر في أن تنتهك العقوبات.
تأكيدات رسمية
مجلة أمريكية معروفة بصلاتها الوثيقة مع جهاز الاستخبارات الصهيوني "الموساد" ووكالة المخابرات المركزية «سي اي ايه» تقود الحملة الصحفية ضد مصر
وقد تلقى الباز تأكيدات من المسئولين الأمريكيين أن واشنطن ستواصل اعتبار مصر حليفًا أساسيًا يعتبر استمرار المساعدة له مسألة مهمة، ليس بسبب دور مصر في عملية التسوية العربية الإسرائيلية، ولكن بسبب أن الاستقرار في مصر الذي تهدده ما يصفه أولئك المسئولون بأنه موجة العنف والتطرف الإسلامي هو أمر حيوي لاستقرار المنطقة بكاملها، وأكد المسئولون الأمريكيون أن إدارة الرئيس بيل كلينتون سوف تقدم للكونجرس العام المقبل مشروع قانون المساعدات الأجنبية للعام ۱۹۹٦م، الذي سيتضمن حصة مصر البالغة ٢,١ مليار دولار، غير أن هذا لا يعني أن الأمر سوف يقف عند ذلك، حيث أن الأمر متروك للكونجرس تقرير ذلك، وقد يستخدم هيلمز علاقة مصر مع العقيد معمر القذافي مبررًا مناسبًا إن لم يكن لوقف المعونة بالكامل فليس أقل من تخفيضها، ويعتقد بأن الكونجرس سوف يلجأ لفك الإرتباط بين المساعدات الأمريكية لمصر ول «إسرائيل» بإدخال تعديل على القانون الخاص بتلك المساعدات يقضي بالفصل بينهما، ولذلك أبلغ المسئولون الأمريكيون الحكومة المصرية أنها لا تستطيع مواصلة غض النظر عما يقال بأنه تجاوزات مصرية للعقوبات ضد ليبيا، بالرغم من الدور المصري الهادف إلى احتواء العقيد القذافي، وذلك لدفع الحكومة المصرية إلى انتهاج سياسة بهذا الشان تكون مقبولة للكونجرس، قبل بدا أشغاله الشهر المقبل.وتعد عائلات ضحايا طائرة البان أمريكان التي انفجرت فوق لوكربي في ديسمبر عام ١٩٨٨م، لحملة ضغط على الكونجرس الجديد لربط المعونة لمصر بوقف العلاقة بين مصر وليبيا، وقد كشف عن ذلك رسالة وجهها المتحدث باسم لجنة عائلات الضحايا دانيالوسوزان كوهين إلى السفير المصري في واشنطن أحمد ماهر السيد يوم الثامن والعشرين من شهر نوفمبر الماضي.
جيمسي ولسيرئيس «سي اى ايه»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل