العنوان في ضوء انتفاضة البربر في الجزائر.. الأمازيغيون المغاربة بين الترقب والتصعيد
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 25-أغسطس-2001
مشاهدات 71
نشر في العدد 1465
نشر في الصفحة 36
السبت 25-أغسطس-2001
ذات يوم صرح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قائلًا: أعرف أن المغرب والجزائر لن يغيرا مكانهما. وقد قصد بوتفليقة أن البلدين محكومان بالجوار وبقوة الحقائق الجغرافية القائمة بينهما، لكن الذي لم يفصح عنه هو ما إذا كانت الحقائق التاريخية التي تجمع البلدين أقوى من الخصوصية السياسية الداخلية لكل بلد. فهذه الحقائق الثابتة تجعل العدوى بين البلدين أمرا واردًا باستمرار، وهو ما جعل العلاقات بينهما تتميز دومًا بالشك والارتياب والترقب والحذر.
لذلك يبدو تعاطي الأمازيغيين المغاربة - ممثلين في التيارات السياسية والجمعيات وليس في عموم المواطنين البعيدين عن «النخبة» البربرية - مع أحداث القبائل الجزائرية طبيعيًا ومنتظرًا. فقد نشأت الحركة السياسية الأمازيغية في المغرب في أعقاب نشأة نظيرتها الجزائرية في الستينيات وظلت العلاقات العاطفية والروحية والثقافية بين الاثنتين قائمة في السنوات اللاحقة، واتخذت طابع التنسيق المباشر مع تأسيس الكونجرس الأمازيغي العالمي في بداية التسعينيات في القرن الماضي لإعطاء المطالب الأمازيغية في المنطقة بعدًا دوليًا.
ترقب وترقب مضاد:
منذ اندلاع انتفاضة منطقة القبائل في الجزائر على الحدود الشرقية مع المغرب، دخلت الحكومة المغربية في حالة من الترقب والتوقع يمكن أن تسفر عنه الأحداث الدموية، ولما يمكن أن تقدمه الدولة الجزائرية من تنازلات ومكاسب لصالح الدعوة الأمازيغية، إذ إن مثل هذه التنازلات قد يجعل المغرب في موقف بالغ الحرج والخطورة، خصوصًا وأن المطالب على الجانبين متماثلة، تتمثل في المطالبة بـ «دسترة اللغة الأمازيغية إلى جانب العربية كلغتين رسميتين في البلدين، وإيلاء المناطق التي يقطنها البربر اهتمامًا حكوميًا يرفع من وضعها الاقتصادي والاجتماعي، والاعتراف بالأحزاب ذات الهوية الأمازيغية، وسوى ذلك.
ولأول مرة يعلن مثقفون وسياسيون مغاربة أن هناك خطرًا حقيقيًا يتهدد وحدة البلاد بسبب النزعة الأمازيغية، ولم يخف بعضهم مخاوفهم من انتقال العدوى الجزائرية إلى الداخل واندلاع انتفاضة يقودها من لهم رغبة في تحريك الشارع لفرض وجوده على الساحة السياسية.
أما دعاة النزعة الأمازيغية المغربية فقد عبروا عن كامل تضامنهم مع البرير الجزائريين عبر التظاهر في الشارع وكتابة المقالات المحرضة ووجد البعض في ذلك فرصة للنبش في تاريخ المغرب وماضي الحركة الوطنية وجهادها ضد الاستعمار الفرنسي، ولم يكتم آخرون دعوتهم الصريحة إلى طلاق بائن بين العروبة والأمازيغية كنزعة مستقلة وغير ذات مشروعية عربية أو إسلامية، سوى مشروعية الجذور التاريخية.
الأحداث الجزائرية منحت الحركة الأمازيغية المغربية فرصة جديدة للتنفس والتعبير عن الذات وطرح نفسها كطرف ينبغي التفاوض معه، فقد استغلت التخوفات الرسمية من العدوى الجزائرية لتدفع بخطاها ولهجتها للأمام، وتصعد من مواقف النقد، وسادها نوع من الترقب، أملًا في أن تقدم لها أحداث الجزائر نموذجًا يمكن أن يحتذى.
لجنة البيان الأمازيغي:
الحكومة المغربية منعت ما يسمى بـلجنة البيان الأمازيغي من عقد اجتماع لها كان مقررًا في يونيو الماضي بمدينة بوزنيقة قرب الرباط وعللت وزارة الداخلية قرار المنع بعدم قانونية اللجنة المذكورة، واللجنة هي تجمع من الأمازيغيين التف قبل سنة حول بيان أصدره عدد من النشطين في الحركة يسعى إلى تأسيس حزب سیاسي أمازيغي ويطالب بتعديل الدستور للنص على أن الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية. وردا على المنع، أصدر أعضاء اللجنة بيانًا نعتوا فيه الأحزاب المغربية بكافة ألوانها بالأحزاب التقليدية والمعادية للديمقراطية والحداثة وأنها تشعر بالضيق من وجود الحركة الأمازيغية؛ لأن هذه الأخيرة حسب البيان تحارب الأيديولوجية العروبية الإسلامية التي تبرر الامتيازات والفوارق والفقر والبؤس!!، وأكد البيان ضرورة محاربة الأيديولوجية العروبية الإسلاموية، كما نعتها، لأنها أيديولوجية رجعية تحول دون التنمية الاقتصادية وتمنع تطور الشعب وتعتبر باقي العالم عدوا لها وأكد البيان على استمرار (لجنة البيان الأمازيغي) في معركتها المشروعة من أجل الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب، وأنهم ليسوا مسؤولين عن تذمر الشعب، وقد فهم من العبارة الأخيرة أن السيناريو الجزائري لم يعد مستحيلًا تكراره في المغرب.
قانون جديد للأحزاب:
تزامنت تطورات الوضع في الجزائر، وفي ملف الحركة الأمازيغية المغربية التي انتقلت إلى مرحلة التفكير في بناء هيكل سياسي يؤطر ناشطيها، مع تحضير الحكومة لمشروع قانون للأحزاب السياسية ومن جملة ما فيه منع السماح بتأسيس أحزاب على أسس دينية أو إثنية، والمقصود بذلك الإسلاميون والأمازيغيون وفور الكشف عن الخطوط العريضة والعامة للمشروع، بادرت الحركة الأمازيغية التي يصل عدد الجمعيات الممثلة لها نحو ۲۰۰ جمعية إلى إدانته ورفضه.
وفي حال المصادقة النهائية على المشروع، لن يبقى أمام الأمازيغيين سوى الانخراط في الأحزاب الموجودة والعمل من داخلها، أو الاكتفاء بالاشتغال في إطار جمعيات مدنية وثقافية ولكن السيناريو الثالث قد يكون حاملًا بذور فتنة عامة وهو دخول الأمازيغيين في لعبة شد الحبل لنيل حق تأسيس أحزاب أمازيغية، لكن هذا السيناريو مرتبط بأمرين: الأول: النتائج السياسية التي قد يكسبها الأمازيغيون في الجزائر، فعلى ضوء مستقبل الأمازيغيين فيها سيتحدد مستقبل نظرائهم المغاربة، والأمر الثاني الطريقة التي سيحدد بها الإسلاميون - وخاصة في جماعة العدل والإحسان - استراتيجيتهم للتعامل مع القانون، لكسب حق تأسيس أحزاب إسلامية.