; تطبيق الشريعة بين التعجل والتدرج | مجلة المجتمع

العنوان تطبيق الشريعة بين التعجل والتدرج

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1994

مشاهدات 67

نشر في العدد 1102

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 07-يونيو-1994

لا يجادل مسلم في أن تطبيق الشريعة الإسلامية فرض لازم، ورفض ذلك ليس إلا جحودًا لحكم الله القائل: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47)، ولكن فئات متعددة تخشى من التطبيق الفوري، ومن ثم يقبل المخلصون عدم التعجل في التطبيق مع الالتزام بالأحكام كلها.

فالإسلام قد جعل الحدود بمثابة حماية لنظام اجتماعي واقتصادي وسياسي، وقبل أن تقوم هذه النظم متكاملة، فلا مجال لوضع الحراسة والحماية على دار لم يتم بناؤها.

والإسلام أمر بنظام وقاية للجريمة قبل أن تقع؛ فيوفر أسباب العفة حتى يعصم الرجل من الانحراف، ويوفر أسباب العيش الكريم ليحمي الإنسان من السرقة، فالحدود نظام جلد وقتل وقطع للأيدي بغير حساب.

إن الضمانات التي تحاط بالبيِّنة الشرعية لإثبات الفاحشة المبينة وكذا الشبهات التي تدرأ الحد عن السارق، كل ذلك يجعل التعجل في الحدود إما أن يؤدي إلى أخذ الناس بالشبهات، وهذا يسيء إلى الإسلام، ويؤلب المتخاصمين عليه؛ لينهالوا على هذا النظام تحريفًا وتسفيهًا حتى يسقطوه، كما حدث في بلاد تعجلت في التطبيق دون أن تهيئ المجتمع لأسباب التطبيق.

وإما أن يؤدي عدم اكتمال البينات، وكذا الشبهات إلى إفلات الزاني والسارق، وهذا سيحمي المنحرفين، فتصبح الحدود شكلًا بلا مضمون ودعاية فقط.

لقد تعجل السودان برئاسة نميري في التطبيق، فكانت النتيجة أن الذي خلع النميري أحد القادة العسكريين الإسلاميين، وهو المشير سوار الذهب، وأسرع ضياء الحق في باكستان في الإعلان عن تطبيق الشريعة في وقت كان يطالب أن يفي بوعده في إجراء الانتخابات، وكان الإعلان عن تطبيق الشريعة يحمي السلطة العسكرية المتهمة بالحكم الدكتاتوري.

وهكذا شرعت باكستان عام 1983م بتطبيق الحدود الشرعية، وكأنها هي الشريعة دون أن تهييء أسباب التطبيق السليم من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية.

والجدير بالذكر أن الحدود وسائر التشريعات لا تطبق على مجتمع إسلامي لیست له دولة، ولهذا لم ينزل بها القرآن الكريم في مكة؛ حيث لا توجد للمسلمين دولة، بل إنه حتى بعد أن أقيمت الدولة في المدينة المنورة لم يبدأ التشريع المدني بالحدود، على الرغم من أن المجتمع كان مجتمعًا إيمانيًا اكتمل إيمانه في الفترة المكية وهي ثلاثة عشر عامًا، وتدرج التطبيق لعدة سنوات.

فالإسلام يوجه أحكامه وتشريعاته إلى مجتمع مؤمن، ومن ثم سينزل على حكم الله ويلتزم به، ففي جريمة الزنا إذا لم يتوفر الشهود فالقرآن يلجأ إلى اللعان، وهذا قائم على الضمير قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (النور: 6-9).

وفي المعاملات إذا لم يوجد لدى المدعي بينة يوجه اليمين إلى المدعى عليه، وهذا لإفتراض أنه يخاف الله كما قال صلى الله عليه وسلم...

والقسامة وهي أن يقسم خمسون شخصًا في المدينة التي وقعت فيها جريمة القتل ولم يعرف القاتل، فإذا أقسموا جميعًا بعدم معرفته استحقت الدية الشرعية من بيت مال المسلمين، وهذا التشريع يفترض خشية هؤلاء من الله.

إن حكم الشريعة عبارة متسعة يحسن- حتى تنتقل من مجال النظرية إلى مجال التطبيق- تحديد مقصودها ومضمونها، خاصة وأن هناك اختلافات في أمور فرعية أصبحت محل جدال عنيف وآراء متعددة، مثل: مسألة النقاب، والموسيقى، والأغاني وغيرها، لذا يجب الاتفاق على تصور محدد للمقصود بالشريعة، والانتهاء إلى رأي موحد في هذه الأمور منعًا من إثارة المشاكل مستقبلًا، وكل يدعي أنه يطالب بتطبيق الشريعة الصحيحة، وأن ما عداه ليس على الحق المبين، وفي هذا المجال يحسن تحديد: هل العبرة بالالتزام بمذهب من مذاهب الأئمة الأربعة أو غيرهم أو الأخذ بأصح الآراء وأسلمها من أي مذهب كان، طالما كان له سنده الفقهي الذي يعتد به؟

والشريعة يجب أن تتناول تصور نظام الحكم الذي يرضاه الإسلام، وأجهزة الحكم، ونظام الشورى، والنظم المالية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع، وذلك حتى يتحقق للتطبيق المنشود الشمول والتوافق، ونكون بصدد الإيمان بالكتاب كله لا ببعضه.

فعلى سبيل المثال إن شكل الحكم ليس غاية في ذاته، فالعبرة بمدى التزامه بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذه ليست الحدود فقط، فالحدود حراسة لنظام كامل، وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أقاموا الدين».

فكم من نظام يعلن أنه ديمقراطي وشوري، ويكشف الواقع على أنه نظام استبدادي يطبق مقولة فرعون الواردة في القرآن الكريم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 29).

نأمل أن يدرك ذلك دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وبالله وحده نعتصم ونتأيد.

الرابط المختصر :