; المجتمع الثقافي(1189) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي(1189)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996

مشاهدات 62

نشر في العدد 1189

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 20-فبراير-1996

إعداد: مبارك عبدالله

ومضة

كل عامل ينتظر جزاء عمله، وكل سائر يريد الوصول إلى غايته، وكل طامح يسعى لتحقيق طموحه، فإذا تعثر في السعي أو أبطأ في المسير أو أخطأ في اختيار الوسيلة الموصلة، فلا يلومن إلا نفسه.. هذا هو منطق السنن التي تحكم حركة الإنسان، وتشكل الناموس الذي يتعامل معه راغبًا أو راغمًا.

فما هو منطق الإنسان الذي يدور في فلك الشريعة، ويحتكم إلى قيمها وقوانينها ويعمل على نشر مبادئها وتطبيق أحكامها؟ 

الإجابة عن هذا التساؤل ذات شقين الأول: من حيث كونه إنسانًا تنطبق عليه مقررات السنن ولا يستطيع الإفلات من هيمنتها وسلطانها فهو خاضع حتمًا لقانون الأسباب والمسببات وعلاقة النتائج بالمقدمات، أما الثاني: من حيث كونه مؤمنًا يحظى ببعض الاستثناءات التي لا يتمتع بها غيره، وهذه الاستثناءات وثيقة الصلة بالفضل والعطاء المضاعف الذي يخص الله به عباده الصالحين، ويجود به عليهم فضلًا ومنًا وكرمًا. 

مثال ذلك أن الإنسان عندما يسعى ولا يحقق النتيجة المرجوة يحس بالإحباط ويستولى عليه اليأس، وقد يؤدي به إلى الجنون أو الهلوسة أو الانتحار على حسب الجهد وبمقدار الأمل الذي كان يرجوه.

أما المؤمن فإن لم يتحقق له ما أراد.. يبقى موعودًا بتحقيقه، وإن غلب على ظنه أنه لن يراه في الدنيا، فإنه على ثقة كبيرة من لقياه في الآخرة علمًا بأن المؤمن في كثير من الحالات يحظى بالحسنيين معًا، انظر إلى هذا الصائم كيف يجني ثمرة عبادته مرتين إحداهما فرحته بفطره، والتي تتجلى بأبهى صورها في فرحة العيد وبهجته، وثانيتهما فرحته عند لقاء ربه.

إلا أن الصائم لا يخرج عن دائرة السنن، حيث تتناسب فرحته طردًا مع حجم ما حققه من هدف الصوم الأول وهو التقوى.. ألا ترى الفرق بين فرحة المتقين بالعيد، وفرحة اللاهين الغافلين.

همسًا في أذن القذافي: (7 من 8)

الانهزامية والهروب إلى جهنم

بقلم الدكتور جابر قميحة (.)

• قصص القذافي مخنوقة بالأنا والشعور الحاد بالفوقية

رسم الكاتب معمر محمد عبد السلام «أبو منيار القذافي» في أول نص من نصوص كتابه صورة «سيكيوباتية» ممسوخة نتنة للمدينة، وهو يرى أن أحكامه تصدق - لا على مدينة معينة - بل كل مدينة في العالم، وهذه الصورة تشبه إلى حد بعيد الصورة التي رسمها الفارابي لما سماه »بالمدينة المضادة»، وهي المدينة التي تقف على طرف نقيض «للمدينة الفاضلة».

أما صورة المدينة الفاضلة فنجدها عند القذافي في «القرية»، لا قرية معينة ولكن أى قرية، ولكل قرية في العالم، إن القرية في المنظور القذافي:

«ليس فيها قمع وزجر وضغط عكسي، بل هناك تشجيع، وتمجيد بالانطلاق والظهور إلى النور.. لا شوارع (!!)، لا قاذورات لا مجهولون...» «ص 17 – 18».

«وليس في القرية كسل وكساد وسأم وملل وتثاؤب» «ص 23»، «وليس في القرية سرقات حيث التكافل الاجتماعي يسد حاجة المعوزين، ويكفيهم السؤال والسرقة...» «ص 24».

«وأهل القرية لا يعانون من عذاب التعقيد والتوتر واللهث وراء المثيرات، لذلك كانت حياتهم

هادئة وهنيئة« «ص 25».

«وحياتهم يحكمها الضمير، كما أن المُثُل هي مصدر الإلزام الخلقي، وليس الخوف من الشرطي والقانون والحبس والغرامة...» «ص 27».

ومرة أخرى نسأل القذافي: أين تقع هذه القرية من خريطة العالم؟ 

ولا ينقذنا من هذه الحيرة إلا أول سطر في «التقريظ النقدي» الذي ذيل به أحمد الفقيه «مجموعة القذافي»، إذ يقول بالحرف الواحد «القائد معمر القذافي حالم كبير» (1).

نعم ففي الأحلام متسع رحيب لما نفتقده - بل نفقده - في واقع الحياة، وهذا «التوصيف اليوتوبي» للقرية قائم على إفتراضية «الثبوت» وتوقف التطور، وهو ما ترفضه القواعد الاجتماعية ونواميس الحياة، وقد تنبه إلى ذلك الأستاذ أمين الخازن- على إسرافه في »تلميع» أعمال القذافي، فهو يقرر أن «المدينة لم تكن جحيمًا في يوم من الأيام إلى هذا الحد.. كما أن القرية- أيضًا- لا تبقى بالصورة العفوية التي صورها الكاتب، فالقرية.. أية قرية تتحول مع الزمن إلى مدينة، ويكتسب أهلها سلوك المدينة، فليس هناك تفاضل بين الناس، بل هناك واقع يؤثر في سلوك الناس ويحدد مداركهم ومواقفهم» (2).

الأرض الأرض..

جميل جدًا أن يتحمس الكاتب للأرض، ويدعو إلى إحيائها والإبقاء عليها، وجميل جدًا أن يوجه إلى الناس هذا الحديث عن الأرض.. «لا تعقوا أمكم، لا تقطع شعر رأس أمك، ولا تقطع أصابعها، أو تمزق لحمها، أو تجرح جسمها، فقط قلم أظفارها، ونظف جسدها من الأوساخ والأدران، وداوها من الأمراض...» «ص 32».

ولكن المرفوض عقلًا ودينًا أن تأتي حماسة القذافي للأرض والقرية على حساب المضامين القرآنية، وتحميل آيات القرآن ما لا تحتمل، ومن ذلك إصراره على أن القسم بمظاهر الطبيعة كالشمس والضحى والفجر والقمر والليل والنهار.. جاء خاصًا بالقرية، وهذا ما لم يقل به أحد من المفسرين، ولن يقول به أحد، فمن الصعب على المسلم - بل من المستحيل - أن يصدق أن الله - سبحانه وتعالى - حينما يقول ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْر﴾ (سورة الفجر آيات 1-2).. إنما يقسم بفجر القرية، لا فجر المدينة، بكل هذه المظاهر نعم وآيات تدل على عظمة الخالق، ونحن جميعًا مطالبون بالإيمان بدلالتها، يستوى في ذلك المدني والقروي، وهي أيضًا مواقيت وضعها الله للناس كي ينظموا بها حياتهم أيامًا وشهورًا ومواسم وسنين وفرائض، يستوي في ذلك سكان القرى وسكان المدن، ولله في خلقه شئون.

رائد الفضاء.. ومنظومة السذاجة

وفي نص «انتحار رائد الفضاء» «ص 37 – 40» أراد الكاتب العقيد أن يصور أزمة الحضارة التقنية الحديثة التي تسير حاليًا في طريق معكوس، فهي تهتم بالبعيد، وتترك القريب، وتحاول أن تكتشف خفايا الفضاء، وهي لم تكتشف أسرار الأرض، بل خفايا الإنسان.

هذا ما أراده الكاتب، وهو طموح نبيل، ولكن «التنفيذ» لم يرق إلى مستوى الطموح، فعالج الكاتب معمر هذه القضية علاجًا مسطحًا غير مقنع في أسلوب حكائي يعتمد على «الحدث المفرد البسيط»، فرائد الفضاء انتهى من مهمته، وعاد إلى الأرض، وأراد أن يجد عملًا يقتات منه في النجارة أو الحدادة، أو النقاشة أو السمكرة، ولكنه عجز عن الحصول على عمل من هذه الأعمال، لأنه لا يتقن واحدًا منها.

فنزل على أحد الفلاحين يطلب عملًا في مزرعته، وسأله الفلاح: هل تجذبك الأرض يا بني؟ فانطلق رائد الفضاء يحدثه عن «جاذبية الأرض وحجمها، ومكانها بين الكواكب، وبعدها عن الشمس والقمر».. إلى آخر منظومة المعلومات التي يتقنها، وهذه المعلومات - كما هو معروف - لا تهم الفلاح، ولا يمكن أن ينتفع بها في زراعة أرضه، بل إنه لم يفهم منها شيئًا، ومن ثم لم يوفر عملًا لرائد الفضاء.

وتنتهي الحكاية فجأة بانتحار رائد الفضاء «بعد أن أيس من الحصول على عمل يعيش به فوق الأرض» «ص 40»، وهذه النهاية - وهي ما يمكن أن نسميها مع التسامح - بلحظة التنوير (3) - جاءت حلًا عبثيًا عدميًا نتيجة اليأس الوجودي المفاجئ، والانتحار كحل لا يتفق مع ديننا وقيمنا، والنهاية يجب أن تكون نتيجة طبيعية غير مفتعلة لمعطيات السرد، والعناصر الفكرية والفنية السابقة، ولكن انتهاء حياة رائد الفضاء بهذه الصورة جاء حلًا غير مقنع، ولا يخدم الهادفية التي حرص عليها الكاتب.

فالمعروف أن رواد الفضاء تختارهم حكوماتهم من أصحاب الكفاءات العالية والقدرات الفائقة في العلوم الهندسية والتقنيات العلمية المتقدمة، ومن ثم يستطيع مثل هذا الرائد العالم الحصول على أي عمل في الأرض في مجال تخصصه الأصلي، أو ما دون هذا التخصص، فالذي يؤدي الأكبر كان على ما دونه أقدر.

ثم هل قام هذا الرائد برحلته الفضائية العلمية على سفينة فضاء خاصة، حتى لا يجد قوته بعد عودته من رحلته؟

ثم ألا يستطيع هذا الرائد - ذو اللياقة البدنية العالية - أن يؤدي من أعمال الفلاحة «حدها الأدنى» الذي لا يحتاج إلى تخصص زراعي، كعزق الأرض أو حرثها، أو حتى حمل السباخ ورش المبيدات الحشرية؟

وكان أمام الكاتب مجال طيب لإنماء شخصية رائد الفضاء التي ظهرت من البداية إلى النهاية «مسطحة» متوقفة.. وذلك بتطوير الحدث المفرد بدمج الرائد في العمل الزراعي الشاق ابتداءً من أولى درجاته، فيثري الإنتاج العائد، ويتحقق المغزى الذى حرص الكاتب على تحقيقه، وألح عليه في نصوص سبقت هذا النص ومؤداه: الأرض أولًا.. وقبل كل شيء.

السلوك الانهزامي في الهروب إلى جهنم

وامتدادًا لعقدة كراهية المدينة يقدم القذافي »الفرار إلى جهنم» «ص 41 – 53» وهو في هذا العمل يستخدم أسلوب المونولوج والهجاء للمدينة وسكانها حتى أنه يشبههم بالكلاب: «أنفاسكم تلاحقني كالكلاب، ويسيل لعابها في شوارع مدينتكم» «ص: 48».

ويرى أن الحياة في جهنم أطيب من العيش في المدينة بكثير «ص 51» فمحنته بالمدينة - أو عقدة المدينة- لا حل لها إلا بالفرار إلى جهنم، وجهنم العقيد ليست هي جهنم الموروث الديني ولكن جهنمه «ساكنة تمامًا، وهادئة للغاية، وليس لها لهب، وإن خيم فوقها الدخان والضباب وحجارتها سوداء، ومع ذلك تأوي الحيوانات البرية إليها.. هناك وجد الكاتب أو بطل هذا العمل نفسه، وأحس بوجوده وهويته..» «ص 49 - 50».

ويستخدم القذافي في هذا النص أسلوب المونولوج، والأداء التعبيري فيه أرفع بكثير منه في نصوصه السابقة، ولكن حدة الانفعال جعلت هذا المونولوج ذا نبرة واحدة تنطلق في خط شعوري مستقيم، مما جعل الحركة النفسية- وهي أساس المونولوج - ضئيلة، فحرمت التوثب والتصعيد، لذلك يصعب إلحاق هذا النص بجنس القصة القصيرة، وإن لم يحرم بعض عناصرها.

أما أحمد الفقيه، ففي «نقده التقريظي» الذي ذیل به القذافي كتابه فيرى أن هذا النص استخدم فيه كاتبه «تقنية فنية قصصية متطورة، واستفاد من آخر إنجازات التعبير القصصي، لأن الكاتب العقيد مسكون بهاجس الابتكار والتجديد، والبحث عن بدائل جديدة للصياغات الفنية العتيقة...» «ص 134».

وفي العبارة السابقة ترى الناقد المجامل قد وقع - وبتعبير أدق - قد أوقع نفسه طواعية - في وهم كبير غالط إذ يعتقد أن كل خروج على القديم أو السابق يعد تجديدًا محمودًا، وابتكارًا خلاقًا، وهي قضية تحتاج إلى تفصيل لا يتسع له المقام.

وكيف «استفاد القذافي من آخر إنجازات التعبير القصصي»؟ إن هذا يقتضيه قراءة.. بل دراسة هذه الإنجازات التي تتمثل في عشرات.. بل مئات المجموعات القصصية والكتب التنظيرية، وكذلك الإنجازات التي سبقتها.. وهذا يحتاج إلى تفرغ، أو شبه تفرغ، فأنى يتأتي له ذلك؟ وكيف نوفق بين نقيضين: ما قاله أحمد الفقيه، وما يقوله ناقد آخر هو أمين الخازن الذي يقول بالحرف الواحد: «فنحن لسنا أمام كاتب متفرغ بقدر ما نحن أمام نصوص كتبت في لحظات معينة..» (4).

ويقول كذلك: «... والكاتب القذافي - لا يمارس عمله على أساس التفرغ، ولكنه اقتنص لحظات من وقته عبر فيها عن بعض المشاغل التي شدت انتباهه، وأثارت أسئلته بل وحددت إجاباته.. فالعمل - إذن- استثناء من القاعدة، والحديث عنه يتم بهذه الكيفية...» «ص 15».

الفرار.. والمواجهة.. والطموح

وهذا النص - وإن لم يحرم بعض الطوابع القصصية الفاصلة - لا يبتعد عن فصيل التداعيات الفكرية المتتابعة، والمتداخلة أحيانًا، والخيط الشعوري الذي يربط بينها هو كراهية المدينة والنقمة عليها لمبررات لا أساس لها من الواقع، كما بينا تفصيلًا من قبل.

أما النهاية فهي مفهومة ابتداءً من عنوان النص، وهي تمثل حلًا هروبيًا انهزاميًا هو الهرب إلى جهنم وجهنم اسم علم يدل على مسمى لا يتعداه هو «نار الآخرة»، وربما كان استخدام «النار» أو «الجحيم» أنفى للحرج الذي قد يقع فيه الكاتب بسبب توظيف مسمى من المواريث الدينية في غير موضعه.. على أن عملية الهروب في ذاتها تتعارض مع قيمتين إنسانيتين:

الأولى: الإصرار على مجابهة الصعاب والعقبات والتصدي لها.

والثانية: الطموح الإنساني بالأمل لما هو أرقى وأنقى وأجمل.

ويحاول الناقد أحمد الفقيه - في تعسف واضح - رفض الواقع الإيحائي الانهزامي لهذا العمل فيقول: إن راوي القصة يقصد «بادية سرت بليبيا بعد أن تولتها الثورة التي قادها القذافي، ومسحت بيد الحنان عليها، فأحالتها إلى أرض خضراء، وغرست بها الأشجار وزرعت بها النبات، فأحالتها إلى واحة عامرة بالخضرة والظلال» (5).

وهو كلام يمثل «هروبًا» آخر، ولكن من النقد الجاد، وليتذكر الناقد «الفقيه» أن العنوان هو «الهروب إلى جهنم» وليس «الهروب إلى الجنة» التي تتمثل في واحة سرت الظليلة الخضراء.

البطل.. الراوي

في مجال الفن الروائي تثور مسألة «وجهة النظر» وهي ترجمة للمصطلح الإنجليزي Point of View، وإن حاول بعض النقاد الغربيين أن يستبدلوا بهذا المصطلح مصطلحًا قد يبدو أكثر دقة وتحديدًا، وهو «Focus of Narration» أي بؤرة السرد، ولكن لم يكتب لهذا الأخير الانتشار وعجز عن أن يأخذ مكانه بجانب المصطلح الأول (6).

ووجهة النظر تعني في إيجاز الموقف الفكري أو الفلسفي لمؤلف الأثر الأدبي، وهو في القصة بخاصة ذلك الوجدان أو العقل الذي ترشح من خلاله أحداث القصص، فتنطلق تحمل مضامين فكرية وفلسفية يحرص المؤلف على إيصالها للمتلقي (7).

و»وجهة النظر« ترتبط بنقطة جوهرية من الناحية الفنية وهي من صاحب «وجهة النظر»

في العمل القصصي؟ إن نسبة وجهة النظر تتوقف على التحديد الفني لموقع الشخصيات، فقد يكون صاحب وجهة النظر هو المؤلف ذاته وهو يروي قصته بضمير المتكلم أو ضمير الغائب، أو هو الراوي الذي قد يكون واحدًا من شخصيات القصة، أو هو الراوي الذي هو نفسه الشخصية الرئيسية بها (8).

وعلى أية حال يبقى استخلاص وجهة النظر- أو وجهات النظر- أيًا كانت الشخصية المرسلة أو الموصلة عملًا يحتاج إلى تعمق وحساسية نقدية قادرة، وفي «الفرار إلى جهنم» نلتقي »بالبطل الراوي» أو «الراوي البطل»، فالقذافي هو الشخصية المحورية الرئيسية، بل هو الشخصية الوحيدة في هذا العمل، وإن حاول أن يتوارى في بعض المواقف العابرة خلف شخصية «البدوي» بمفهومه العام، ولكن سرعان ما يكشف السرد المتتابع فبعد صفحات المطلع التي تتحدث بأسلوب تقريري مباشر عن العقل الفردي، والعقل الجماهيري، ومشاعر الناس واتجاهاتها يتساءل في حيرة: «فبماذا أطمع – أنا البدوي الفقير التائه- في مدينة عصرية مجنونة، أهلها ينهشونني كلما وجدوني: ابن لنا بيتًا غير هذا، امدد لنا خطًا أرفع من ذلك.. ازرع لنا حديقة...» «ص 45».

«... ولكن كل من يقابلني يطلب مني شيئًا من تلك الأشياء، فأنا لا أملكها في الحقيقة، ولكن خطفتها من أيدي اللصوص، ومن أفواه الفئران، ومن أنياب الكلاب، ووزعتها على أهل المدينة باسم فاعل خير قادم من الصحراء، بوصفي محرر عقود وأصفاد...» (9).

فهذه ليست صفات بدوي عادي، ولكنها صفات البدوي الحاكم الزعيم الذي اسمه معمر محمد عبد السلام «أبو منيار القذافي».. نعم هذه صفاته في «مرآة ذاته»، وفي نظر أتباعه ومؤيديه وحوارييه: بنى لهم.. وزرع.. ورد الحقوق لأهلها بعد أن انتزعها - أو خطفها - من أيدي مغتصبيها اللصوص ومخالبهم، وحرر عقود التمليك للأرض، وملك من كان مستأجرًا، فهو بذلك «محرر عقود» لمن يستحق، وهو «محرر شعب» من الأصفاد والأغلال.

الشعور الحاد بالأنا.. والفوقية

والنص من أوله إلى آخره مخنوق بالأنا، والشعور الحاد بالفوقية، وهو شعور يحاصر كل المواقف ويلتف حولها، فمن عل ينظر إلى الناس ويصفهم فلا يرى إلا «كلابًا مسعورة يسيل لعابها في الشوارع.. وتتعقبه.. وتلاحقة أنفاسها ...» «ص 48»، أما هو.. فمقصود دائمًا- والناس لا يهرعون إلا إليه لكي يبني لهم.. ولكي يزرع لهم.. ولكي يحرر العقود.. ولكي يحررهم من الأصفاد والقيود، وأمام هذه الصراحة يرفض القارئ غلالات التظاهر بالتواضع والتظاهر بالمظلومية في مثل قوله «أنا بدوي أمي لا أعرف حتى صنعة الزواق، ولا أعرف حتى معنى المجاري، وأشرب ماء المطر، وماء البئر بكلتا يدي، وأصفي يرقات الضفادع بطرف عباتي.. ولا أعرف شكل النقود...» «ص 45»، فالكاتب ما ذكر إلا توطئة أو مقدمة لإدانة الجماهير بالأنانية وقصر النظر وسوء التصرف، ثم لإثبات وجوده وفوقيته وقدراته الخارقة، فهو يقول بعد ذلك مباشرة «ولكن كل من يقابلني يطلب مني شيئًا من تلك الأشياء، فأنا لا أملكها في الحقيقة، ولكن خطفتها من أيدي اللصوص ومن أفواه الفئران، ومن أنياب الكلاب، ووزعتها على أهل المدينة باسم فاعل خير قادم من الصحراء...» «ص 46».

الكاتب هو الراوي هو الشخصية المحورية، وهي شخصية تبدو هائجة قلقة مضطربة ممزقة تفتقر إلى كثير من الوقار العقلي.. مما قادها إلى الإنسحاب بل الهروب النهائي إلى ما هو أسوأ من الواقع الذي يشكو منه ويعانيه.

وإذا كان هذا هو البعد النفسي أو الداخلي أو الجواني للشخصية، فإن بعدها الاجتماعي يحكمه «الود المفقود»، والكراهية المتأججة للمدينة وسكانها.

والذين عرضوا لهذا النص يثنون على ما فيه من «عفوية العرض والمعالجة»، وهذا خلط منكود بين العفوية» و«السذاجة، فالعفوية تعنى الانطلاق الفني في مصداقية دون معوقات أو تكلف أو تصيد، وهذا الانطلاق يكون من قيم شعورية وفنية ذات أبعاد إنسانية، دون الوقوع في إسار مذهبية حادة خانقة، أما السذاجة فتعني الانطلاق التسطيحي، والطرطشة العاطفية بلا ضوابط أو مرتكزات قيمية، فلا مكان إلا للتداعيات التي تتدفق بلا وشائج منطقية، أو جماليات فنية مما يهبط بالعمل الأدبي إلى منطقة الأسلوب الصحفي الدارج.

ومن عجب أن يكون العنوان «الفرار إلى جهنم» بمضمونه الفكري ترديدًا لمقولة عامية نسمعها دائما من عوام الناس: فالواحد منهم إذا بلغ به الضيق بالآخرين أقصى مداه هددهم بترك البلد أو «يروح من وشهم في ستين داهية»، أو «يروح من وشهم لجهنم الحمراء».

وما زال للحديث صلة .

المراجع والتعليقات:

1 - من فضول القول أن أذكر هنا أن الفقيه يقصد غير ما أقصده، وتمام عبارته «القائد معمر القذافي حالم كبير، ولا شك أن حلمه هو الذي قاده إلى إبداع النظرية الجماهيرية التي أصبحت واقعًا يعيشه ويمارسه ملايين الناس!!»  ص 133 من كتاب القذافي «دراسة الفقيه الملحقة به».

2- ندوة تونس عن كتاب القذافي وهي منشورة في مجلة »الثقافة العربية« العدد الأول لسنة 20 يناير 1995م «ص 15».

3- ارجع إلى أيان رايد: القصة القصيرة، ترجمة د. منى حسين مؤنس «ص 110 – 130»، »الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990م«.

٤ - ندوة تونس- مرجع سبق «ص 14».

5 - دراسته الملحقة بكتاب القذافي «ص 137».

6 - ارجع إلى كتاب د. أنجيل بطرس سمعان: دراسات في الرواية العربية «ص 91 – 96» الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة – 1987.

7- انظر: مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب «425» مكتبة لبنان - بيروت 1974م.

8- أنجيل بطرس مرجع سبق «ص 93».

9- من كتاب القذافي «ص 46»، وهو في هذه العبارة يستعمل كلمة «محرر» بمعنيين: فمحرر عقود أي كاتبها ومانحها، وربما قصد عقود تمليك أرض أو مساكن للمواطنين.

ومحرر أصفاد: أى مانح الناس التحرر من قيود العبودية، ولكن يبقى التركيب الأخير غالطًا، فالتحرير يكون من الأصفاد، لا للأصفاد أي القيود.

(*) أستاذ الأدب العربي بجامعة الملك فهد بالظهران.

الرابط المختصر :