العنوان اعتقالات الإسلاميين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1981
مشاهدات 70
نشر في العدد 539
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 18-أغسطس-1981
اعتقالات الإسلاميين
لا يمر
عام إلا وتصلنا أنباء اعتقالات الإسلاميين في قطر من الأقطار.. ولا يبنى
معتقلٌ في بلاد المسلمين إلا ويفتتح بالدعاة إلى الله.. لقد صارت المعتقلات
مادة تاريخية واسعة في تاريخ الدعوة الإسلامية المعاصرة... ولا يكاد يخلو بلد
للمسلمين من معتقل سياسي مسلم.. كما لا تكاد دعوة من دعوات الإسلام إلا
وأصابها شيء من التضييق أو الاضطهاد أو التشهير.
لقد
دأب الطواغيت منذ القدم على زج الإسلاميين بالمعتقلات والسجون.. كما دأبوا
على تقتيلهم وتشريدهم، ظنًا منهم أن القمع والتقتيل وسيلة ناجحة لإسكات
الحق.. ولكن التجارب تعلمنا أن السجون والمعتقلات تصنع الأبطال الأشاوس الذين
لا يلينون ولا يتزعزعون.. وأن القتل والتنكيل يصنع الشهداء
والقدوات.. وكما أن الضرب والنار لا يزيدان الحديد إلا صلابة، فكذلك الاعتقال
والتنكيل لا يزيدان المؤمن المجاهد إلا تحديًا وصمودًا.
والاعتقال
والتنكيل ليسا سنة مستجدة في تاريخ الدعوة الإسلامية، بل هي سنة جارية يوم أن قال
الله: ﴿أَحَسِبَ
النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ
فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 1-3).، وإذا كان الله قد سجل المؤمنين
الذين صبروا على التنكيل في صحائف المجد، وجعلهم في عليين، فإن أصحاب الأخدود
سجلهم التاريخ ليلعنوا إلى يوم القيامة.
ولقد
كانت ملوك بني إسرائيل تضطهد الدعاة، يقول ابن عباس([1]):
«كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل، قيل
لملوكهم: ما نجد شتمًا أشد من شتم يشتمنا به هؤلاء، إنهم يقرأون ﴿وَمَنْ
لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:44)،
مع ما يعيبوننا في أعمالنا في قراءتهم.. فادعهم ليقرأوا كما نقرأ وليؤمنوا كما
آمنا.. فدعاهم.. فجمعهم وعرض عليهم أن يتركوا قراءة التوراة والإنجيل
إلا ما بدلوا منها...».
ويكمل
ابن مسعود([2])
الرواية قائلًا: «هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا
على اثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينجُ منهم إلا ثلاث فرق.. فرقة قامت بين
الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم- عليه السلام- فدعت إلى دين الله
ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت، فصبرت ونجت.. ثم قامت طائفة
أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين
عيسى ابن مريم فقتلت، وقطعت بالمناشير.. وحرقت بالنيران.. فصبرت
ونجت.. ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال.. ولم تطق
القيام بالقسط... فلحقت بالجبال، فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكر الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً
ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِم﴾ (الحديد:27). وقد صبر المسلمون على
الاضطهاد فترة من الزمان.. وآثروا السجن على إراقة الدماء.. وقد
شهدت معتقلات ليمان طرة وأبي زعبل والواحات والمزرعة وغيرها استشهاد عشرات
منهم.. ولكن اليوم نفد الصبر، وما النموذج السوري القتالي إلا رد مباشر لأية محاولة جديدة
لاضطهاد المسلمين.
يقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ
عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»([3])،
«لَا
تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ
حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»([4])، ألا إن
طلائع البعث الإسلامي ماضية لتعزيز هذا الدين.. ألا وإنها ستمضي على الطريق
بدمائها وأشلائها، مقتحمة الأهوال والإرهاب والتنكيل.. رابطة
الجأش.. ثابتة الجنان.. قوية الخطى.. تدك عروش الطواغيت، وتبطش
بطشتها الكبرى:
﴿
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ (الدخان:16)، ﴿لَا
يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (آل
عمران: 196-197).
ونحن
هنا إذ نعرض لنماذج ضاربة في التاريخ، إنما نفعل ذلك لأننا نعتقد أن
تاريخ الدعوة الإسلامية تاريخ متسلسل الحلقات، وسنن الله ماضية لا تغيرها الأيام
ولا السنون؛ لأنها مرتبطة بالإيمان بالله الواحد والدين الواحد.
ثم إن
التاريخ المعاصر قد أعطى للجبابرة درسًا لا ينسى لو كانوا يعقلون.. في
أكثر من قطر إسلامي، أعلنت حرب شعواء على أبناء الحركة الإسلامية سجنًا وقتلًا
وتشريدًا.. ولكنها كانت في كل مرة تخرج أصلب عودًا، وأكثر حنكة،
وأشد مضاءً وعزيمة.
والذي
نريد أن يفهمه الطغاة المتجبرون أنهم مهما أوتوا من قوة فلن يؤتوا قوة مثل قوة
فرعون.. ولكنها حكمة الله- تبارك وتعالى- شاءت أن يخرج موسى من حجره ليقضي
عليه، وينشر الإسلام..
والطواغيت
غالبًا ما ينسون ذلك، بل غالبًا ما يكابرون، ويصيبهم الغرور والغطرسة؛ فلا يفيقون
إلا على أصوات "الله أكبر" يرفعها المجاهدون ممن أوذوا في سبيل الله،
ونحن وإياكم بانتظار سنة الله، فهل أنتم منتظرون؟!
([1]) سنن النسائي 5400.
([2]) تفسير ابن كثير (8/29).
([3]) صحيح مسلم: 156.
([4]) سنن ابن ماجه: 6.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل