; بين الديمقراطية والدين - المستبدون يحاولون تعطيل الديمقراطية بشتى الوسائل والأعذار | مجلة المجتمع

العنوان بين الديمقراطية والدين - المستبدون يحاولون تعطيل الديمقراطية بشتى الوسائل والأعذار

الكاتب محمد زهير الخطيب

تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2005

مشاهدات 68

نشر في العدد 1654

نشر في الصفحة 44

السبت 04-يونيو-2005

  • الديمقراطية أكثر الطرق واقعية في هذا العالم الصغير.

  • الطرح الديمقراطي صيغة عادلة.. واقعية وحضارية صالحة للحياة الاجتماعية.

  • الديمقراطية كغيرها قابلة للاساءة والاستغلال والتضليل وخاصة في الظروف الصعبة والاستثنائية.

  • العلمنانيون أدركوا أن المستبدين والفاسدين هم عدوهم الحقيقي وليس الشريحة المتدينة المتنورة من المجتمع.

في النظام الديمقراطي حيث الحكم للأكثرية، هل تستطيع هذه الأكثرية اتخاذ قرارات بتجريد الأقلية من أموالها وحقوقها؟ هل تستطيع أن تشرع في الدستور الظلم والتحيز؟ هل تستطيع أن تلغي الديمقراطية؟ هل تستطيع الديمقراطية أن تلغي الديمقراطية؟

قد يكون الجواب نعم من الناحية النظرية، غير أن هذا أمر غير واقعي من الناحية العملية، حيث إن للديمقراطية أعرافًا ومبادئ قد تكون مكتوبة أو غير مكتوبة، غير أنها بدون شك موجودة ومعتبرة ومتشابهة في كل الأنظمة التي يصلح أن تسمى ديمقراطية، إننا نجدها في الفقرات الأولى من أي دستور ديمقراطي، وهي بكل بساطة مبادئ العدل والمساواة والحرية والكرامة وتكافؤ الفرص وهي مبادئ الفطرة السليمة ومكارم الأخلاق وحلف الفضول ومنظمات حقوق الإنسان، إنها روح التعاليم الدينية لعلاقة الإنسان بالمجتمع.

فعلى سبيل المثال: نجد أن مقدمة الدستور الأمريكي تقول: نحن شعب الولايات المتحدة، لأجل تحقيق الاتحاد الكامل، وإقامة العدل، وتحقيق الأمن الداخلي، وتوفير الحماية العامة، وزيادة الخير العام، وضمان نعمة الحرية لأنفسنا ولذرياتنا، نسن ونرسم هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية.

وعليه فإن الديمقراطية بالإضافة إلى أنها الاحتكام إلى صناديق الاقتراع فإنها أيضًا مجموعة من المبادئ الأخلاقية والاجتماعية التي تصلح لأن تجتمع عليها أصوات ثلثي الأمة أو أكثر. وهو المقدار الذي يلزم لإجراء تعديل دستوري في أغلب الأنظمة الديمقراطية.

الدين أم الديمقراطية؟

إن في هذا السؤال مغالطة تجعل من الديمقراطية ندًا منافسًا للدين، وهذا غير صحيح، وهو يشبه سؤال: هل نختار الدين أم مكارم الأخلاق؟ لقد بذل كثير من الكتاب المسلمين جهودًا كبيرة ليقنعوا الناس أن الديمقراطية ليست من الدين بل هي كفر، وهذا في الحقيقة ظلم للديمقراطية وتجن عليها، إن الديمقراطية الحل الأمثل للمجتمعات المتعددة الأديان والمذاهب والاتجاهات، وهو حال معظم الدول في عصرنا هذا، وهو يشابه حال الدولة التي نشأت في المدينة المنورة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، فقد أصبح في المدينة أكثرية مسلمة وأقلية يهودية، وكان الحل هو إبرام عقد اجتماعي واقعي عادل يشمل علاقات الإنسان الثلاثة:

علاقة الإنسان بنفسه يحددها الإنسان بنفسه حسب أفكاره أو دينه.

علاقة الإنسان بربه يحددها الإنسان بنفسه حسب أفكاره أو دينه.

علاقة الإنسان بمجتمعه يحددها عقد اجتماعي يقوم على العدل والمساواة والحرية، وينظم المصالح المرسلة الكثيرة التي يحتاجها الناس في حياتهم اليومية، ومنها مثلًا الديات الذي تشترك في أدائها القبائل بحسب علاقاتها القبلية لا بحسب دينها، فيتعاون فيه المسلمون مع اليهود بحسب قبائلهم وصداقاتهم القديمة، كما يضع هذا العقد الاجتماعي صيغة للدفاع المشترك عن المدينة كل من جهته.

الصيغة الواقعية

إن هذا العقد الاجتماعي هو صورة من صور الديمقراطية صورة مبسطة واقعية تتناسب مع طبيعة ذلك المكان والزمان، أما اليوم وفي عالم أصبح الناس فيه كأنهم في قرية واحدة وأصبح المهاجرون والأقليات والاختلاط السمة العامة لمعظم البلدان، فلا شك أن الطرح الديمقراطي هو صيغة عادلة واقعية حضارية صالحة للحياة الاجتماعية وقابلة لأن يجتهد المصلحون والمنظرون في طرح أفكارهم وعقائدهم فيها، في جو من الحرية والعدالة والمساواة، إنها المركب الحيادي الذي يسع الجميع، ويقوده الربان الماهر الذي يقنع الناس بمنهجه وأفكاره ويسير بهم في رحلة سلام برضاهم وحبهم، وفرص الصالحين والنزيهين في الديمقراطية أكبر من فرص المفسدين والكاذبين؛ لأن للفساد روائح نتنة تفوح منه ولو بعد حين وحبل الكذب جد قصير.

التدين والعلمانية

إن هذه النظرة الجديدة إلى الديمقراطية ستجعل المتدينين والعلمانيين يقفون صفًا واحدًا أمام الظلم والفساد، وينتقلون من حرب داحس والغبراء إلى اللقاء على ما اتفقوا عليه وعلى إعذار بعضهم بعضًا فيما اختلفوا عليه.

إنهم قد اتفقوا على العدل والمساواة والحرية واتفقوا على محاربة الظلم والفساد والاستبداد فليلتقوا على ذلك.

وقد اختلفوا في أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم، فليعذر بعضهم بعضًا ذلك، لأن كثيرًا من المتدينين أصبحوا مقتنعين بأن الدولة المنشودة هي دولة مدنية - قرأت هذا للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ولعدد من الإخوان السوريين - كما أن كثيرًا من العلمانيين أصبحوا يدركون أن عدوهم الحقيقي هم المستبدون والفاسدون وليست الشريحة المتدينة المتنورة من المجتمع.

الدولة الدينية والدولة المدنية

الدولة الدينية هي الدولة التي تلتزم بدين معين، وتعتبر أن مصدر التشريع هو هذا الدين فقط، ومثال هذه الدولة دولة الخلافة الراشدة حيث لم يكن في الجزيرة العربية أنذاك أقليات وأديان غير دين الإسلام.

الدولة المدنية هي الدولة التي تلحظ وجود التنوع والتباين في أبناء الوطن، فتضع قوانين وتشريعات توفر العدل والمساواة والحرية لأبناء الوطن وتوفر الحماية للأقلية من جور الأكثرية، ولحسن الحظ أن هذه القوانين كما ذكرنا هي قوانين الفطرة السليمة ومكارم الأخلاق وحلف الفضول ومنظمات حقوق الإنسان.. ولو حصل بعض الاختلاف بين المتدينين وغيرهم في البرلمانات، فعلى الجميع أن يبذلوا وسعهم في أجواء من الحرية لبيان الحق وإقامة الحجة على الآخرين، ولو كان البرلمان يضم الراشدين من الأمة، فقد كان القرآن يبحث عن رجل رشيد ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ (هود ٧٨). فلعل رجلًا رشيدًا في برلمان يقوم على الحرية والعدالة حري بأن يهدي قومه سبيل الرشاد بالحجة والإقناع لا بالادعاء بأنه يملك سلطة إلهية تحوله إلزام الآخرين. 

حرية الاعتقاد والتعبير: إن المرونة وسعة الأفق مطلوبان من جميع الأطراف، ومطلوب من المتدينين أن يوضحوا بإخلاص برنامجهم في الحكم لن يتعرض للحريات الشخصية وحريات الاعتقاد والنشر والتعبير... ولاشك أن الموضوع فيه تفضيلات كثيرة وتطبيقات قابلة لأن تكون متطرفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وحتى لا يكون كلامي خياليًا أرى أنه من المناسب ذكر التجربة التركية كصورة تقريبية لما أقول، إن حزب العدالة والتنمية يقدم نفسه على أنه حزب ديمقراطي وأنه ليس حزبًا إسلاميًا، غير أنه بتطبيقه مبادئ الديمقراطية فإنه يطبق الجانب الاجتماعي من الإسلام من عدالة ومساواة وحرية، وهو ساحة العمل الصحيحة للسياسيين والحكام. أما علاقة الإنسان بنفسه وربه فتترك للدعاة والمصلحين من كل رأي ودين، ليعرضوا بضاعتهم في أجواء العدالة والحرية والشفافية التي توفرها الديمقراطية، والبقاء للأصلح، إنهم يسعون لتطبيق الجانب المهم من الإسلام الذي ينظم حياة الناس، ويسعون لتحسين علاقة الناس بربهم لا يقتل المرتدين وسجن تاركي الصلاة بل بنشر الحرية وتوفير العلم والمعرفة للناس.

الديمقراطية والاستغلال؟

هل الديمقراطية مستعصية على الاستغلال والفساد؟ كلًا، غير أن هذا خروج عن الأصل وصيد في الماء العكر، فإن الديمقراطية مثلها مثل غيرها قابلة للإساءة والاستغلال والتضليل وخاصة في الظروف الصعبة والاستثنائية، حيث يحاول المستبدون تعطيلها بشتى الوسائل والحجج والأعذار، وأخيرًا قد لا تكون الديمقراطية أفضل طريق، غير أني أجدها أكثر الطرق واقعية في هذا العالم الذي أصبح صغيرًا.

 

الرابط المختصر :