العنوان الأسباب الحقيقية وراء دفاع هيكل عن الناصرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-سبتمبر-1973
مشاهدات 93
نشر في العدد 166
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 04-سبتمبر-1973
رواةٌ يتحدثون..
وحَكَمٌ مُحايد.. يحقق الروايات..
لا..!! العلاقة قديمة بين هيكل، وعبد الناصر
دور مصطفى أمين ودور حايم ناحوم أفندي
الأسباب الحقيقية وراء دفاع هيكل عن الناصرية
محمد نجيب رفض إتفاقية الجلاء اعتمادًا على قوة الإخوان
أمريكا أقنعت بريطانيا بقبول إتفاقية جلاء..لا تضر الغرب!!
بقلم الأستاذ أحمد معروف
لقد ذكر مايلز کو بلاند في كتابه لعبة الأمم أَّن أمريكا كانت تخطط مع الملك فاروق لقيام ثورة سلمية تمتص الشعور الشعبي المعبأ ضد الملك، وضد الاستعمار الغربي، ويقول كوبلاند:
إنَّ السياسة الأمريكية كانت في الوقت نفسه تخطط لانقلاب عسکری يتظاهر بالعداء للغرب وبالتالي يكسب قادة الانقلاب شعبية تمكنهم من إحداث تغيرات اجتماعية، واقتصادية، وسياسية ليس في مصـر وحدها بل في المنطقة العربية كلها.
وأنه لذلك كانت السياسة الأمريكية مزدوجة، فعلى الصعيد السياسي الرسمي لا تقر الانقلابات وتتمسك بأن تُحكَمَ الشعوب بالطريق الديمقراطي بينما في الخفاء تدبر انقلابات ضد أصدقاء الغرب الذين عرف الناس صلتهم بالغرب، وكذلك الذين حال النظام البرلماني بينهم وبين إحداث التغييرات المطلوبة، واتباعًا لهذه السياسة، كانت السفارة الأمريكية بالقاهرة تنظم مع الملك فاروق نظام وطريقة الثورة السلمية، وكانت المخابرات الأمريكية تنظم مع رجالها من المصريين، والأمريكان وسيلة جديدة لحكم المنطقة من وراء ستار.
لقد كان مصطفى أمين، وآخرون أصحاب دور في اختيار الشخصية المصرية التي تقبل القيام بهذا الدور، والتي تصلح له، كما كان لحايم ناحوم أفندی « کبیر اليهود » دور آخر حيث كان مدرسًا خاصًّا لجمال عبد الناصر.
ولقد تم ترشيح محمد حسنين هيكل ليكون هو همزة الوصل بين الأمريكان، وبين الحكام الجدد، وليكون مع آخرين المستشار الرئيسي للحاكم الجديد ليظل مركـز اللعبة بيد أمريكا عن طريق
المستشارين من أُعلن منهم، ومن ظلَّ خافيًا،وهذه الخطة تشبه سياسة كرومر إذ قال سنرحل من مصر على أن تُحكَم بإيدٍ مصرية وعقول بريطانية.
دور محمد حسنين هيكل
قبل قيام الثورة المصرية بعدة أشهر، اختفى محمد حسنين هيكل من مصر، وكان صحفيًّا بمجلة آخر ساعة، وأُذيع وأُشيع أنَّه يعمل مراسلًا عسكريًّا لمجلة أمريكية، ويقيم بكوريا لتغطية الحرب الكورية، ولكنه أقام في طوكيو التي كانت آنذاك (سنة ١٩٥١) المركز السرِّي للاتصالات الأمريكية بهذه المنطقة.
ولما عاد هيكل إلى مصر فوجئنا به، يدبر أمور البلاد عن طريق صديقه جمال عبد الناصر.
وهنا يثور تساؤل: كيف تمكن سريعًا من الوصول إلى هذه الصداقة مع جمال عبد الناصر، والمفروض أنَّ الأخير رئيس تنظيم سري في الجيش، والصداقة به ليست بهذه السهولة، كما أنَّ شخصيته ليست ضعيفة، ويمكن الوصول إليها بهذه السرعة، فضلًا عن أنه على مر سنوات حكمه تخلى عن جميع أصدقائه حتى شمل ذلك المشير عبد الحكيم عامر الذي مكنَّ له من الإطاحة بمحمد نجيب والحلول محله.
فكيف نشأت هذه الصداقة السريعة؟ وكيف استمرت بنفس القوة، وكيف ظلَّ هيكل صاحب الكلمة الأولى فى مصر رغم أن تاريخ عبد الناصر مع زملائه في الثورة يؤكد كان لا يقبل شريكًا معه في السلطة، ولا يقبل إلا أن يكون هو وحده صاحب الأمر والنهي!
خداع محمد نجيب
لقد ذكر اللواء نجيب في حديثه الصحفي لمجلة « الحوادث » أنَّ عبد الناصر لم يكن يعرف محمد حسنين هيكل، وأنَّ نجیب عرفه به بعد إعلان الانقلاب العسكري « الثورة »، والحقيقة أن عبد الناصر على صلة بمحمد حسنين هيكل قبل قيام الانقلاب العسكري، ولقد روى عبد الناصر، كما روت أمه أن زوجة عبد الناصر أثناء غيابه أصيبت ذات يوم بانهيار نتيجة التهاب الزائدة الدودية، فنقلها محمد حسنين هيكل إلى مستشفى الدكتور مظهر عاشور، وانفق علـى أتعاب العملية الجراحية، وكانت مائة جنيه مصري، ولقد كانت هذه الواقعة قبل قيام الثورة، وهي وغيرها من الشواهد تدل على أن محمد حسنين هيكل كان على صلة وثيقة بجمال عبد الناصر قبل قيام الثورة.
ولكن محمد نجيب كان « مخدوعًا » وانطلى عليه ما تظاهر به عبد الناصر، وهيكل من عدم المعرفة حتى قدم نجيب هيكل إلى عبد الناصر وعرفه به.
وهذا التظاهر كان لغرض خفي، ولهذا سكت هيكل عن هذا التجهيل به وأعطى انطباعًا بأنه فعلًا لم يعرف جمال عبد الناصر إلا بعد قيام الثورة.
والأحداث تنفى هذا وتؤكد عكسه فعلى سبيل المثال:
1 - اشترك محمد حسنين هيكل في الاتصال السري الذي تم بين الأمريكان وجمال عبد الناصر، وكان أحد ضباط الاتصال وأهمهم إذ كان ينقل العبارات بما يرضي الطرفين ويقرب من وجهات النظر.
2- ذاع وشاع في الأوساط المصرية، والأجنبية أنَّ محمد حسنين هيكل هو الذي ألَّف کتاب فلسفة الثورة المطبوع باسم جمال عبد الناصر، وكان مُذاعًا من قبل أنَّ المؤلف هو الأستاذ النشار فأُبعد، بينما لم تؤثر هذه في العلاقات الناصرية الهيكلية، رغم أنَّ غيرها من الاشاعات جعلها عبد الناصر سبيلًا إلى عزل، وسجن وزراء، ووكلاء وزراء، والكل يعلم ويتابع التغيرات المفاجئة في شخصيات نواب رئيس الجمهورية، ورفع بعضهم وخفض الآخرين.
والكل يرى كيف عومل الشرقاوي وزير العدل، والمعروفي وزير الزراعة، و الباقورى وزير الأوقاف، وغيرهم.
ولكن هيكل وحده ظل صاحب السيادة حتى أنه كان يقرب علنًا ورسميًّا من رئيس الوزراء، ونواب رئيس الجمهورية، وكان له جناح خاص في مؤتمرات القمة العربية وغيرها، وكان وحده الذي يتصل مباشرة بجمال عبد الناصر، ويرجع إليه جمال عبد الناصر أثناء هذه الاجتماعات.
3 - أنَّ الدهاء الذي اتصف به عبد الناصر كان يقتضي أن يوافق على تصرف نجيب على استبعاد هيكل من أي اتصالات مع الثورة نسبة للتقرير الموضوع عنه بمعرفة المخابرات المصرية، والذي نُسب إليه فيه العمالة للأمريكان، ولكن عبد الناصر رغم علمه بالتقرير المذكور، ورغم أنه لم ينفه، تمسك بهيكل وقال: (ماذا نفعل هل نستورد ناس من بره؟!) لقد روى هذه الواقعة اللواء محمد نجيب عندما كان رئيسًا للجمهورية ورواها مدير مكتبه اليوزباشي محمد ریاض ونشرت لهما مجلة الحوادث هذه الرواية في 17 – 8 – 1973 بالعدد 875.
ورواها آخرون لا داعي لذكر أسمائهم لأنَّ هيكل لم يعترض على هذه العبارة واكتفى بالرد عليها بأنَّ عبد الناصر ظلَّ صديقَّا له ولو علم أنَّه عميل أمریکی ما كان يصادقه.
4 - أنَّ أسرار الدولة كانت بید محمد حسنين هيكل، وهو وحده الذي كان ينشر منها ما يشاء، وذلك في موقف الدفاع من جمال عبد الناصر وإلصاق التهم والمسئولية بالآخرين في ثوب وقائع ينسبها إلى أناس لا يملكون حق الدفاع عن أنفسهم.
وكل هذا وغيره من الأمور التي لا مجال لكشفها الآن، يؤكد أنَّ عبد الناصر وجد أنّ من مصلحته الشخصية أن يرتبط هذا الارتباط في بداية الثورة بصحفي ناشئ مثل هيكل رغم ما عرف عنه
بالعمالة الأمريكية، ذلك أنه مفتاح عبد الناصر لدى أمريكا، كما أنه العين الذي تبصر به أمریکا تصرفات عبد الناصر، وبه تقتنع أو لا تقتنع بأنَّ هذه التصرفات من صالح أمريكا رغم أنها تأخذ في الظلّ الرسمي وعلى الصعيد الشعبي طابع العداء لأمريكا.
السر الدفين
ولئن احتفظ عبد الناصر بهذه العلاقة مع هيكل حتى يوم الوفاة، فما ذلك إلا لأنهما قد ارتبطا معًا بأسرار أصبحت بمثابة السر الدفين، فلا مناص من بقائه.
ولئن دافع هيكل عن عبد الناصر، وتطاول على محمد نجيب كما تطاول من قبل على كل من اختلف مع الناصرية، كما تطاول على المثقفين المصريين وزعم أن لديهم عقدة ما، وأنهم لم يشاركوا في أحداث الوطن.
فما ذلك كله إلا حفاظًا على هيكل وليس دفاعًا عن عبد الناصر.
فهيكل قد ارتبط بالنظام الناصري ارتباط مصلحة وتواطؤ ،وهو المدافع عن أخطاء النظام في مقالاته الأسبوعية، وهو الذى كان يدير في الخفاء أمور الدولة السرية، والتي لم يعلمها الوزراء المختصون حتى اليوم رغم أنها كانت تنسب إليهم، وهو ضابط الاتصال بين عبد الناصر والأمريكان يوم أن كان اتصال عبد الناصر بالأمريكان لا يتم بطريقة رسمية علنية لأنه كان وزيرًا للداخلية، ولا يجوز له أن يجرى هذه الاتصالات، كما أنَّ هذه الاتصالات كانت من وراء ظهر محمد نجيب، ومجلس قيادة الثورة.
أسباب تنحية نجيب والتمكين لعبد الناصر
لقد اتصل الأمريكان بمحمد نجيب ذلك الاتصال الذي قال عنه هيكل أنَّ تقريرا بذلك كتبه حسن التهامي سنة ١٩٥٥، ووضع في الملفات السرية لأجهزة الدولة، ولقد دلَّت أسالیب هیکل في وصف هذا الاتصال على أنَّه اتصال سرِّى مريب، ولكن هيكل رغم اتهام نجيب الصريح له بالعمالة الأمريكية وتأكيده لهذه العمالة وبأنه كان يتقاضى راتبًا من ذلك عن طريق عبود باشا.
رغم هذا، لم يفصح عن مضمون هذا التقرير، ولكن الشواهد، والوقائع التي لا يستطيع هيكل إنكارها تدل وتؤكد أنَّ:
1 - الأمريكان أثناء حمايتهم للثورة المصرية توسطوا بين الثورة، وبريطانيا لتقبل بريطانيا الجلاء عن مصر بشروط لا تضر بالغرب وتحفظ ماء وجوه قادة الثورة أمام الشعب العربي.
فعرضوا اتفاقية للجلاء؛ ضمن شروطها أن تحتفظ بريطانيا ببعض جنودها في القناة لمدة سبع سنوات، وأن يحق لها العودة إلى احتلال القناة إذا حدث اعتداء على إحدى دول حلف بغداد، وأن يُجرى استفتاء شعبي بين السودانيين لتقرير مصيرهم إما بالاستقلال أو الاتحاد مع مصر،
ولم يقبل محمد نجيب هذه الشروط وأصرَّ على الجلاء التام بدون قيود أو شروط، وكان يستند في موقفه هذا على مناصرة الإخوان المسلمين؛ إذ تبنوا هذا الموقف واستندوا إلى قوتهم الفدائية على ضفاف القناة، تلك القوة التي كان يقف الشعب المصرى كله خلفها، وفي مقدمتهم الطلاب والمثقفون، والتي روی تفاصيلها الأستاذ حسين دوح في كتاب أخير له عن كفاح الشباب في القناة.
وأمام تمسك محمد نجيب بهذا الموقف، وبمواقف أخرى بشأن إسرائيل، وبشأن الديمقراطية أيقن الغرب أنه لا يصلح كرئيس الدولة المصرية الحديثة رغم أن الآمال كانت معلقة عليه لشعبيته وميله إلى التعقل.
2 - أنَّ الاتصال آنذاك بنجيب لم يكن محظورًا لأنه كان رئيسًا للدولة، والاتصالات الدولية كلها تتم عن طريقه فلماذا يصر هيكل على وصف مثل هذا الاتصال بالعمالة رغم أنه لم يبين وجه العمالة فيه.
3 - أنَّ محمد نجيب قد نُحِّيَ عن السلطة عمليًّا في مارس سنة ١٩٥٤ ، وظل حتى يناير سنة ۱۹٥٥ رئيسًا شرفيًا والأمور تدار باسمه ولا يد له فيها.
فكيف يكتب حسن التهامي تقريرًا سنة ١٩٥٥ ينسب فيه أن اتصالًا أمريكيًّا بمحمد نجيب قد تم دون أن يحدد لنا الراوي ( محمد حسنين هيكل ) نوع هذا الاتصـال، و تاريخه، فهل تم قبل سنة ۱۹۵۵ إبَّان أن كان رئيسًا للدولة، والاتصال به لیس محظورًا، أم أنَّ هذا الاتصال قد تم بعد يناير سنة ١٩٥٥، وقد كان معتقلًا وتحت الحراسة الناصرية، وظل كذلك حتى بعد وفاة عبد الناصر كما هو معلوم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل