; في حوار حصري لـ «المجتمع».. الجبالي رئيس الحكومة التونسية الجديد يتحدث عن ملامح خطة نهضة تونس (١-٢) | مجلة المجتمع

العنوان في حوار حصري لـ «المجتمع».. الجبالي رئيس الحكومة التونسية الجديد يتحدث عن ملامح خطة نهضة تونس (١-٢)

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012

مشاهدات 60

نشر في العدد 1983

نشر في الصفحة 20

الجمعة 06-يناير-2012

وانتصرت ثورة الشعب التونسي.. لتعلن عن مرحلة جديدة ليس فقط لتونس أرض الثورة، ولكن لكل الشعوب التي تطمح إلى الحرية والعيش الكريم، لقد أرغمت الثورة التونسية الظالم «بن علي»، على الرحيل هو ونظامه وعائلته، وجاءت بأعمدة المعارضة -الذين غيبتهم السجون لسنوات طويلة- إلى سدة الحكم ليرسموا ملامح تونس الجديدة.

«المجتمع»، حاورت أحد أهم رموز الثورة ورجالها، وهو د. حماد الجبالي، رئيس الحكومة، وقد دار الحوار على النحو التالي:

● الخلاف الذي نشب أخيرًا فيما يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية بينكم وبين بعض التيارات السياسية، هل هو خلاف إرادة أم خلاف سياسي في كيفية إدارة الدولة؟

- الوضع في تونس كما شاهدتم بأنفسكم في الشارع وفي رحاب المجلس التأسيسي، هو وضع يعبر عمّا بعد الثورة فنحن خرجنا من الاستبداد إلى الحرية، وكأن الناس لم يصدقوا بعد أن النظام القديم قد تمت إزالته، وما نراه في الشارع هو مجرد تتابع لما حدث.

ويبدو أن هناك إرادة واضحة، ورغم ذلك فإن هناك كثيرًا من الأطراف لم يعجبها هذا النصر الكبير لحركة «النهضة»، وقد عبّرت منذ اليوم الأول صراحة أنها لن تتقبل هذا الوضع، وكل ما يدور الآن ألخصه بالقول: إن هناك أطرافًا معروفة للرأي العام والملاحظين ظلت تسعى لعدم وصول حركة «النهضة» إلى سدة الحكم، هذه الأطراف التي لا أريد أن أذكرها قد تعرضت لخيبة أمل كبيرة، ولكننا في النهاية احتكمنا للشعب الذي قال كلمته وحكم عليها.

فالشعب التونسي يهدف من وراء ثورته المباركة إلى التصحيح ورد المظالم إلى أهلها، وليس هناك ما يسمى بمعركة الهوية، أو أن الهوية مهددة، فهناك اتفاق كامل والتقاء كامل بين أغلب أفراد الشعب التونسي فيما يتعلق بالهوية، ولهذا جاءت النتيجة مخيّبة لأمال من يرفع شعار الثنائية الأيديولوجية.

 

● كيف ستعالجون الأوضاع المتردية في تونس في ظل الهجمة الإعلامية الشرسة التي تتعرض لها حركة «النهضة»؟

 - نعلم أن هناك الكثير من الاعتصامات والمظاهرات والمطالب الاجتماعية المتعددة، وهذا نجده أيضًا في الجلسات الأولى في المجلس التأسيسي، حيث رأينا نقاشات وحوارات في جدول الأعمال، والهدف منها واضح، حتى لا نناقش الميزانية ولا تكون لنا ميزانية أو قانون مالية، فللمرة الأولى في تاريخ تونس يحدث مثل هذا الأمر، أضف إلى ذلك الواقع السياحي الذي تدهور، كما أن الاستثمار الداخلي والخارجي قد توقف تمامًا لعدم وضوح الرؤية لدى المستثمرين، كل هذه القضايا والعوامل جعلت الوضع في تونس الآن خطيرًا.

وهذه المشكلات لا بد وأن تعالج بحكمة، حتى لا تعود الصورة القديمة للدكتاتورية متمثلة في حركة «النهضة» التي يحاول البعض الربط بينها وبين التجمع السابق

 («دكتاتورية «بن علي» ودكتاتورية «النهضة»» في ذاكرة الشعب، لأن الذي يتصدر الواجهة اليوم هي حركة «النهضة»، وهي متهمة على طول الخط من وسائل الإعلام التونسية وخصوصًا التي تسيطر عليها تلك الأطراف المعارضة لنا، بما في ذلك الإذاعة والتلفاز.

 

هناك أطراف معروفة للرأي العام والملاحظين تعرضت لخيبة أمل في الإنتخابات.. تسعى لعدم وصول حركة النهضة إلى سدة الحكم.

 

● كيف ستواجهون هذه الهجمة الإعلامية؟

- نحن على حذر تام ألا تقع في الفخ فيما أننا أول تجربة ديمقراطية في العالم العربي، حرصنا على أن تكون إستراتيجيتنا هي مبدأ التحالف والائتلاف مع أطراف تطلق على نفسها ليبرالية أو علمانية أو وطنية، فقد رأينا أن الصواب هو أن نقوم بعمل ائتلاف وتحالف حتى نعطي صورة أخرى غير التي يروّجها الإعلام المغرض، فالانفراد بالحكم خطأ كبير بالرغم من أنه أسهل لنا، فنحن نهدف إلى منح تلك التجربة الناجحة -إن شاء الله- إلى بقية الدول العربية والإسلامية.

 

● نلاحظ في توزيع السلطات أن هناك صلاحيات كبيرة للحكومة على حساب سلطات الرئيس، كذلك ما يتعلق برقابة المجلس على الحكومة؟

- ليس صحيحًا، فلو أخذنا قانون تنظيم السلطات، نجد أن فيه توازنًا، فنحن منذ البداية أخترنا النظام البرلماني في برنامجنا وفي أطروحة الحركة، فلو قرآنا مسألة تنظيم السلطات سنجد أن هناك سلطات لرئيس الجمهورية، وبعد مزيد من التفاوض أضفنا إليه سلطات أخرى، فالرئيس هو الرمز للجمهورية، ونحن لم نستحوذ على كل السلطات بل شاركنا رئيس الجمهورية، وهناك أيضًا توازن بين السلطات، فهم يريدون أن تذهب إلى الرئاسة والنظام الرئاسي، ونحن قلنا: إن هذا الأمر لم يتم الحوار فيه، لذا سيوضع الدستور ويطرح على المجلس التأسيسي لننظر هل يكون رئاسيًا أو برلمانيًا.

أما عن الدور الرقابي، فلو رجعتم إلى تنظيم السلطات ستجدون أن المجلس التأسيسي هو الذي يراقب، بل ويسحب الثقة من الحكومة أيضًا.

 

 

● يتحدث البعض عن مصيدة وُضعتم فيها بشأن الحكومة المؤقتة، بحيث لن تستطيعوا إنجاز شيء فتخسروا الشارع، ما تعليقك؟

- نعم، هذا الكلام صحيح، ولكن نقول: إنه قدرُنا ولن نقابل ذلك بالقرار أو التخلي، ونحن على بيّنة أن خصومنا يريدون إفشالنا بالحصار والمشكلات الداخلية، وبالجرائم التي تُقترف الآن في حق الشعب التونسي، فهناك حرق ونهب وإيقاف مؤسسات ومصانع وإنتاج، وجرائم ليست من السياسيين فقط، ولكن دخل على الخط كل الفئات التي في يدها أن تحرق وتهدم، وهذه التصرفات بمثابة تحدّ أمامنا، لأن الوقت قصير والإمكانات ضعيفة والعراقيل كبيرة جدًا.

 

● كيف ستواجهون كل تلك التحديات؟

- رؤيتنا تقوم على اجتياز المرحلة التأسيسية بنجاح في إنجاز الدستور ثم الاستفتاء عليه، وإن شاء الله أملنا كبير أن نصوغ الدستور خلال 6 أشهر ثم نجري الاستفتاء. وإذا أجرينا الاستفتاء لا بد أن نتذكر رأي الخبراء في القانون الدستوري، فإذا قال الشعب: «نعم»، أنجز الدستور، لكن إذا رفض هذا الدستور، فسوف يتهاوى كل هذا البنيان، وربما نقوم بإعادة الإنتخابات من جديد وندخل في نفق صعب.

 

● هل سيقتصر دور المجلس التأسيسي على صياغة الدستور؟

- مهمة المجلس التأسيسي صياغة الدستور، ثم القوانين المنظمة للحياة السياسية لمرور الإنتخابات وهناك ثلاثة قوانين أساسية لن تتجاوز غيرها:

أولًا: قانون الأحزاب، وهو يخضع للدستور الجديد لأن هناك قانون أحزاب حاليًا ليس له مرجعية دستورية إلا الدستور القديم الذي نريد أن نتخلى عنه.

ثانيًا: قانون الصحافة.

ثالثًا: قانون الانتخاب، وبالمناسبة هو قانون نسبي مفصّل يحدد نصابًا للفوز بالمقعد بالحصول على ۱۸ - ۲۰ ألف صوت حسب الجهات، ولم أرَ مثيلًا لهذا القانون في مكان آخر، وبالمناسبة فكل المقاعد التي حصلت عليها حركة «النهضة» حازت النسبة التي حددها هذا القانون الظالم، فقد نجحنا تقريبًا بأصوات ٥٧ 60%، ولدينا 42% من المقاعد، فأعضاء «النهضة» هم الوحيدون الذين تحصلوا على النصاب في الإنتخابات، والآخرون نجحوا تقريبًا بالبواقي، لذا نحن نقول: إن هذا القانون ظالم وجائر، ولا بد من تغييره.

 

● هل ستقومون بكتابة الدستور برؤيتكم السياسية، أم بتوافقات مجتمعية؟

- صياغة الدستور من أسهل الأمور، وهناك اتفاق جامع حول صياغته بحيث يكون توافقيًا، وقد ذكرت في إحدى المرات إنني أتمنى أن يتفق التونسيون بنسبة 99,9% على الدستور، لذا نسعى الصياغة دستور لا يكون محلًا للخلاف حتى لا يؤدي إلى شق المجتمع، كذلك لا يمكن أن نعيد بناء دساتير كل عام أو كل فترة وجيزة، فهذا الدستور الذي تسعى لصياغته سيرسم صورة المجتمع التونسي لعقود طويلة، لذا سنبحث عن صيغة توافقية يجتمع عليها كل التونسيين، وأعتقد أن ذلك التوافق موجود بصورة كبيرة.

 

● هل هناك ملامح للدستور الذي ستسعون لإقراره؟

- الدستور سيتضمن بالأساس الفقرة الأولى، وهي فقرة الحريات والحقوق الأساسية، وهذه الفقرة سنجعلها في صورة لا تخضع للمسّ بحيث تغلقها دستوريًا،

حتى لا يأتي أي حكم آخر أو أي حزب يقوم بتغييرها في المستقبل، وتلك الفقرة

سنجعلها ما فوق الدستور.

 الفقرة الثانية كل الأحكام وتوزيع السلطات واستقلالية المؤسسات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وكذلك اختيار نمط الحكم أو نمط النظام سواء البرلماني أو

غيره.

الفقرة الثالثة هي الضمانات للرقابة الدستورية، أي المحكمة الدستورية، والمحكمة الإدارية، وما يسمى بالرقابة القضائية في التصرف في الأموال، كالتصرف في أموال الدولة، ونصوص الفقرة الأولى والثالثة تعتبر ضمانات ما دون ذلك فالأساس هو

الحريات.

 

أيضًا هناك أمر مهم جدًا، وهو أن الدولة دولة مدنية ودولة مواطنة، وهي تعدل بين كل مواطنيها مهما كان دينهم ومعتقدهم ولغتهم ولونهم وما إلى ذلك.

 

 ▪ الراشد في حواره مع الجبالي.

 

● الحراك السياسي والمدني أفرز العديد من القوى والتيارات والأفكار، أنتم كتوجّه إسلامي على سدة الحكم، كيف تستوعبون تلك الحركات والتيارات الإسلامية والتيارات العلمانية وما يدب بينهم من خلافات ونزاعات؟

- قدرُنا أن تكون بين كفتي الرحى، أو ما يسمى اصطلاحيا بالتطرف اليميني والتطرف اليساري، ونحن لا نريد من مجتمعنا التونسي أن يتطرقوا لا ناحية اليمين ولا ناحية اليسار، فبعض إخواننا السلفيين -غفر الله لنا ولهم- يتصرفون بتصرفات لا يقبلها الشارع حقيقة، إذ يقومون بإيقاف السياح ويدعونهم للصلاة وغيرها من الأمور.

هؤلاء قبل الثورة كان أكثرهم يقبع خلف أسوار السجون، ولكن الآن خرجوا للشارع ورفعوا الشعارات ووضعوا لهم أولويات، وعندما نتحدث إلى القيادات نجد أنهم على دراية تامة وواعدة، أما الصفوف الخلفية لهم يغلب عليها التشدد والتطرف، والناس بطبيعتها لا تفرق بين «النهضة»  وحزب «التحرير» وغيرها من التيارات الإسلامية، فمشكلة السلفيين أنهم يخوضون في قضايا لا يفهمها الشعب ولا يريدها مثل النقاب والحجاب وطول الحجاب، فمثل هذه الأمور لا تعتبر مشكلة في وجهة نظر الشعب التونسي في الوقت الراهن على الأقل، وليست في سلم الأولويات ولذا نطالب الإخوة السلفيين بالرأفة بالشعب التونسي.

 

نعتذر للكويت عن مواقف النظام البائد

أشكر مجلة «المجتمع» على هذا الحوار، وأنا بالمناسبة قارئ جيد لمجلة «المجتمع» وأتابع كل ما ينشر فيها منذ التحاقي بالحركة الإسلامية في تونس، وأوجه التحية لدولة الكويت أميرًا وحكومة وشعبًا، وأكرر الشكر الجزيل، معتذرين عن مواقف النظام التونسي البائد بحق الشعب الكويتي.

وأعبّر عن شعوري بالمودة تجاه الحركة الإسلامية في الكويت، وأشكر إخواني على هذه الزيارة، فهي بمثابة شرف لي وللحركة الإسلامية في تونس، ونشكرهم على دعمهم واهتمامهم بالقضية التونسية.

 

● وما خياراتكم في التعامل هذه الإشكالية؟

- نحن أمام خيارين:

الخيار الأول: هناك من يدفعنا للصدام مع هؤلاء ويطلبون منا التبرؤ منهم ومواجهتهم، وهذا منزلق خطير لن تقدم على فعله مطلقًا.

والثاني: أن الجواب والعلاج عندنا لهذا الأمر هو المزيد من الحريات والمزيد من الحوار والإقناع، فكلما أجرينا حوارًا مع هؤلاء الشباب وجدنا استجابة تدريجية، وكلما زاد الحوار زاد الاستقطاب إلى أن نقضي على تلك المشكلة الخطيرة.

وبصفتنا في موضع المسؤولية، لا يمكن أن نقبل فرض أي نوع من التفكير أو ممارسة الحد من الحريات سواء في الجامعة أو غيرها، فإخواننا السلفيون يريدون أن يفرضوا الزي الإسلامي حتى لو أدى الأمر إلى استخدام القوة، واليسار يعلم ذلك ويعلم نقطة الضعف التي عندهم، حيث يتجاهلون الأمن والدولة، ولكن في المقابل لا يمكن أيضًا أن نسقط في فخ اليسار الذي يروّج لمنع السلفيين من دخول الجامعة، فالدراسة حق للجميع، والامتحان حق للجميع حتى ولو كانت الفتاة منقبة.

 

نجحنا تقريبًا بأصوات ٥٧- 60% لكن لدينا 42% من المقاعد!!

 

لسنا مع التطرف اليميني ولا اليساري وبعض إخواننا السلفيين -غفر الله لهم- يتصرفون بعدم مسؤولية ونطالبهم بالرأفة بالشعب التونسي.

 

استفدنا من الحركات الإسلامية التي تمارس الإنتخابات وخصوصًا في الكويت.

 

قدرنا اليوم أن نكون بين كفتي الرحى.. ونحن على حذر تام من السقوط في الفخ.

 

● هناك اتجاه عارم لدى الشعوب الإسلامية بجعل الشريعة الإسلامية هي المرجعية، كيف تتعاملون مع هذا التوجّه؟

 - هذا الفهم للمرجعية الإسلامية هو الذي تبحث فيه، خصوصًا أن إخواننا في الحركة السلفية دعوا إلى مقاطعة الإنتخابات ومقاطعة حزب «النهضة» لأنها لا تحكم بشرع الله، قلنا لهم ما هو شرع الله؟ وهل تعتبرون أن الحريات مقصد من مقاصد الإسلام ولا يتعارض مع الإسلام؟ هل تعتبرون الدفاع عن المظلوم والفقير من شرع الله؟ هل تعتبرون أن خدمة الشعب وتوفير العيش والعمل والوظيفة وتوزيع الخيرات على كل أبناء الشعب ورفع الأمية والفقر.. هل تعتبرون ذلك يتعارض مع الشريعة؟

أليست هذه هي الشريعة؟ وهل الشريعة الإسلامية قاصرة فقط على تطبيق الحدود، وهذا هو أصل الشريعة ومقصدها؟ ولكن لا بد أن نمهّد لتطبيق الشريعة حتى يتقبلها الناس، فتطبيق الحدود له شروط، فليس من الأمر الهين قطع يد السارق في ظل الفقر المستشري في المجتمع التونسي.

وهناك من السلفيين من يروّج أن هناك تعارضا بين الإسلام والديمقراطية، وقد انطبعت لدى الكثير من المسلمين ورسخت في أذهانهم بفعل تلك الترويجات، حتى أن الغرب في حواره معنا يتساءل: هل أنتم تقبلون بالديمقراطية؟ فكنا نرد عليهم أن ذلك لا يتعارض مع الإسلام، ونحن نقوم بتأصيله ونحن استفدنا من الحركات الإسلامية التي تمارس الإنتخابات وتؤمن بمبدأ التداول على السلطة، وخصوصًا الحركة الإسلامية في الكويت.

كما أن الشيخ يوسف القرضاوي له قصب السبق في الدعوة لعدم التعارض بين الإسلام والديمقراطية، وكان يقوم بالإدلاء بصوته في الإنتخابات حتى يطبّق ذلك عمليًا، ليرسي بذلك الحكم الرشيد.

 

 

الرابط المختصر :