العنوان كيف انتصر الفلسطينيون سياسياً ونفسياً على الاحتلال الصهيوني؟
الكاتب رأفت مرة
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1977
نشر في الصفحة 42
السبت 19-نوفمبر-2011
● ظن الإسرائيليون أن عملية التبادل ستكون على غرار قرارات سابقة بالإفراج عن سجناء عاديين محكومين ببضع سنوات.. لكن الأرقام التي ذكرت والأعداد التي خرجت ونوعية الأسرى والمعتقلين جعلت الكيان الصهيوني يلتف بالسواد
أن يخسر الكيان الصهيوني معركة عسكرية، أو مواجهة مع مجموعة مقاتلة، فتلك مسألة طبيعية، أما أن ينهزم في عملية تبادل ويخسر سياسيا وإعلاميا وينحدر مساره إلى الحضيض في أيام معدودات، فتلك مسألة أخرى.
أيام قليلة، أقل من أسبوع، هي الأيام التي شعر فيها الكيان الصهيوني بالانتصار، يوم أعلن «نتنياهو» خبر إتمام عملية التبادل، لكن بعد ذلك تدهورت الأمور وانقلبت الأوضاع رأساً على عقب.
في ١٢/۱۰/٢٠١١م بعد يوم واحد من الإعلان عن عملية التبادل، كان «نتنياهو» رجل دولة، وزعيما نادرا، ورجلا قادرا على اتخاذ القرارات الصعبة، هكذا وصفه الإعلام الإسرائيلي، وهكذا امتدحه معظم السياسيين.
المجتمع «الإسرائيلي أبدى ارتياحه لخطوة «نتنياهو»، ولقراره بـ«إعادة الولد» جلعاد شاليط إلى منزل العائلة .. «نتنياهو» امتدح لأنه اتخذ قراراً عجز عنه سلفه «إيهود أولمرت» ووزيرته تسيبي ليفني»، ولأنه أثبت أن «الدولة» لا تفرط بأبنائها .
يوم ١٧/۱۰/٢٠١١م، يوم بدأت أسماء ونوعية الأسرى والمعتقلين المحررين من سجون الاحتلال تعلن انهار كل ما شعر به «نتنياهو» وتحطم ما بناه.
● أرقام
ظن «الإسرائيليون» أن عملية التبادل ستكون على غرار قرارات الحكومات السابقة بالإفراج عن سجناء عاديين محكومين ببضع سنوات، لكن الأرقام التي ذكرت، والأعداد التي خرجت ونوعية الأسرى والمعتقلين جعلت الكيان الصهيوني يلتف بالسواد .
۱۰۲۷ أسيرا فلسطينيا يخرجون على دفعتين، الأولى ٤٧٧ من بينهم ٢٠ أسيرة، حكموا بـ ۹۲ ألف عام، مسؤولين عن قتل ٥٩٦ إسرائيليا، منهم ۲۷۵ فرضت عليهم أحكام مؤبدة وفق المصادر الإسرائيلية». (المصادر الفلسطينية تذكر أنهم ٣١٥ وليس ٢٧٥) وفرضت أحكام بالسجن لـ ٢٥ سنة على ١٩٨ منهم، ومنهم ۲۷ حكموا لفترات تزيد على ٣٠ عاما .
● من هؤلاء ؟
من «حماس» ٢٧٦ أسيراً، من «فتح» ٤٨ أسيراً، من «الجهاد الإسلامي» ٢٠ أسيراً، من لجان المقاومة الشعبية ١٩ أسيرا، من «الجبهة الشعبية ٢٤ أسيراً، من الجبهة الديمقراطية 7 أسرى، وآخرون.
من بين هؤلاء أسماء لامعة وقيادات عسكرية وأمنية، واختراق أجهزة أمنية ومحاولات أسر جنود ونقل مقاومين لتنفيذ عمليات، وأبطال محاولات تصنيع صواريخ وتفخيخ عبوات، وما إلى ذلك.
منهم عامر أبو سرحان مطلق حرب السكاكين، في الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٨م، ومحمد الشرائحة أول من حاول أسر جنود صهاينة، وخلية عماد عقل من قطاع غزة التي تعرف باسم «مجموعة الشهداء.
● حرب نفسية
ما إن تلقى الجمهور الصهيوني أهوال الصفعة الأولى من الأسماء والأنواع، حتى جاءت اللحظة المشهدية الثانية، حيث برع الفلسطينيون في استثمار عملية التبادل الأرفع مستوى.
الفلسطينيون حولوا عملية التبادل إلى عملية انتصار، وعرس وطني كبير، وإنجاز سياسي عظيم.
أجواء فرح وسعادة الزينة علقت في الشوارع الحلويات توزع على الناس، فرق الرقص والدبكة تنتصب في الساحات الاحتفالات تعم القرى والمدن، مواكب السيارات تجول الشوارع الأناشيد تلعلع في الإذاعات المآذن تهدر بالتكبير اللاجئون الفلسطينيون في كل بلاد اللجوء انضموا إلى شعبهم في الداخل.
القوى الفلسطينية ذهبت أبعد من ذلك: احتفالات رسمية واستقبالات مهرجانات حاشدة استقبالات تليق بالأبطال.
إسماعيل هنية، رئيس الحكومة في قطاع غزة يرحب بالمحررين ويصافحهم فردا فردا وهم يعانقونه، ويحرصون على تقبيل رأسه.
خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لم حماس»، يستقبل ثلة من الأسرى في القاهرة، وقيادة الفصائل في دمشق تستقبل المحررين في عرس وطني.
النسوة الفلسطينيات يرقصن ويطلقن الزغاريد والأهازيج، بعضهن حمل الرشاشات في إشارة إلى استكمال مسيرة المقاومة.
الأسرى والمحررون يخرجون أقوياء عزيمتهم قوية ومعنوياتهم عالية يضعون شارة القسام» على رؤوسهم يفرحون ويقفزون.
في الضفة الأخرى.. المشهد حزين كتيب مخز: جلعاد شاليط يخرج من المعتقل ضعيفاً باهتا، ذليلا، يشد جسده شدا، مشتت الذهن وحين أراد أن يتكلم فاجأ «الإسرائيليين» بما قال: حماس أحسنت معاملتي كنت أنتظر الفرج، طال بقائي أتمنى الإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون.
كلمات نزلت كالصدمة على رؤوس الإسرائيليين، جيش الاحتلال ألبس «شاليط» زيا عسكرية لرفع المعنويات، لكن الزي العسكري أذل الجيش أكثر مما نفع.
نتنياهو حاول احتضان «شاليط» والشد على يديه، لكن المشهد جاء أسوأ من مشهد تمثيلي لمبتدئي التمثيل.
عائلة شاليط لم ترقص ولم تفرح أم شاليط لم توزع الحلوى، والد شاليط يخرج بعد يوم ويقول: إن ابنه لم يقابل الناس، بينما الأسرى المحررون طافوا أرجاء المدن، وقابلوا عشرات وسائل الإعلام.
حين جاء نتنياهو، ليعبر عن الأفق السياسي للعملية سقط وأساء لنفسه، فقال: إنه وجد الملف على الطاولة، وإنه يريد إعادة الولد»، هو يحاول أن يبرر الثمن.
● في السياسة
أجمع المحللون والمتابعون «الإسرائيليون» على أن الكيان الصهيوني انهزم في عملية التبادل.
يقول ناحوم بارنياع: «إنها صفقة يائسة .. صفقة لا خيار ... ويرى إيتان هابر»
رئيس مكتب إسحق رابين»: «إسرائيل خسرت المعركة أمام حماس ... ويرى «يورام كانيوك أن إسرائيل تنازلت عن أمور اعتبرتها مبدئية وغير قابلة للمساومة.. وقال عوفر شيلح: إن الصفقة تظهر لنا كم طول الطريق الذي قطعته «إسرائيل» في المنحدر من دولة تدار بموجة العقل إلى خليط من الأفراد توجههم المشاعر، لأن قائمة الأسرى المحررين تغلي الدم.
ويرى أمير أورن أن حركة المقاومة الفلسطينية والتزمت الإسلامي حقق نصراً كبيراً، لأنها صمدت «إسرائيل» وأخضعتها.
يضاف لهذه التعليقات أن مجموعة من الجنود الصهاينة انتقدوا الصفقة، وقالوا : إنهم لن يشاركوا مجددا في عمليات تهدد حياتهم ولن يكونوا مستعدين لخوض عمليات عسكرية لاعتقال الفلسطينيين.
● مكاسب لـ«حماس»
من يدقق في المواقف الإسرائيلية» يصل إلى استنتاج أن الإسرائيليين يعترفون أنهم قدموا لـ «حماس» وللفلسطينيين المكاسب التالية:
١- منحت عملية التبادل حركة «حماس» قوة سياسية، أثبتت «حماس» من خلالها أنها لاعب مهم وقوة إقليمية.
٢- عززت الصفقة وضع «حماس» في الضفة، من خلال إعادة ١٢٠ أسيرا بشكل مباشر أو غير مباشر.
٣- أثبتت أن منطق «حماس» المقاوم الرافض للتسوية الرافض للمفاوضات ونتائجها منطق صحيح
٤- أثبتت أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، ولا يقدم التنازلات إلا بالقوة.
٥- عززت عملية التبادل أسلوب أسر جنود صهاينة لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين.
٦- أعطت جماهيرية لحركة «حماس»، وبدأ مراقبون يتحدثون عن الانتخابات القادمة.
٧- كسرت العملية الخطوط الحمر التي وضعتها الحكومات الإسرائيلية سابقا .
باختصار، يلخص المعلق الصهيوني بن كابيت في صحيفة معاريف: كان مساء استسلام، مساء جثت فيه «إسرائيل» على ركبتيها أمام «حماس»، مساء تأكلت فيه قوة الردع والصمود «الإسرائيلية».