; جرام فوللر وإيان ليسر يقدمان رؤية جديدة للصراع بين الإسلام والغرب (1 من 3) | مجلة المجتمع

العنوان جرام فوللر وإيان ليسر يقدمان رؤية جديدة للصراع بين الإسلام والغرب (1 من 3)

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

مشاهدات 72

نشر في العدد 1165

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

  • أسباب الخوف الغربي من الإسلام

عرض وتقديم: د. أحمد يوسف وحسین نصر- واشنطن

في غمار التدفق المبالغ فيه للكتابات الغربية التي تربط الإسلام بالعنف من جانب، وتسوق فكرة العداء والخصومة التاريخية والحضارية بين الإسلام والغرب من جانب آخر، في غمار هذا التدفق يكون صدور دراسة موضوعية تخرج من أسر هذه الفكرة وتوضح مناطق اللقاء بين الحضارتين الإسلامية والغربية حدثًا كبيرًا في حد ذاته، فما بالنا إذا كانت هذه الدراسة تنفي إلى حد كبير الصراع المزعوم، وتناقش الإسلام كبديل حضاري محتمل وليس كعدو يريد القضاء على الغرب بحضارته وناسه وأفكاره!

والدراسة التي نقدم لها في ثلاث حلقات هي لكاتبين عُرف عنهما شغفهما الشديد بدراسة الظاهرة الإسلامية، هما:

وتتألف «IAN LESSER» وإيان ليسر «GRAHAM FULLER» جراهام فوللر من سبعة فصول، إضافة إلى المقدمة والخاتمة، وتتميز في تقسيمها بالتناول المنهجي المتوازن من خلال المقارنة، أو بمعنى أصح المقابلة بين رؤية كل طرف للطرف الآخر، أي رؤية الغرب للإسلام، ورؤية الإسلام للغرب.

*في الجزء الأول: يعالج المؤلفان ما يطلقان عليه «الفرضيات التاريخية والسيكولوجية بين الشرق «المسلم» والغرب «المسيحي»، وذلك من خلال قسمين:

يتناول الأول: مفهوم الغرب للإسلام.

والثاني: مفهوم الإسلام للغرب، وينطلق هذا الجزء من إيمان المؤلفين بأن العلاقات بين الحضارتين تحمل ميراثًا تاريخيًّا ضخمًا من اختلاف الرؤى حول التاريخ والمعتقدات والمفاهيم، ويؤكدان في هذا الصدد أن الطرفين لا يحملان بالتساوي ضغائن وخلافات ضد بعضهما بعضًا، وأن الإعلام الغربي والسياسات الغربية قد عمقا مخاوف المسلمين إزاء الغرب، وقيمه بدرجة أكبر نسبيًّا من مخاوف الغرب من الإسلام.

*ويتناول الجزء الثاني من هذه الدراسة: المعضلات السياسية المعاصرة التي تواجه الطرفين، ونقاط الاحتكاك الشديد بينهما، كما يقارن مفهوم كل منهما للمصالح والأهداف القومية، ومن بين الموضوعات التي يبحثها هذا الجزء: الإرهاب، اللاجئون، سياسات الإمدادات النفطية، التدخلات العسكرية الغربية، حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، والسياسات التجارية، مع ملاحظة أن معظم هذه الموضوعات غير قاصرة فقط على العلاقات بين الإسلام والغرب، ولكنها تحمل في ثناياها الكثير من المخاوف والمرارات بين الغرب ودول العالم الثالث ككل.

وينقسم هذا الجزء إلى قسمين الأول: يتعلق بالمعضلات والمخاطر التي يشكلها الغرب تجاه الإسلام. 

والثاني: يتعلق بالمعضلات والمخاطر التي يشكلها الإسلام تجاه الغرب. 

*أما الجزء الثالث: فيتناول البعد الديني في العلاقة بين الإسلام والغرب، وذلك من خلال الإجابة عن عدة تساؤلات محورية مثل: إلى أي مدى تؤثر مفاهيم الدعوة الإسلامية لنشر العقيدة 

 على المواجهة مع الغرب؟ وما هي آفاق التضامن «HOLY WAR» الحرب المقدسة والجهاد والاتفاق الإسلامي حول هدف واحد مشترك، بما في ذلك الاتحاد ضد الغرب؟

وأخيرًا ينظر هذا القسم من الدراسة في ظاهرة المسلمين في الغرب، وما وراء مسألة هجرتهم وإمكانات وحدود التأثير المتوقع من المسلمين في الغرب على مستقبل العلاقات بين الثقافتين الإسلامية والغربية؟ وهل يقود وجود المسلمين في الغرب إلى مزيد من التفاهم أم إلى مزيد من الاحتكاك؟ وما هو تأثير حياة المسلمين في الغرب على تطور مجمل التفكير الإسلامي؟ ويعتقد المؤلفان أن تجربة المسلمين المقيمين في الغرب قد تكون مؤشرًا هامًّا لمعرفة نوع التغييرات التي ستشهدها المجتمعات الإسلامية في الشرق الأوسط مستقبلًا.

*ويتناول الجزء الرابع: البعد الاستراتيجي في العلاقة، وفيه يحاول الكاتبان استجلاء المعالم الرئيسية البارزة على الخطوط الجيوبوليتيكية «الجغرافية- السياسية» الفاصلة بين العالمين الغربي والإسلامي، والحدود الفاصلة بين الأقاليم الإسلامية وغير الإسلامية، وكيف تتداخل وتتطور تلك الخطوط، ويطرحان تساؤلًا حول ما إذا كانت هناك «استراتيجيات ثقافية» متنافرة بين العالم الإسلامي والغرب، وإلى أي مدى يمكن للجانبين أن يتوصلا إلى اتفاق حول مسائل الأمن والاستقرار؟

*وفي الجزء الخامس: يستعرض الكاتبان بعض الملاحظات الختامية، ويقدمان مقترحات أو نصائح لصناع القرار في الغرب بصفة عامة وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وأول تلك النصائح هي ضرورة تفادي الحلول السهلة والمبسطة، والنظر إلى المشكلة بأنها غير قابلة للحل، وتفضي إلى صدام حضاري محتوم. ويقرر الكاتبان أن موضوع صراع الثقافات رغم أنه قد يثير فضول الطلاب الدارسين، فإن تناوله على المستوى السياسي يُعد تهربًا من مواجهة حقائق الواقع المُعاش، فرغم أن الاختلافات والفوارق الثقافية موجودة ولا مراء في ذلك، فإن هناك اعتقادًا واهيًا بأن الإرث المتنافر للثقافات لا يعطي حلولًا، بل يصب في مصلحة الأصوليين، وذلك بتضخيمه الصورة الغرب العدائية.

إن الأسئلة الأكثر أهمية التي يطرحها هذا الكتاب هي: 

1- ما هي المسائل الرئيسية المعرضة للخطر بين دول إسلامية بعينها وأخرى غير إسلامية لا ترتبط بالإسلام؟ وهل هذه المشكلات آخذة في التفاقم أم في طريقها إلى الزوال؟ 

2- إلى أي مدى يمثل الإسلام عاملًا في المواجهة بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية؟ وما السيناريوهات المحتملة لدور الإسلام في تقليل أو زيادة درجة المواجهة؟ 

3- إلى أي درجة يتوقع للتضامن الإسلامي أن ينمو، وحول أي الموضوعات سيتعزز هذا التضامن؟ وما هي السياسات التي ستتبناها الدول الإسلامية تجاه الغرب؟ في المقابل، ما هي العوامل التي ستؤدي إلى إضعاف التضامن الإسلامي، وتقلل من احتمالات قيام موقف إسلامي مشترك تجاه الغرب؟

4- ما هي العوامل الرئيسية من المنطلق الثقافي- الديني التي قد تؤدي إلى تعقيد العلاقات بين الدول الإسلامية والغرب؟

5- ما هي تجربة المسلمين في الخارج؟ وإلى أي مدى يتأثرون بتيارات العلمانية، أو يؤثرون

في علمنة الدول الإسلامية؟ 

6- ما هي التوصيات التي يمكن الخروج بها لمنع المواجهات الإقليمية المحلية حتى لا تأخذ طابع المجابهة الشاملة ضد الإسلام؟

أي إسلام.. وأي غرب؟

بعد هذا العرض الموجز لمحتويات الكتاب والأسئلة التي يحاول المؤلفان الإجابة عنها، يبدو من المفيد الإشارة لبعض الأفكار المحورية التي تضمنها. 

ولعل من أهم ما يطرحه المؤلفان منذ البداية، هو التساؤل عن أي إسلام، وأي غرب يتم الحديث عنه، ففي رأيهما أنه ليس هناك «إسلام»، ولا هناك «غرب»، فهذه مصطلحات مجردة جاهزة نستعملها، ولكنها في نهاية الأمر تعني معاني مختلفة لأناس مختلفين في أزمان مختلفة، وفي ظل ظروف مختلفة، ولذلك فإن من أهداف الكتاب تحديد المقصود بكل من الإسلام، والغرب، حتى يمكن معالجة «مشكلة الإسلام والغرب» معالجة موضوعية، وهنا يقول الكاتبان: «إننا نستعمل «الإسلام» هنا داخل قوسين لسبب بسيط، وهو أنه ليس هناك إسلام بعينه يمكن تناوله كقوة واحدة مترابطة ومتماسكة ذات شخصية مميزة، فهناك مصادر عديدة للتشريع والقانون الإسلامي كالقرآن «الكريم»، والحديث «الشريف»، والاجتهاد، وغيره من النصوص الفقهية والممارسات التاريخية، إضافة إلى أن هناك سنة وشيعة في الإسلام، ولكل من المذهبين فروع مختلفة ومدارس فقهية متنوعة، وثروة من المذاهب الصوفية، والعادات الإقليمية، والعديد من الاختلافات بين القيادات التاريخية في مختلف البلدان الإسلامية عبر ثلاث قارات رئيسية، وفي أجواء ومناخات متنوعة، والتي تشكل في مجملها عالم «الإسلام»، وهكذا فإن الإسلام -من وجهة نظرهما- لا يشكل هوية أو شخصية واحدة تمامًا مثلما أن مفهوم الغرب متنوع أيضًا».

هل الصراع حتمي؟

بعد ذلك يطرح الكتاب فكرة الصراع بين الإسلام والغرب متتبعًا جذورها التاريخية ومتسائلًا عن صحتها، وهنا يقول: منذ نهاية الحرب الباردة أصبح من المألوف التكهن بأن الصراع الأيديولوجي القادم في العالم قد يكون بين «الإسلام» و«الغرب»، وقد استند هذا التكهن على اعتقاد أن من الحتمي والضروري أن يكون هناك ندٌّ أو عدو جديد سوف يتحدى المجتمعات الغربية، وهذا الاعتقاد ليس خاطئًا برمته، لأن الغرب -وبصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية- بقوته الحقيقية في المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، يوحي بالقوة والاقتحام، وبطبيعة الحال فإن هيمنة الغرب على العالم من شأنها أن تولد نوعًا من رد الفعل المعاكس.

لقد كان انهيار الاتحاد السوفييتي مدعاة لقلق معظم دول العالم الثالث، ولم يكن ذلك بسبب حب خاص للنظام الشيوعي القديم، بل لأن الاختفاء المفاجئ لموسكو من السياسة الدولية قد قلل من فرص الدول الصغيرة، والتي اضطرت للإبحار في مياه السياسة الدولية التي تسيطر عليها قوة عظمى واحدة أو كتلة غربية، وإذا ما نظرنا في التكوين الأيديولوجي العالم اليوم والفراغ الذي تركه غياب الاتحاد السوفييتي عن الساحة، فإنه ليس من المستغرب أن نتوقع قيام نوع من رد الفعل الأيديولوجي لخلق نوع من التوازن الأيديولوجي وتصحيح هذا الخلل الاستراتيجي، وملء الفراغ الذي حدث بسبب زوال التوازن السوفييتي لقوة الغرب، هل يستطيع الإسلام أن يملأ هذا الفراغ؟ ولماذا يُنظر إلى الإسلام دائمًا کندٍّ سياسي وأيديولوجي للغرب؟

يجيب المؤلفان عن ذلك بالقول: إن هناك أسبابًا عديدة تطرح نفسها في هذا السياق، ويمكن تلخيص هذه الأسباب كما يقدمها المؤلفان في: 

1- التاريخ الطويل من المواجهات بين المسيحية والإسلام، والذي يعود إلى ثلاثة عشر قرنًا مضت، إذ تميزت العلاقة بينهما بالمواجهة المستمرة، ففي التاريخ الحديث لم ينس العالم الإسلامي الإمبريالية الغربية واستعمارها لمعظم البلدان الإسلامية، حتى لو نظرت القوى الغربية إلى تلك الفترة باعتبار أنها فترة مضت وعفا عليها الزمن، ولا تتماشى مع معطيات التاريخ المعاصر.

2- إن الإسلام يمتاز عن غيره من الديانات السماوية وغير السماوية بوحدة مؤسسية عميقة، وارتباط عضوي قوي بين الدين والمجتمع، وهذه الميزة الفريدة تجعل من الإسلام قوة حقيقية لها قابلية أكثر على البقاء، والاستمرارية كقوة ثقافية متميزة عن الغرب وعصية على الاختراق من قبل المؤثرات الغربية.

الأصولية الإسلامية.. الوهم والحقيقة

إضافة إلى ما سبق، يشير المؤلفان إلى ظهور ما سُمي بالأصولية الإسلامية كعامل مهم في تنبؤ البعض بحتمية الصراع الغربي مع الإسلام. لقد برزت «الأصولية الإسلامية» 

» وهي -كما يعترف الكاتبان- مصطلح فقير وغير دال، باعتبارها القوة FUNDAMENTALIS«

الوحيدة في العالم الأكثر عداء للغرب خلال العقدين الماضيين، خاصة بعد زوال الشيوعية. كما قدمت الدول الإسلامية إلى الغرب عددًا من القيادات و«الشخصيات المكروهة» من جانب الغرب مثل: جمال عبد الناصر، معمر القذافي، آية الله الخميني، وصدام حسين، الأمر الذي أدى إلى تزايد الخوف الغربي من الخطر الإسلامي القادم.

ومع انهيار الشيوعية، لم يعد هناك -وفقًا للمنظور الغربي- أي معتقد شامل يجمع بين شعوب في مساحات جغرافية شاسعة، ويمثل تحديًا حقيقيًّا للغرب سوى الدين الإسلامي، وكان مما زاد من هذا التحدي، أن منطقة الشرق الأوسط كانت وما زالت أكثر مناطق العالم تعرضًا للتدخلات العسكرية الغربية خلال العقود القليلة الماضية، هذا إلى جانب أن «إسرائيل» نفسها تعد قوة غربية في منطقة الشرق الأوسط، سواء في شخصيتها أو في الدعم الذي تجده من الغرب.

لقد أدت كل هذه الاعتبارات والأسباب إلى أن يستقر الإسلام في أذهان العديد من المراقبين الغربيين باعتباره أكثر قوة مرشحة لمعارضة المصالح الغربية في مناطق عديدة من العالم، وفي نظر بعض المراقبين فإن الصراع المتوقع بين المصالح «الإسلامية» والمصالح «الغربية» قد بدأ يأخذ شكل المواجهة بين أكثر نظامين حضاريين كبيرين متعارضين. 

الرابط المختصر :