العنوان مشروع الشرق الأوسط الكبير المزعوم يواجه الفشل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2004
مشاهدات 180
نشر في العدد 1600
نشر في الصفحة 7
السبت 08-مايو-2004
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112)
تطورات الأحداث المتلاحقة في العراق على امتداد أكثر من عام تشير إلى أن مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي روجت له الآلة السياسية والإعلامية الأمريكية قبل الحرب على العراق وبعدها يواجه التقهقر، فالمعطيات والوقائع الموجودة في الساحة تصب في هذا الاتجاه، وقد بدأت وسائل الإعلام الغربية تتناول ذلك بمزيد من التحليل والانتقاد، فصحيفة الجارديان الصادرة في 2044/4/15 اعتبرت أن واشنطن والدول الغربية بصفة عامة لم تع الدروس المستفادة من حرب فيتنام، وأن الاستعماريين المحررين تجاهلوا كافة الدروس التي استوعبتها الولايات المتحدة قبل نصف قرن؛ ليقحموا أنفسهم في مستنقع العراق.
ويهمنا أن نؤكد أن زوال حكم الطاغية صدام حسين قد أراح المنطقة كلها من شروره ونزواته ومغامراته، وأن وجود هذا الحكم البائد قد جر الشر والبلاء على العباد والبلاد، لكن المتابع لتطورات الأحداث يكتشف أن الأمور سارت بعد ذلك نحو احتواء المنطقة كلها في إطار ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط، والذي أصبح اليوم يواجه التعثر إن لم يكن الفشل على أصعدة مختلفة.
فعلى الصعيد العسكري بدأت جبهة التحالف في التفكك ببدء إسبانيا أحد الحلفاء الرئيسين سحب قواتها من العراق، ثم إعلان النرويج العضو في حلف شمال الأطلنطي رفض طلب أمريكا الإبقاء على قواتها إلى ما بعد نهاية يونيو القادم موعد انسحابها المحدد، وقد تزامن ذلك مع تقديم وزير الدفاع الدانماركي استقالته بعد تعرضه لانتقادات عنيفة؛ بسبب موقفه من الحرب في العراق.
وكانت المفاجأة في إحجام بريطانيا الحليف الرئيس عن إرسال قوات إضافية للعراق بعد أن رفض القادة العسكريون البريطانيون تسلم الإشراف على مناطق انتشار القوات الإسبانية المنسحبة، وذلك وفق ما نقلته صحيفة الجارديان البريطانية في 2004/4/29 عن مصدر حكومي بريطاني.
يأتي ذلك في الوقت الذي يزداد فيه الوضع العسكري تعقيدًا دون ظهور أي بوادر على استقرار الوضع في العراق أو ملامح محددة لمستقبل القوات المحتلة هناك.
على الصعيد السياسي بدأت المواقف الأمريكية والبريطانية السياسية التي اتخذ على أساسها قرار شن الحرب على العراق تتعرض لانتقادات حادة من داخل الإدارة الأمريكية ومن داخل المؤسسة السياسية البريطانية، بل إن المسؤولين اعترفوا في بعض المواقف بخطئهم، فقد أقر وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في تصريحات صحفية خلال عودته من زيارته الأخيرة لبروكسل بأن «الولايات المتحدة قدمت معلومات غير مؤكدة للأمم المتحدة قبل بدء الحرب على العراق»، متراجعًا بذلك عن أدلة كان قدمها بنفسه أمام مجلس الأمن قبل الحرب.
وقد بدأ عدد من الإعلاميين الأمريكيين في انتقاد الطريقة التي عالجت بها وسائل الإعلام الأمريكية الحرب على العراق، واعتبروا أن الإدارة الأمريكية خدعت الإعلام من خلال تقارير الاستخبارات التي كانت تروجها، وتساءل الكاتب الأمريكي مايكل ماسينج لوكالة الأنباء الفرنسية يوم الأحد الثاني من مايو الجاري: أين كنا قبل الحرب؟ ولماذا لم نعرف المزيد من هذه الأكاذيب؟
وقال الكاتب روبرت شير من صحيفة «لوس أنجلوس تايمز »: «إن هذه المرحلة كانت عارًا على وسائل الإعلام الأمريكية».
وفي بريطانيا وجه أكثر من خمسين من الدبلوماسيين البريطانيين السابقين رسالة انتقاد شديدة اللهجة إلى رئيس الوزراء توني بلير عن سياساته في الشرق الأوسط وبالتحديد في فلسطين والعراق، وقال الدبلوماسيون - وهم سفراء ومندوبون سامون ومسؤولون دوليون -في رسالتهم: «راقبنا بقلق عميق تلك السياسات التي اتبعتها بشأن الصراع العربي الإسرائيلي والعراق بتعاون وثيق مع الولايات المتحدة».
وقال الدبلوماسيون: لقد أوضحت مجريات الحرب أنه لم يكن لدينا خطة لعراق ما بعد صدام، وقد أثبتت الأيام صدق ما تنبأ به بعض العارفين منا بشؤون المنطقة من شراسة المقاومة.
وعلى الصعيد الإنساني فقد أثبتت الأحداث على أرض الواقع أن شعار الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان الذي جاءت به إلى العراق، وإلحاح الآلة الإعلامية على أن الولايات المتحدة عازمة على جعل العراق نموذجًا في الحرية والديمقراطية للشرق الأوسط الكبير، أثبتت الأحداث أن شيئًا من ذلك لم يتحقق، وإنما العكس هو الذي يجري، وما فضيحة تعذيب المعتقلين العراقيين بالطريقة المهينة والمقززة التي كشفت عنها وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية مؤخرًا إلا دليل دامغ.
في ضوء ما سلف فإنه يمكننا القول: إن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي روجت له الآلة السياسية والإعلامية الأمريكية كثيرًا قبل احتلال العراق وبعده، ملوحة بحتمية تطبيقه، زاعمة أن هدفها إحداث إصلاحات شاملة في المنطقة، هذا المشروع أصبح يواجه الفشل، كما أن مبادئه وشعاراته البراقة انكشفت وبانت وثبت عكسها تمامًا.
ومن هنا فإننا نضم صوتنا إلى كثير من الأصوات داخل الولايات المتحدة وفي الغرب والعالم العربي والإسلامي لدعوة الإدارة الأمريكية لإعادة النظر في مشاريعها وخططها حيال المنطقة، وأن تبلور رؤية جديدة للتعامل مع العالم العربي والإسلامي تقوم على حوار الحضارات وليس تصادمها، وتقوم على العدل والإنصاف بين الشعوب لا على الجور ونصرة العدوان، وتقوم على احترام الشرعية لا على انتهاكها، وتقوم على تبادل المصالح لا على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وعلى أمريكا أن تقف من القضية الفلسطينية - قضية العرب والمسلمين - موقف العدل والإنصاف لا موقف التحيز والظلم ودعم «إسرائيل» في توسعها واحتلالها الأراضي العربية وتشريد أهلها وتدمير مدنهم وقراهم.
إذا وقفت أمريكا من تلك القضايا موقف العدل والإنصاف، فإن ذلك لا شك سيساهم في إنهاء حالة الكراهية والبغضاء التي تسود مناطق كثيرة حيال أمريكا وهو ما يحقق في النهاية الاستقرار والسلم في المنطقة والعالم أجمع .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل