; المجتمع الثقافي (1615) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1615)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الجمعة 27-أغسطس-2004

مشاهدات 81

نشر في العدد 1615

نشر في الصفحة 50

الجمعة 27-أغسطس-2004

القلعة الأخيرة

مسرحية ذات فصل واحد

محمد علي البدوي

ما الذي يحدث في القلعة الأخيرة. مؤامرات مؤتمرات!! تساؤلات!! تنازلات!! خطر داهم.. وشر قادم!! تلك هي الحكاية:

«1»

«صراخ واضطراب وجماعة من الناس في حركة دائبة، يشاهد أمير القلعة وهو يوجه الناس إلى الداخل وخلفه بعض الجنود».

الأمير: «صارخًا في الناس».. إلى الداخل. تحصنوا في الداخل.. إلى الداخل.

أحد الجنود: لقد تكامل الناس في الداخل يا مولاي.

الأمير: وكيف تسير الأمور هناك؟

الجندي: إنه يوم الروع يا سيدي.

الأمير: وفي الخارج؟!

الجندي: الأعداء في الطريق إلينا.

الأمير وكم أمامهم من الوقت للوصول؟

الجندي: ليس أقل من أسبوعين أو ثلاثة

الأمير: حسنًا.. أغلقوا حصون القلعة جيدًا وشددوا الحراسة عليها.

الجندي: سنفعل.. يا سيدي

الأمير: احذر أن تؤتى القلعة من قبلك.

الجندي: أمرك يا سيدي

الأمير: واحذر الخونة.. إنهم الصف الخلفي للأعداء دائمًا.

الجندي اطمئن. «يخرج»

الأمير وأنت يشير إلى أحدهم اطلب لي العلماء والقادة للاجتماع في داري جندي آخر الآن يا مولاي.

«يخرج»

الأمير «صارخًا»: هيا.. حصنوا القلعة وتحصنوا بها... الأعداء قادمون قادمون «يخرج».

«2»

«في مجلس أمير القلعة يظهر الأمير وقاضي القضاة. شيخ طاعن في السن. وإمام المسجد. شاب يتوقد قوة وحماسة والسيد المفكر رجل في الأربعين من عمره. ومجموعة من الطلاب أتباع الإمام».

الأمير: أيها القوم: تعلمون جيدًا ما حل بإخواننا في الممالك المجاورة، لقد سقطت في أيدي الأعداء وهم الآن في طريقهم إلينا.

الإمام: إنهم يبتلعون بلاد الإسلام دولة دولة.

القاضي: يأتمرون ويستعمرون.

الأمير: وقد اجتمعنا هنا لبحث هذه الكارثة القادمة.

القاضي: اللهم انصر أمير قلعتنا وأيده بتأييدك. الجميع: آمين.

المفكر: مولاي.. هون عليك لم يصل الأمر إلى هذا الحد بعد.

الإمام: وي!! وإلى أي حد تريده أن يصل أيها المفكر المخرب؟

المفكر: كل ما في الأمر أن لهم مطالب وعلينا واجبات.

الإمام: ومن يملي هذه الواجبات؟! المفكر: الطرف الأقوى.. طبعاً.

الإمام: نحن الأقوى.. بديننا .

الطلاب مرددين: الله أكبر الله أكبر . المفكر: ظواهر صوتية !!

الإمام «للأمير دعك منه يا مولاي إنه صنيعة الأعداء وربيبهم.

المفكر أنا !! أيها المتطرف المتجهم.

الإمام: نعم أنت يا سمسار الأعداء، لقد تعلمت في مدارسهم وجئت إلينا بسمهم ودسمهم.

الطلاب: «مرددين» الله أكبر.. الله أكبر

المفكر: هكذا أنت دائمًا وأبدًا لا تنظر إلا بعين واحدة.

الأمير «محتدً»: اصمتوا جميعًا.

القاضي: اهدؤوا .. «للإمام»: أيها الإمام عليك بالصبر والحكمة

الإمام الصبر والحكمة!! إلى متى؟!

القاضي إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا

الأمير: كان عليك يا إمام أن تتريث وأن تسمع للآخر.

الإمام: لقد سمعنا حتى أتخمنا!!

المفكر: «للإمام»: إنك من يثير الأعداء علينا.. فأفكارك المتطرفة وأفعالك الصبيانية.

الإمام «للمفكر»: بل أنت من يرغبهم في بلادنا بزعم التقدم والحرية يا سمسار الاستعمار.

الطلاب «مرددين بصوت واحد» لا صلح ولا حوار مع سمسار الاستعمار.. لا صلح ولا حوار مع سمسار الاستعمار.

الأمير «مقاطعًا»: قلت لكم توقفوا.. توقفوا.. هل جئنا هنا لبحث مصيبة الخارج أم مصائب الداخل.

القاضي: كان الله في عونك أيها الأمير.. وأيدك وسددك.

الأمير: لم نسمع لك رأيًا فيما يحدث هنا يا قاضي القضاة.

الإمام في «سخرية»: يكفيه كثرة الدعاء لكم والصلاة عنكم.. أيها الأمير.

القاضي: ماذا تقصد يا إمام؟ ابن عن قصدك

الإمام: أقصد كفاك زهدًا وتقوقعًا في صومعتك وانزل إلى الشارع لتسمع نبض الناس ولترفع عنهم الظلم الواقع بهم.

الأمير: وأي ظلم تقصد؟!

الإمام: هذه الإتاوات التي أرهقت الناس والأموال السائبة التي تزهق هنا وهناك.. إننا إذا انتصرنا على أنفسنا فسننتصر على أعدائنا.. يا مولاي.

الطلاب: «مرددين» الله أكبر.. الله أكبر.

المفكر: أرأيت؟ أسمعت يا سيدي؟ حتى قاضي القضاة لم يسلم من شره، حتى أنتم في دائرة اتهاماته واهتماماته.

الأمير: ويحك!! ماذا تقول؟

المفكر: «ينفرد بالأمير ويهمس إليه»... إنه يرمي إلى هدم السلطة ويهدف إلى قلب نظام

الحكم، انظر إليه.. إنه يحرض الناس ويحقنهم

ضدكم... يا مولاي الأمير: وكيف ذلك؟!

المفكر: اسمع إلى مفرداته الظلم الاجتماعي الأموال السائبة. العدالة ... ثم انظر إلى اتباعه وطلابه إنهم رهن إشارته.. وغدًا .. ينقضون عليكم كالأسود الضارية.

الأمير: الويل له!!

المفكر إنها الحقيقة.

الأمير: سأنادي على القاضي «يشير إليه بيديه في صمت».

القاضي: ماذا هناك يا مولاي؟

الأمير: ماذا تقول في أمر هذا الإمام؟

القاضي: أقول يا...

المفكر: «مقاطعًا»: وماذا عساه أن يقول؟ لقد تهجم عليه في حضرتك ونال من هيبته.

القاضي: هذا صحيح.. إنه إمام لا يحسن الأدب مع القضاة.

الإمام: «متدخلًا بينهم»: حنانيك.. يا سوسة النخلة الحمراء.

المفكر للأمير: مولاي.. اضرب ضربتك الكبرى.. وتغد به قبل أن يتعشى بك.

الأمير: «للجند»: أيها الجند .. أيها الجند.

الجند: أمر مولانا الأمير

الأمير: خذوا هذا الإمام وألقوه في غياهب السجون بتهمة تحريض الناس

الإمام: «في رجاء»: مولاي!!

الأمير: إنني أطفئ نار الفتنة.

الإمام: مولاي.. ستنهار الأسوار.. ستنهار الأسوار.. ستنهار.

المفكر: خذوه... امنعوا هذا الصوت كمموا تلك الأفواه.. أوقفوهم جميعًا.

الإمام والطلاب: الله أكبر.. الله أكبر.. ستنهار الأسوار.. ستنهار الأسوار.. ستنهار

«يمسك الجند بالإمام وطلابه ويخرجونهم وسط الصيحات والتكبيرات».

الأمير: ولكن!! الأعداء قادمون.. قادمون.. أيها المفكر

المفكر: أعداء! أعداء! نحن الذين صنعنا منهم أعداء.

الأمير: إنك تتحدث بالأحاجي والألغاز.

المفكر: إنهم مجرد أصدقاء وصدقني.. صدقني يا مولاي ما دمنا معهم فلن يصلوا إلينا.

القاضي وهل تريدنا أن ندين بدينهم... أيضًا؟

المفكر: لا.. أيها الشيخ الفاضل الحكيم.. ومن يقول هذا؟! ولكن نشرع لهم أبوابنا وبيوتنا ونسمح لأبنائنا بتداول ثقافاتهم ونخفف من حدة الغضب نحوهم.

الأمير: وكيف ذلك.. والناس في القلعة يبغضونهم.. لا سيما وقد فعلوا في إخواننا في الممالك المجاورة ما فعلوا؟

المفكر: علينا أن نهتم بالجيل القادم من الناس يا مولاي.. أعداؤنا ... اقصد: أصدقاؤنا يتمنون لو تربت أجيالنا القادمة على حبهم والتسامح معهم.

الأمير: وهل ستأمن شرهم؟

المفكر: إننا نحاول ترويضهم واستئناسهم وسننجح.. يا مولاي.

الأمير: حسنًا.. افعل ما تراه مناسبًا أيها المفكر.. لقد جعلتك منذ اليوم مستشارًا للقلعة.

المفكر: «في دهاء» إنها ثقة غالية وأنا أستحقها يا مولاي.

القاضي: اللهم اعز السلطان.. وآل السلطان.. وآل آل السلطان

الجميع: آمين.

 

كتاب الأمة

الخطاب التربوي الإسلامي

في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، صدر كتاب الأمة المائة تحت عنوان «الخطاب التربوي الإسلامي».

هذا الكتاب.. مساهمة نقدية للواقع التربوي، من أستاذ أكاديمي وباحث مخضرم أحزنه هذا الواقع، بحيث امتد به النقد للأطروحات والرسائل العلمية في مجال العطاء الأكاديمي، ذلك أن عدم وضوح الفلسفة التربوية وغياب المنهج، والإشراف المتخصص، والموضوع المدروس المجدي، يؤدي إلى الكثير من التعميم، واختلاط الرؤية ودخول الشأن التربوي من يحسن ومن لا يحسن، حيث تبقى الخطورة كل الخطورة عندما يتحول من يتصدرون للحل إلى مشكلات.

إن الكثير من مشاريعنا وأفكارنا يتطلب عمليات نقدية شديدة، وأحيانًا قاسية، لعلها تحرك الرواكد، وتصوب الخطوة، وتبني ثقافة المراجعة والمقارنة والحوار... والناقد هو الناصح. والدين النصيحة. والشريك الأساس في عملية النهوض.

والخطاب التربوي الإسلامي هو اجتهاد بشري يجري عليه الصواب والخطأ.. هو بطبيعته وبشريته قابل دائماً للنقض والنقد والإلغاء والتعديل والتطوير، ولعله أكثر المجالات حاجة إلى النقد، ونقد النقد، لأن الركود يكرس التخلف.

ولابد أن نعترف بأن التربية بكل أبعادها ومجالاتها، هي أشبه بالوسيط الكيميائي، الذي يحدث التفاعل المطلوب، ويعيد صياغة الأمة ويؤهلها لكيفية التعامل مع قيمها وتوظيف مكانها الحضاري... إن الخطاب التربوي الإسلامي: منهج صناعة الإنسان المتغير المتطور والمتنامي المتسامي، الذي يجب أن يعيش عصره، ويتأهل لفهمه وكيفية التعامل معه منطلقًا من وحي السماء.

 

الحداثة العربية

د. عدنان علي النحوي

هل من منجزات الحداثة ما نراه في فلسطين والعراق وأفغانستان.. وما رأيناه في هيروشيما وناجازاكي؟

 

«... لا يجب أن نسمح لأحد بأن يسلبنا المبادرة.. علينا نحن أن نعمل على تحقيق التقدم والمساواة وحقوق الإنسان، ورفض الإجابات الجاهزة لغة الماضي التي تسحقنا...».

بهذه الكلمات، افتتح مؤتمر المؤسسة العربية للتحديث الفكري التي تمت ولادتها رسميًا في بلاد المسلمين، بعد أن كانت حينًا من الزمن في سويسرا.

«المؤسسة» تنهض لتعلن ولادتها من بيروت، وتقيم مؤتمرًا ضخمًا تحت عنوان الحداثة والحداثة العربية «1» يشهده العاملون للحداثة من مصر وسورية ولبنان وليبيا والأردن وتونس والمغرب وغيرها، يمثل هذه البلاد رجال عرفوا باتجاههم الحداثي الذي يسمونه تنويرًا. وفي الكلمات التي ألقيت في المؤتمر أجمع الرأي على أن الجسم مريض كله، وأن هدف المؤسسة: «إحياء المشروع التنويري على المستوى الفكري»، وقالوا: «إن الذي نحن فيه ليس إغماءة ولكنه موت عيادي ..... وهل عملية التنوير التي يريدونها تحيي الموتى من الموت العيادي؟ أم توقظ الغفاة الغافلين؟! وهل هم واثقون من أن المرض لم يمسهم وإنما مس غيرهم، وأنهم هم معافون؟!

ويقولون: إن أهداف المؤسسة هي «الإسهام في تطوير فكر وثقافة عربيين تقدميين وإنسانيين وتنشيط الإبداع الثقافي من خلال الانفتاح على منجزات الحداثة في العالم».

هو إعلان صريح عن أن القضية قضية عربية فقط، قضية يراد أخذها من الغرب من منجزات الحداثة في العالم، لتصبح عندنا ثقافة تقدمية إنسانية وأعجب أن يصدر هذا عن رجل لم تصبه إغماءة ولا مات موتًا عياديًا. أعجب كيف يرجو التقدم والإنسانية من منجزات الحداثة في العالم. وهل هذه المنجزات غير ما نراه في فلسطين والعراق وأفغانستان وإفريقيا، وما رأيناه في هيروشيما وناجازاكي ودول أمريكا اللاتينية، بل في ديارهم هم في أمريكا والغرب حيث لم يظهر في التاريخ البشري قادة يكذبون ويفترون، ويظلمون ويعتدون ويفسدون، كما نراه من قادة أمريكا ومنجزاتها الحضارية والتقدمية والإنسانية التي سحقت حقوق الإنسان وكرامته وسحقت الأمومة وأيامها والطفولة وأعيادها والمرأة وكرامتها، وحولت ذلك كله إلى شعارات ترفرف فوق المجازر والدماء والأشلاء والجماجم!

يتحدثون عن الإنسانية ويريدون أن يأخذوها من منجزات الحداثة الغربية وهل عرفت البشرية الإنسانية خارج الإسلام؟! هذا هو التاريخ البشري كله قديمه وحديثه سحقوا الأمومة في الأسرة والبيت، ثم جعلوا لها عيدًا، الأمومة الحقيقية هي البيت الذي لم يتمزق في الأسرة التي اشتدت روابطها، والطفولة لا تنبت إلا في أحضان الأمومة الحانية تفرغ من صدرها صافي الغذاء لأطفالها، وصادق الجهد من بذلها، وصادق العاطفة من قلبها وحنانها عندما تعطي ذلك كله الوقت الحق لتربية الأجيال وتنشط في المجتمع بعد أن تكون رعت البيت والأسرة، وتدخل ميادينها الكريمة في البذل والعطاء طاهرة عفيفة.

أين هو التنوير وأين هي الإنسانية؟!

لقد أدخلت منجزات الحداثة في العالم الإنسان في ظلام دامس وأسقطته في وحول ورمته في تيه من الضياع: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 122).

 

حداثة أهلكت الناس

من كان جادًا في إصلاح حال الأمة فمن الخطأ أن يلجأ إلى منجزات الحداثة التي أهلكت الناس، من كان جادًا في ذلك فليلجأ إلى الإسلام، إلى دين الله إلى النور المتدفق والخير الحق والأسلوب الجاد في كل إصلاح.

لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الحداثة العربية، والحداثة، بصفة عامة في المجتمعات الإسلامية وطال مداه زمنًا غير قليل والمسلمون في جدال بين رافض وقابل وراغب على استحياء وبين من يحاول استحداث، حداثة راشدة لتقاوم الحداثة الهجينة الزاحفة.

ولفظة الحداثة نفسها تحتاج إلى وقفة لترى مدى ضرورة استخدامها، وقد طلع بها الحداثيون أولًا وجعلوا منها مصطلحًا لفكر محدد عندهم حتى اشتهروا به والتصقوا به والتصق بهم.

وعند العودة إلى الكتاب والسنة نجد أن هذا المصطلح لم يعد يناسب النهج الإسلامي بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم، واستقر الإسلام دينًا للأمة كلها. فكلمة حدث وأحدث وحديث وحداثة لها معان متعددة في المعاجم، ولكن من الناحية الفكرية، وحسب ما أتت به الآيات والأحاديث غلب عليها معنى ضد القديم الثابت عليه الناس، فإن كان هذا القديم باطلًا فكلمة محدث تدل على الحق الذي جاء يلغي الباطل السائد والممتد. في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (الشعراء: 5).

وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنبياء: 2).

ذلك أن الذكر الذي جاءهم محدث ضد القديم الذي هم عليه، والقديم الذي هم عليه باطل، والذكر المحدث هو من عند الله، وهو الحق.

أما عندما استقر الإسلام وأصبح دين الأمة فقد تغير استعمال هذه اللفظة مع بقاء مدلولها أنها ضد القدم الثابت في الأمة. وفي الحديث الذي يرويه أبو داود والترمذي وابن ماجه يرد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «..... إياكم ومحدثات الأمور، فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». «2» وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة، يأتي قوله: «.. وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما جاء في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يؤويه وأن من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل» «3».

ولذلك أصبحت كلمة «أحدث» و«محدث»، تدل على أمر مرفوض شرعًا، غير مقبول، ولا مجال لتزيينه وزخرفته لأنها منذ أول استعمالها هي ضد القديم، والقديم الثابت الممتد بعد أن استقر الإسلام هو الإسلام، فمن أحدث فقد أتى بما يخالف الإسلام، والمحدث: الأمر المنكر الذي يرفضه الإسلام.

وفي لسان العرب:

الحديث: نقيض القديم.

محدثات الأمور: ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء التي كان السلف الصالح على غيرها.

المحدثة: ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع.

يتضح من ذلك أن لفظة الحداثة اليوم، كما أتى بها أهل الحداثة العلمانيون تعني ما خالف الكتاب والسنة وما أتى به أهل الأهواء وما لم يكن عليه السلف الصالح من الأمة.

 

الحداثة العربية.. هل هي قضية قومية؟

وأما موضوع، الحداثة العربية، فهل القضية قومية وهل الميزان ميزان قومي؟ وهل الحداثة التي يطرحها أهلها يطرحونها على أساس قومي أم على أساس عام للناس كافة؟ وحتى نجابه هذه الحداثة الهجينة المزخرفة بزخرف العروبة والموجهة للناس كافة فعلينا أن نجعل منطلقنا وميزاننا عالميًا لكل إنسان وشعب وأرض

اختلطت مصطلحات الحداثة والقومية والإنسانية والأصالة والنمو والتطور والتجديد.. اختلاطاً عائما ولم يعد لأي منها مفهوم محدد قابل للتطبيق

ولا يوجد غير الإسلام يؤمن لنا هذا التوجه الإنساني العام، ليكون هو المصطلح والمفهوم والميزان لقد من الله على العرب بالإسلام ليكون هو شعار المبادئ ومصطلحها ودينها ورسالتها ونهجها. وما عرف تاريخ الإسلام في الفكر والأدب والشعر إلا الإسلام عقيدة ودينًا وشعارًا. مهما وقع من تفلت في بعض المبادئ، لقد ظل الشعراء كأبي تمام والمتنبي وغيرهما يجعلون من الإسلام تدفق عاطفتهم ومصطلحهم في أشعارهم.

لقد نهجت هذه القوى الحداثية العلمانية خطة مكر أصابت نجاحًا، حيث استفادت من ضعف المسلمين وجهلهم بحقيقة إسلامهم، وكثرة تنازلاتهم، وميلهم إلى المهادنة، أو الاستسلام فسارت على خطة شيطانية حذرنا القرآن الكريم منها بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور: 21)

حتى جعلوا «الحداثة حداثة عربية» وأنشأوا لها تلك المؤسسة السابق ذكرها.

 

حداثة على درب خطوات الشيطان

جاءت «الحداثة» ومرت بنفس مراحل خطوات الشيطان، حتى أصبح من بين المسلمين دعاة صريحون يدعون إلى حداثة الغرب، وإلى ما يسمونه  «الحداثة العربية» أو «الحداثة الراشدة» في مواقف كثيرة رأينا كيف أن بعض المسلمين استدرجوا خطوة خطوة، حتى أصبحوا دعاة للاشتراكية والديمقراطية والعلمانية والحداثة، ولقد بلغ الأمر أحيانًا إلى عدم استحسان نقد الحداثيين أو فكرهم أو مصطلحهم، وإلى أن أصبح بين أيدي الحداثيين والعلمانيين إعلام واسع، ولم تكن الحداثة، وحدها تصارع، وإنما كان معها العلمانية الزاحفة علينا بوسائل الإعلام ومعها الأدب العلماني والفكر العلماني، ومعها المؤسسات الدولية الداعمة لها والجيوش الزاحفة كذلك قوى كثيرة تتساند في هذا الصراع بين أمواج الدماء وتطاير الأشلاء والجماجم في ديار المسلمين المختلفة.

لفظة الحداثة لم تعد تعني التطور والنمو، ولا الرشاد والوعي ولا التجديد، ونحن لسنا بحاجة لها وقد أغنانا الله عنها ومن علينا بخير منها.

اختلطت مصطلحات الحداثة والقومية والإنسانية والأصالة والنمو والتطور والتجديد وغيرها اختلاطًا عائمًا، فلم يعد لأي منها مفهوم محدد قابل للتطبيق، ولا منهج جلي يحكم له أو عليه إنها كلها شعارات يتيه الإنسان بينها.

الإسلام والكتاب والسنة، كل ذلك ليس مجرد تراث نحتاج إلى أن نعيد النظر فيه كما يدعي بعضهم، الإسلام هو الماضي والحاضر والمستقبل، هو القديم والجديد وهو منهج حياة كامل لكل زمان وكل مكان.

إن المرض والوهن ليس في العرب وحدهم إنه في أمة الإسلام اليوم، وإن أول خطوة في التيه تحدث حين ننعزل عن حقيقة أهلنا وأمتنا، الأمة الإسلامية التي صهرت القوميات كلها والعصبيات كلها في أخوة الإيمان الصادق والتوحيد الصافي والتي اختارها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس تؤمن بالله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

فإذا كنا لا نلمس عظمة الإسلام في واقعنا اليوم، فليس ذلك إلا لخلل في المسلمين أنفسهم وضعفهم ومرضهم، ولا شفاء لهم ولجميع قومياتهم إلا بالعودة الصادقة للإسلام ورابطته الربانية ومنهجه الرباني، إن الخلل موجود والمرض موجود، وتنافس الدنيا قائم ونسيان الآخرة ويوم الحساب ظاهر، وهجرنا كتاب الله وسنة رسوله وأثرنا كل أسباب الفرقة والتمزق ولهيب الأهواء وشهوات الدنيا في زخرف كاذب، مغر ولافتات مستعارة باطلة.

ندعو الحداثيين والعلمانيين دعوة صريحة واضحة إلى أن يعكفوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت نفسه ندعو أنفسنا نحن المسلمين إلى ذلك أيضًا، فقد هجر الملايين من المسلمين الكتاب والسنة واللغة العربية، حتى جهلوا هم أنفسهم حقيقة الإسلام.

 

الهوامش

«1» صحيفة الحياة، العدد «15009» السبت 12/3/1435ه 1/5/2004م.

«2» أبو داود: 34/6/4607 الترمذي: 24/16/2676 - ابن ماجه المقدمة: 35.

«3» د. محمد حميد الله مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة – دار الإرشاد – بيروت، ط3، ص: «44» بند «22»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

130

الثلاثاء 02-مايو-1972

صفحات حرة "98"

نشر في العدد 115

112

الثلاثاء 29-أغسطس-1972

شيء من الإنسانية