العنوان بعد مرور خمس سنوات على كامب ديفيد.. الطبع غلب التطبع
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1984
مشاهدات 62
نشر في العدد 665
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 03-أبريل-1984
- المعارضة الإسلامية كانت الأسبق والأثبت والأكثر تعبيرًا عن ضمير الشعب المصري
في ١٩٧٩/٣/٢٦م وقع في منتجع كامب ديفيد بالولايات المتحدة الأمريكية كل من أنور السادات ومناحيم بيغن وجيمي كارتر ما عرف باسم اتفاقات كامب ديفيد، التي تضمنت في جانب منها عقد معاهدة صلح بين مصر وإسرائيل. وفي الجانب الآخر «إطارًا لإقرار السلام في الشرق الأوسط».
بعض نصوص اتفاقيات الكامب:
وقد نصت معاهدة الصلح في المادة الأولى على: إنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل، وانسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية والفئات المدنية من سيناء، وإقامة علاقات طبيعية وودية بينهما. ونصت المعاهدة في المادة الثانية على: أن يحترم كل منهما سيادة الآخر وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي. وحقه في أن يعيش في سلام داخل حدوده الآمنة والمعترف بها، ويتعهد الطرفان بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الآخر بشكل مباشر أو غير مباشر وبحل كافة المنازعات التي تنشأ بينهما بالوسائل السلمية.
كما يتعهد كل طرف بأن يكفل عدم صدور فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو أفعال العنف أو التهديد بها من داخل إقليمه أو بواسطة قوات خاضعة لسيطرته أو مرابطة على أراضيه ضد السكان أو المواطنين أو الممتلكات الخاصة بالطرف الآخر. كما يتعهد كل طرف بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو المساعدة أو الاشتراك في فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجهة ضد الطرف الآخر في أي مكان، كما يتعهد بأن يكفل تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال للمحاكمة.
واتفق الطرفان على إقامة علاقات طبيعية تتضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع التمييزي المفروضة ضد حرية انتقال الأفراد والسلع.
ونصت المادة الرابعة على أن تكون هناك مناطق محدودة التسليح في الأراضي المصرية والإسرائيلية. ومن المعروف أن سيناء كلها محدودة التسليح بل منزوعة السلاح في بعض المناطق، وأما إضافة الأراضي الإسرائيلية هنا؛ فهي للتمويه حيث لا يوجد أي قيود على التحركات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
واتفق الطرفان على تمركز أفراد الأمم المتحدة طبعًا في الأراضي المصرية، وألا يطلب سحب هؤلاء الأفراد وعلى أن سحب هؤلاء الأفراد لن يتم إلا بموافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بما في ذلك التصويت الإيجابي للأعضاء الخمسة الدائمين بالمجلس وذلك مالم يتفق الطرفان على غير ذلك.
ومعنى ذلك أن مصر لا تملك حق الطلب من قوات الأمم المتحدة مغادرة أراضيها إذا رأت إسرائيل أو أي دولة من الدول الدائمة في مجلس
الأمن غير ذلك.
ونصت المادة الخامسة على: أن تتمتع السفن الإسرائيلية والشحنات المتجهة من إسرائيل وإليها بحق المرور الحر في قناة السويس ومداخلها في كل من خليج السويس والبحر الأبيض المتوسط. ويحترم الطرفان حق كل منهما في الملاحة والعبور الجوي من أجل الوصول إلى أراضيه عبر مضيق تيران وخليج العقبة.
ونصت المادة السادسة على: أن يتعهد الطرفان بأن ينفذا بحسن نية التزاماتهما الناشئة عن هذه المعاهدة بصرف النظر عن أي فعل أو امتناع عن فعل من جانب طرف آخر وبشكل مستقل عن أي وثيقة خارج هذه المعاهدة، ويتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة.
وهذا يعني بصريح العبارة أن هذه الاتفاقية قد جبت ما قبلها من اتفاقات بين مصر والدول العربية مثل اتفاقية الدفاع العربي المشترك.
فإذا أضفنا إلى ذلك أن مصر قد اعترفت بموجب هذه الاتفاقية بإسرائيل وبحدودها الدولية معها وبتعهدها بصيانة أمن إسرائيل وعدم السماح لأي كان بتهديد أمن إسرائيل في أي مكان وبتقديمه للمحاكمة، فمعنى ذلك التصدي لكل من يحاول «التطاول» على أمن إسرائيل سواء كان فرد أو منظمة أو حتى دولة!!
وأخيرًا نصت المادة السادسة على: أن يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة، ومعنى ذلك أن تبقى مصر أسيرة هذه المعاهدة التي لا فكاك منها إلا بموافقة إسرائيل.
هذا هو الجانب المصري من اتفاقات كامب ديفيد، ورغم كل ما في هذا الجانب من قيود على مصر سياسيًا واقتصاديا وثقافيًا ورغم أن جزءًا من مصر مازال محتلًا من قبل القوات الإسرائيلية في طابا، ورغم أن حركة مصر العسكرية في سيناء محدودة جدًا، وأن القوات الدولية لا تستطيع مصر إخراجها. رغم كل ذلك فقد اعتبر السادات أن هذه الاتفاقية صفقة رابحة؛ لأنه بموجبها خرجت القوات الإسرائيلية من الأراضي المصرية في سيناء. وليس مهما بعد ذلك أن يكون هذا الخروج ثمنه خروج مصر من حلبة الصراع مع العدو اليهودي في فلسطين بل التنازل لإسرائيل عن فلسطين كلها.
الحكم الذاتي الإداري:
وما الجانب الآخر من اتفاقات كامب ديفيد إلا تكريس لهذا التنازل، فإن ما يسمى بالحكم الذاتي الإداري الكامل للسكان في الضفة والقطاع لا يشمل الأرض التي تعتبرها إسرائيل جزءًا من أرض إسرائيل ولهذا كان إصرارها على إضافة كلمة «الإداري» على الحكم الذاتي، مما يعني نوعًا من الإدارة الذاتية للسكان الذين يقيمون على أرض إسرائيل!! كما يزعم اليهود. وحين تصر «مصر السادات» على إضافة كلمة «الكامل» على الحكم الذاتي الإداري فإن هذه الكلمة لا تغير من جوهر المعنى شيئًا.
ولم تكتف إسرائيل بذلك بل شرعت على الفور وبعد توقيع الاتفاقات على تكثيف المستوطنات اليهودية في الضفة التي تسميها يهوذا والسامرة وكذلك في قطاع غزة، حتى يكون الحكم الإداري المقترح للسكان بعد خمس سنوات لا يعني بالضرورة السكان العرب وحدهم بل يشمل السكان اليهود أو المستوطنين اليهود الجدد، هذا إن بقي في الضفة والقطاع سكان عرب خلال هذه المدة!
ومعنى ذلك أن تبتلع إسرائيل -التي لا تكف عن البلع- الضفة والقطاع، وتنتقل بعد ذلك لابتلاع مناطق أخرى بل إن اليهود لم ينتظروا حتى يتم الابتلاع التدريجي فاتخذوا من الإجراءات ما يعني الضم الفعلي وخاصة منطقة القدس.
وبعد أن اطمأن اليهود بأن مصر بموجب اتفاقية الصلح خرجت من نطاق المواجهة؛ ضربت المفاعل النووي العراقي؛ وشنت حربها الإجرامية على لبنان ولا تزال تحتل أراضيه حتى الآن. كما قامت بدور واضح في تثبيت حكم المارون وفي دعم بعض الطوائف اللبنانية؛ لتكريس الصراع الطائفي في المنطقة؛ وحتى تكون إسرائيل سيدة الموقف. وإذا كانت أجهزة الإعلام المصرية قبيل توقيع الاتفاقيات وبعهدها قد أغدقت على الشعب المصري الأماني بالرخاء الاقتصادي بعد الخلاص من مشاكل العرب والتحالف مع أبناء العمومة اليهود!!؛ فإن الشعب المصري وجد نفسه غارقًا في مشاكل اقتصادية حادة لا تقل عنها تلك المشاكل الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها إسرائيل وبحسه الفطري أدرك المصري أن اليهود هم اليهود، وأن تجاربه الطويلة معهم ووصف القرآن الكريم لهم لا يمكن أن يلغيه اتفاقية يصنعها رئيس مغامر مشبوه صرعه اندفاعه الجنوني نحو العظمة الزائفة.
دخلت سيدة يصحبها ولدها إلى محل حلواني شهير بباب اللوق بالقاهرة وطلبت من عامل بالمحل قطعة شوكولاتة. وعندما أمسكتها قرأت على غلافها «صنعت في إسرائيل»؛ فردتها إلى العامل وطلبت شوكولاتة مصرية. فقال لها صاحب المحل الذي كان يرقب الموقف: «ومالها الشكولاتة الإسرائيلي، إنها أحسن ألف مرة من الشكولاتة المصري» ردت السيدة: أحسن وإلا مش أحسن أنا لن أشتري سوى شكولاتة بلدي. قال الرجل في حدة: يعني حضرتك وطنية قوي؟ قالت الأم: ولم لا أكون وطنية؟ على الأقل أنا أفضل منك يا من تبيع شكولاتة إسرائيل التي قتلت أولادنا وشبابنا في أربع حروب، وما زالت تقتل العرب في فلسطين. تطور الحوار؛ إلى أن ضرب صاحب المحل السيدة وتدخل المارة أمام المحل؛ لفض المشاجرة فلما علموا سببها انهالوا عليه ضربًا وحطموا المحل.
هذه الرواية التي يتداولها المصريون في كل مكان نشرتها صحيفة القبس الكويتية. وهي رمز لما هو عليه رجل الشارع في مصر في مواجهة أقلية تحاول أن تنتفع من اليهود!!
- المعارضة المصرية:
وإذا كانت المعارضة المصرية تشمل العديد من الأحزاب المصرية التي رفضت تطبيع العلاقات مع العدو اليهودي الغاصب لفلسطين فإن المعارضة الإسلامية في مصر ضد الصلح مع اليهود كانت الأسبق والأوضح والأثبت والأكثر تعبيرًا عن ضمير الشعب المصري. يقول عمر التلمساني في مجلة «الدعوة» المصرية قبل سحب ترخيصها: «لقد عارضنا المبادرة ووثيقتي كامب ديفيد ومعاهدة الصلح سرًا وعلانيًة، وسنظل ما حيينا نتكلم عن فلسطين ومصر ولبنان وسوريا وما ضاع منها، فليضق بنا من يضق، فإننا لا نولي ضيقه اهتماما ولن نسكت، ولن نكل، ولن نمل» ...... وحينما استهزأ السادات بالإسلام؛ المسلمين أحلوا دمه فكانت نهايته، نهاية أول رئيس عربي يعقد صلحًا علنيًا مع إسرائيل ويتنازل عن فلسطين لليهود «إلى الأبد» حسب تعبير بيغن.
وإذا كانت سياسة الحكم المصري بعد السادات لا تنفك تؤكد بين الحين والآخر التزامها باتفاقات كامب ديفيد، إلا أن هناك مؤشرات معينة إلى وجود تغيير ما على تلك السياسة من هذه المؤشرات: عدم زيارة مبارك للقدس، وسحب السفير المصري بعد غزو إسرائيل للبنان، والموقف المتشدد من قضية طابا، والموقف من عرفات ومنظمة التحرير إلا أن كل ذلك لا يكفي للجزم بأن تغييرًا جوهريًا قد طرأ على السياسة المصرية. ولعل انتخابات مايو القادمة في مصر تتمخض عن تشكيل مجلس شعب يمثل ضمير الشعب المصري العربي الإسلامي الحر القادر على دفن اتفاقيات كامب ديفيد مثلما دفن صانعها والعودة إلى العرب بوجه إسلامي قادر على أن يقتلع السرطان اليهودي من جذوره. والله على كل شيء قدير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل