; اقتباس من نور العيد | مجلة المجتمع

العنوان اقتباس من نور العيد

الكاتب طايس الجميلي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1977

مشاهدات 97

نشر في العدد 368

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 27-سبتمبر-1977

هذا اليتيم.. من يمسح دموعه..؟

غدًا تفتح المدارس أبوابها، وتزحف إليها جموع الأبناء التي أثبتت في تظاهرة مباركة ميمونة شهدتها بلادنا في شهر رمضان هذا العام، أثبتت التصاقًا بدينها وتمسكًا ظاهرًا للعيان بأداء شعائر الإسلام وعباداته، وقد رصدت بنفسي ظاهرة الإقبال على أداء العبادات فوجدت المضاعفة في الكمية والشباب في النوعية؛ فالمساجد التي لم تكن صفوفها في رمضان الماضي تزيد عن أربعة صفوف قد أصبحت في رمضان هذا العام بين سبعة وثمانية صفوف.

هذه النهضة الشعبية الإسلامية تستلزم أن تواكبها نهضة رسمية في جميع مرافق الدولة التي تزعم أنها مقبلة على تطبيق أحكام الشريعة، وأخص مرافق الدولة مسؤولية عن رعاية الجيل رعاية إسلامية هي المؤسسات التربوية متمثلة بوزارة التربية وجامعة الكويت، ولو جئنا إلى واقع المؤسسات هذه لوجدنا الدين يتيمًا ضائعًا ليس له ناصر ولا معين. يستغيث بأهل الوفاء والنخوة من أهله.

وحين أقول يتيمًا فبكل معنى الكلمة: لقد شهد الناس يُتمه في مسابقات رمضان التي قدّمها تلفزيوننا العتيد! نفس اليتم يعاني منه الدين في المدارس بمختلف مراحلها، ويبرز بوضوح في المراحل العليا حيث توشك أن تتبرأ منه كليات الجامعة، وليس له وجود فيها مع أنه في الجامعات العبرية في إسرائيل تزداد مواد الثقافة الدينية كلما تقدمت المرحلة والعكس عندنا والثمار تدل على الأشجار.

والمشتكى إلى الله.. بل لا أكون مبالغًا إذا قلت إنه لا وجود له حتى في كلية الحقوق و«الشريعة» إلا وجودًا رمزيًّا مشوهًا. ولا غرابة فقد شب مظلومًا من الروضة والابتدائية والمتوسطة فالثانوية. وأنا إذ أسجل ملاحظاتي على مظاهر يُتمه إنما أعني بالدرجة الأولى المرحلة الثانوية. لاطلاعي على ما يعانيه من بؤس وتضييع.

لا يتناسب مع الفضل التاريخي الذي سجّله على هذه الأمة؛ إذ أخرجها من العدم.. وسلّمها زمام قيادة الأمم.

ولا يتناسب مع ضمير الأمة التي أقبلت هذا الإقبال على شعائره.. بصغارها وكبارها ورجالها ونسائها.

إنه يتيم مظلوم، ولعله إذ يجد أيتام بني الإنسان من يكفكف دموعهم يوم العيد كما هي من قيم يتيمنا الكبير وبانتهازنا لآثار حياة القلوب.. بما بثه فيها شهر الصوم من حسن الإنابة وصدق الاستجابة لأوامر الله، لعله يجد من أهله من يؤويه ويمسح دموعه.

عريضة الشكوى بلسان حاله

يا أهلي ويا من إليّ تنتسبون، ويا من بقائي تسعدون وبرحيلي تشقون، ويا من وجودكم من ثمار وجودي.

ظلمتموني: إحدى عشرة مظلمة.

أعرضها على منصفيكم وغياراكم وأوفيائكم لعل التفاتة منهم ترد لي اعتباري:

المظلمة الأولى:

فإني لم أعد أعدل عند المؤسسات التربوية أقل المواد جدية في حياتكم. فقد أعطت لتدريسي حصتين «90» تسعين دقيقة في الأسبوع يعني 6 ساعات في الشهر يعني 48 ساعة في السنة.

وهذا قدري عندكم؟ هذه النسبة أعطيتموها للموسيقى والألعاب والرسم أتساووني بها، وهل أثري وأثرها في حياتكم سواء.

بينما غيري: من المواد فلها ثماني حصص كالإنجليزية والعربية وأخريات أربع حصص كالرياضيات والعلوم. مع أن المفروض أن هذه المواد ما جاءت إلا لخدمتي فكيف تطردني وتحل محلي؟ كيف..؟ كيف..؟

والمظلمة الثانية:

يا أهل المروءة والوفاء، إن الحصتين اللتين تصدّقوا عليّ بهما أماتوا إحداهما أن حذفوها في آخر ساعات الدوام، فاستقبلها الدارس والمدرس بالتثاقل وعدم الجدية حيث أخذت من الاثنين، المواد الأخرى ساعات النشاط الأولى والحيوية، مع أن المألوف عند الذين يحترمون أديانهم أنهم يفتتحون به ساعات الدراسة، ويتفاءلون بذلك خيرًا. ولا يخفاكم «يا أوفياء» ما يترتب على موت إحدى الحصتين، من أثر سيئ حيث يستحيل مع ذلك إتمام المنهج إلا على أساس السلق الذي لا يسمن ولا يغني.

والمظلمة الثالثة :

إن كل المواد يشترط في مدرسها أن يكون متخصصًا إلا أنا فإن تدريسي يناط بمن هب ودب أو بخريجي اللغة العربية والذين أحترمهم، ولكن معظمهم لو امتحن في نواقض الوضوء ومبطلات الصلاة لسقط. أبلغ لي الأمر عندكم أن تشترطوا لمدرس الرسم أن يكون خريج كذا ومدرس الألعاب أن يكون خريج كذا والعلوم والاجتماعيات.
«وأما أنا فالحائط الواطي» يركبني من شاء. حرام -إن أثر عملكم هذا لا يستهان به فغير المتخصص لا يستطيع الصمود أمام المواقف الطلابية المائجة بالأفكار العجيبة- وفي هزيمته أمام طلابه هزيمة لي -والله لم أنهزم- منذ هبطت أرضكم- بضعف الحجة لكن جهل المحتج يهزمني فيما زعموا؟ وسلبيات هذا التصرف كثيرة أضرب صفحًا عن ذكرها واللبيب بالإشارة يفهم!.

والمظلمة الرابعة:

هو أن لكل مادة مدرس أول يتابع دقة الأداء وتنفيذ الخطة، وأنا اليتيم كفلني مدرس أول اللغة العربية، ولما كان اهتمامه أساسًا ينصب على مادته فلذلك لا يسأل ولا يستطيع أن يسأل حتى لو أراد. ولو سأل لقصر في متابعة المادتين معًا.

مع أنكم عينتم مدرس أول لعب. ومدرس أول رسم.

ومدرس أول «الله أعلم موسيقى»

فلماذا تضيعونني لماذا؟ فبكى وأبكاني.

والمظلمة الخامسة:

يا أبناء اليتيم.. وأهله

إن مادتي تُعْطَى كمادة متممة لجدول مدرس اللغة العربية وكثيرًا ما يكون هذا المدرس لا يصلي، ولا يصوم وأحيانا يكون «ملحدًا» -أي والله العظيم- أو فاجرة -وأقسم بالذي أنزلني لإحيائكم- وعند حسن الظن به أو بها فإنه يراها المادة الثانوية -فلا يمنحها من الاهتمام ما ينبغي- وأضيع بين رداءة السلوك وعدم التفرغ.

والمظلمة السادسة:

يا منصفون

أتعلمون أني لا أملك مسجلة ولا فيلمًا ولا مصورات بينما غيري -وبدون حسد ينعم بالمسجلات والأفلام والمصورات، فإذا ما أُرسلت مسجلة أو جهاز قال قائلكم: أعطوه الإنكليزي- أعطوه العلوم... حرام عليكم حرام.

والمظلمة السابعة :

أتعلمون أني لا أملك وسيلة إيضاح ومجالا للتطبيق العملي سوى المسجد والذي فطن له أخيرًا إلا أنه في غالب المدارس غير مفروش ولا مكيف -ولا فيه مكتبة خاصة. ولولا المحسنون من أهل الخير لما رأيتم أغلب هذه المساجد- فبكى وقال-سامح الله قادة التربية-

والمظلمة الثامنة :

إنني أكاد أُحرم من استخدام وسيلة الإيضاح الوحيدة، وذلك بمنع فرص الصلاة أو تضييقها حسب أمزجة النظار الذين من شروط اختيارهم «والله أعلم» ألا يكون متحمسًا للدين.

فتعجب إذ تجد الناظر يقول: صلوا في البيت.

أو تجد الناظرة تقول: لا يوجد مكان...

ولأكون منصفًا «يا أهلي» ما لم أذكر أن الوزارة تصدر نشرات في أول كل عام بإتاحة الفرصة المناسبة للصلاة، ولكن هذه النشرات خالية من الإلزام ولهجتها مائعة وعظية مشحونة بعبارات الرجاء والدعاء كالتي نسمعها من الشحاذين.

وإذا أصدرت تعميمًا في غير ذلك ضمنته التهديد والوعيد لمن يقصر.

مما يجعل النشرات خاضعة للأمزجة والرغبات فتفقد قوتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

والمظلمة التاسعة:

وهي من أقبح ما نزل بي من مظالم، وذلك أن من الحوافز المشجعة على الاهتمام والتحصيل هو النسبة أو المعدل. وقد وضعوا لمن أجاد وأتقن وحفظ في مادتي (20) عشرين درجة، وهي الحد الأعلى فزهد فيّ طلاب المرحلة الثانوية لأني لا أرفع من نسبتهم فخير لهم في الدنيا أن ينصرفوا إلى بذل جهودهم في المواد ذوات الدرجات الكبرى فأعطيت الرياضيات (120) مئة وعشرون درجة (نعم والله مئة وعشرون) ومواد أخرى (50) خمسون درجة وما ذلك إلا ليزداد الاهتمام في تلك، ويضعف الاهتمام بي! لماذا؟؟ قولوها صريحة- إننا لا نريدك وأريحوا، واستريحوا والشقاء بعد ذلك محقق.

المظلمة العاشرة:

التناقض الفاحش بيني وبين ما يدرس للأبناء- باعتباره مواد علمية أو اجتماعية حيث تطعن مفاهيمي وقيمي، ويحاول مدرس مادتي الواعي تفنيد شبهات الكتب الأخرى، هذا إذا كان المدرس ثكلى، أما إذا كان مستأجرة قال «وأنا مالي»، هذا وخذ صراعًا فكريًّا يعاني منه طلابنا المساكين.

وأمثلة ذلك: الإصرار على تدريس نظرية دارون وأن أصل الإنسان قرد.

وتعال وفِّق لهم ذلك مع قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4) ومن أمثلته كذلك الدراسات الاجتماعية المشوهة...

ومن أمثلة ذلك: حرمة الربا وتدريس الربح المركب في الرياضيات.

آه وأراساه -فبكى، وقال: والمظلمة الحادية عشرة :يا أهلي- الرحمة بي العطف عليّ!
إن فيما ذكرته من مظالم كاف لإدانة المقصرين في حقي من المسؤولين، ولكن خذوا

الحادية عشرة:

يدرس لطالبات المراحل حكم الزي الشرعي ونوعه، وأنه لا ينبغي أن يرى من جسد المرأة غير وجهها وكفيها، ومن أوصافه أن «لا يصف بأن يكون ضيقًا، ولا يشف بأن يكون رقيقًا» فيلقى هذا الحكم الشرعي لطمتين عنيفتين، تذهبان به قبل أن يستقر في أذهان الطالبات.

اللطمة الأولى: توجهها المدرسة والناظرة غير الملتزمتين، وقد قلت ذات مرة: إني أضع جائزة قيمة لمن يخبرني بوجو ناظرة ثانوي محجبة لأن المحجبة يتخطاها الاختيار. ليس هذا بعجيب! ومخطط له.

واللطمة الأخرى وهي الأشد: يتلقاها الحكم الشرعي من وزارة التربية حيث توزع عليهن الملابس التي تصف، وتشف وتنحسر عن الركبة، وربما أكثر ولسان الحال يقول: إننا لسنا جادين في تعليمكن أحكام الدين فتلك أقوال، وهذه أفعال فتضعف المقاومة، ويموت الحكم في مهده. وفي جعبتي المزيد من المآسي؛ فارحموني يرحمكم الله، وارحموا أنفسكم ترحموا ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38). وإني لمنتظر لإنصافكم. وكل عام وأنتم بخير.

تنبيه: نلتقي مع قرائنا الكرام على الصفحة الأولى صباح كل جمعة، نسأل الله أن ينفع بما كتبنا، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، ويثيب من أسهم في هذه الزاوية الثواب الجزيل.

(عن السياسة في 14/9/ 1977)

الرابط المختصر :