العنوان مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنا (٥)
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997
مشاهدات 88
نشر في العدد 1241
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 11-مارس-1997
شبهات حول الدعوة
بقلم: الدكتور (*)•
| موقف الدعوة من المتحامل عليها هو أن تدعوه إن قبل الدعاء... وتناديه إن أجاب النداء.. وتدعو الله فيه فهو أهل الرجاء. |
يعدد الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه الجامع «أصول الدعوة» أمثلة لهذه الشبهات منها:
1 - الطعن بالدعاة في أشخاصهم وأمانتهم وعقولهم.
2- الإفساد في الأرض وطلب الرئاسة على الناس كتُهمٍ معلقة فوق رؤوس الدعاة.
3- رميهم الدعاة بالاتصال المشبوه، وأن دعوتهم من خرافات الماضين.
٤ - الداعي رجل مغمور.
٥ - إتباع الدعوة أناس مغمورون فقراء جهال.
ويجمع هذه الشبهات جامع واحد هو الطعن بالدعوة والداعي، وتحريض الدهماء والعامة على مخاصمة الدعوة ليخلو الجو لخصومها، وعلى الداعي أن يعلم:
أولاً: أن إثارة الشبهات في وجه الدعوة سنة الله الماضية والباقية لا تتبدل ولا تتغير.
ثانياً: مع الحزن على التكذيب والإثارة المتعمدة ضد الداعي ودعوته تصديقًا لقول الحق لنبيه العظيم:﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ﴾( الأنعام : ۳۳).
إلا أنه ينبغي أن يعلم أن مهمته الأساسية هي إزالة هذه الشبهات بتفنيدها وإظهار زيفها وبطلانها بالحجة والبرهان، بصراحة ووضوح وحسن بيان مع أدب القول، ورفق في الخطاب دون استفزاز أو انتصار للنفس أو النطق بما لا يجوز، ومع أن هذا أمر ثقيل على النفس إلا أنه لابد منه ولا سبيل غيره، ويهون إن شاء الله بكمال التجرد إلى الله واحتساب ما يلقاه من أذى عند الله.
وما أجمل وصف الإمام الشهيد لهذه الحالة النفسية التي يتحلى بها الأخ في مواجهة هؤلاء المتحاملين: ندعوه إن قبل الدعاء، ونناديه إن أجاب النداء، وندعو الله فيه وهو سبحانه أهل الرجاء..
وكي يستعين الأخ على نفسه فليرجع إلى قصص الأنبياء وموقفهم من الشبهات التي أثارها المبطلون في قصص نوح، وهود وصالح وموسى، ومحمد صلوات الله عليهم.
ثالثاً: الابتعاد عن مواضع الشبهات حتى لا يتعلق بها المبطلون، بل لقد يمكن القول: إن الداعي يترك بعض ما فيه فائدة لدفع ضرر الشبهة الباطلة، والقاعدة الأصولية تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المنافع، وأنه يدفع أعظم الضررين بتحمل أقلهما، فلنترك حظوظ أنفسنا وبعض المباح دفعًا لأي شبهات، وقد يجب أن يندب الترك، ولا يسع الداعي أن يترك ما يخص صميم الدعوة أو ما يتصل بها اتصالا مباشرًا أو يتعلق بنهجها وأسلوبها.
وفي تاريخ الدعوة الحديث قصص كثيرة وصراع طويل ضد الشبهات ومثيريها، ونجد تفصيل ذلك بالرجوع إلى «مذكرات الدعوة والداعية» وما كتبه الإخوان عن تاريخ الدعوة راجع مذكرات الدعوة والداعية، ص ۹۲ ۹۳، ۹۸، ۱۰۲، ۱۰5 ،١٢٢، ١٢٦ ، واقرأ قصة المؤامرتين اللتين حيكتا ضد الدعوة في الإسماعيلية، ص ۱۳۱.
ومازالت الدعوة تواجه المؤامرات حتى هذه اللحظة، وستظل؛ لأنها سنة الله الماضية، ومازلنا نحن دون المستوى الذي وصفه الإمام الشهيد للشعور النفسي تجاه هؤلاء المتآمرين ضد الدعوة، فلا نصحح مشاعرنا النفسية، بل تغلبنا الخصومات الفكرية والسياسية، ونتعامل مع مثل هؤلاء بروح غير متسامحة ـ ولا أقول عدائية ـ وننسى أن بعض هؤلاء المتحاملين عندما يصحح موقفه يكون عاملًا مخلصًا للدعوة الإسلامية، والأمثلة في التاريخ القديم للإسلام، وكذلك التاريخ الحديث كثيرة لا تحصى، فكم من قلم ولسان كانا يقطران حقدًا على الدعوة والدعاة، وإذ بهداية الله عز وجل تتدارك صاحبهما؛ فيصبح قلمه ولسانه عونًا وسندًا للدعوة والفكرة، والقلوب بيد الله وحده يقلبها كيف يشاء.
وتموج الساحة الفكرية الآن بخصومة شديدة بين الفكر الإسلامي، وتيارات فكرية وافدة يجمعها شعار العلمانية، وهي كلمة ملتبسة أشد الالتباس، والأخطر من خلال متابعتي للمعارك الفكرية بيننا- نحن المنتسبين للدعوة الإسلامية- وبين أعلام هذا التيار لاحظ أننا لا نتحلى بالمقدار المطلوب من التسامح، ولا نتخلق بهذه الأخلاق العالية السامية التي رسمها لنا الإمام الشهيد، لا يعنينا هداية هؤلاء إلى الطريق الصحيح بقدر ما يعنينا الانتصار لأنفسنا في معارك ساخنة، وفضح تناقضاتهم، وكشف زيف أفكارهم؛ فتنزلق بعض الأقلام- للأسف الشديد- في أمور لا تليق، ونسحب أيضًا إلى معارك حول الحياة الشخصية لبعض هؤلاء تجعل من العسير عليهم بعد ذلك مراجعة أنفسهم بعد أن تعقدت الأمور، بينما نجد أن الهدف الذي يسيطر على الداعي- كما رسمه الإمام الشهيد- هو هداية هؤلاء إلى الحق، وكسبهم لصف الدعوة أو على الأقل تحييدهم بعيدًا عن خصومتها، لذلك يمتلئ قلب الأخ بالحب لهؤلاء المتحاملين، والرجاء في الله عز وجل أن يفيء إلى صف الحق، وأن يكون ذلك عن اقتناع، ولا ننسى الدعاء لهم بالهداية.
في بداية الطريق
يطلب الإمام الشهيد من الناس أن يكونوا معنا واحدًا من هؤلاء: مؤمن، نفعي متردد، أو متحامل، ثم يوجه كلمة إلى من استجاب للدعوة يقول الإمام: نحب أن يكون الناس معنا واحدًا من هؤلاء، وقد حان الوقت الذي يجب فيه على المسلم أن يدرك غايته ويحدد وجهته، ويعمل إلى هذه الوجهة حتى يصل إلى الغاية، أما تلك الغفلة السادرة، والخطرات اللاهية، والقلوب الساهية، والانصياع الأعمى، واتباع كل ناعق، فما هو من سبيل المؤمنين في شيء.
ويحدد الإمام الشهيد هنا سببين أساسيين لانصراف الناس عن الجد والاجتهاد وهما:
١- الغفلة. ٢ - التقليد الأعمى.
وواجب الداعي أن يوقظ الإيمان ويحرك المشاعر، ويشعل الحماسة، وعليه أيضًا أن يحذر من التقليد الأعمى، وأن يرسم الطريق، ويحدد الوجهة، ويوضح الغاية، ويبين السبيل.
وقيامًا بهذا الواجب يبدأ الإمام الشهيد بنفسه، فيبين في الفقرة التالية أهمية فناء الداعي في دعوته، وضرورة تجرده لها بكلمتين، فيقول:
«ونحب أن يعلم قومنا إلى جانب هذا أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من حاطها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾( التوبة: ٢٤).
فهي دعوة لا تقبل الشركة إذ إن طبيعتها الوحدة، فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به، ومن ضعف عن هذا العبء فسيحرم ثواب المجاهدين المخلفين ويقعد مع القاعدين، ويستبدل الله لدعوته به قومًا آخرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة المائدة: ٥٤)».
ويقرر الإمام الشهيد هنا حقيقتين في بداية الطريق هما:
۱ - شمول الدعوة. ٢ - التضحية في سبيلها والتجرد لها.
والمسألة الأولى يوضحها بقوله: إن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من حاطها من كل جوانبها، وهنا يستخدم الإمام نفس تعبير النبي ﷺ لوفد قبيلة كندة، وقد مر بنا من قبل، وذكره السهيلي في الروض الأنف، ج ۲، ص ۱۸۲.
وهذه القضية من أبرز المسائل التي عاشت الدعوة لها، ونجحت في رد الناس جميعًا إليها بعد أن نجح الاحتلال العسكري الأجنبي والغزو الفكري المكثف في تشويه صورة الإسلام في عيون المسلمين، حتى صاروا يرونه مجرد شعائر وطقوس، وأصبح من المستغرب أن يتحدث مسلم عن شمولية الإسلام، وأنه دين ودنيا، لذلك كان الركن الأول من أركان بيعتنا هو الفهم، وكان الأصل الأول من أصول الفهم العشرين هو:
الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.
ويظن شباب أحداث اليوم أن هذه الحقيقة التي أصبحت مستقرة لم تأخذ وقتًا ولا جهدًا حتى يعيشها الناس اليوم، ولا يجادل فيها حتى خصوم الدعوة، بينما الحق أن أوقاتًا طويلة بذلت، وجهودًا عظيمة أنفقت، ودماء زكية أهرقت، وسنين عديدة قضيت في غياهب السجون، كل ذلك من أجل أن تصبح هذه البديهية التي نعيشها اليوم حقيقة مستقرة.
وعاشت الدعوة حياتها لم تساوم على هذا المبدأ: شمول الإسلام، وعاشت معاركها جميعًا من أجل العودة بالمسلمين إلى هذه الحقيقة الناصعة.
هذه الدعوة لا تقبل فضول الأوقات ولا فضول الأموال، حقيقة أخرى حري بالمنتسبين إلى الدعوة أن يعيشوها، فليس في الدنيا جهاد ولا تضحية معه- كما قال إمامنا- فضرب لنا المثل، فقد كان- كما وصفه الأستاذ البهي الخولي- فكرة قوية هائلة، يلم الدنيا على هوادة لا يجمع منها ولا يمنع كل قرة عينه وبهجة نفسه أن ينادي في الناس بكلمة الله، وأن يرى فضائل فكرته ومثلها العليا حقائق واقعة.
لم تنتصر أي دعوة إلا إذا تجرد لها رجال مخلصون، (فيا له من دين لو أن له رجال!) كما قال أحد المستشرقين بعد دراسته للإسلام.
والتجرد هو أن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص، لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها، وبهذا فقط بوضوح الرؤية والفهم الدقيق والتضحية والتجرد يمكن أن تعيش الدعوات وأن تنتصر.
لكل ذلك كان الإمام الشهيد واضحًا أمام المدعوين، فيقرر لهم أن طبيعة هذه الدعوة الوحدة، وهي لا تقبل الشركة، واستشهد بالآية الكريمة من سورة التوبة التي تقطع كل العلائق بين المسلم وبين الدنيا آباء وأبناء وإخوة وأزواج وعشيرة وأموال ومساكن وتجارات لا شيء يقف حائلًا بين المؤمن وبين تضحيته عن حب في سبيل الله وفي سبيل دعوته، وعاش الإمام الشهيد مثالًا حيًا، لذلك فامتزج بالدعوة وفني في سبيلها، وعاش لها ومات من أجلها، وكم رأينا من رجال صادقين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أذكر منهم المرشد الرابع الأستاذ محمد حامد أبو النصر، الذي تولى مسؤولية الجماعة عقب وفاة الأستاذ عمر التلمساني وترك بلده وضياعه وأرضه وأمواله وأهله وانتقل إلى القاهرة وحيدًا- إلا أنه كان محوطًا بحب إخوانه - زاهدًا رغم ثرائه العريض، مضحيًا في سبيل الله في أواخر حياته بعد أن ضحّى بالمراكز والدنيا كلها عندما عرضها عليه جمال عبد الناصر في بداية الثورة، مقابل أن يترك الجماعة ويتخلى عن قيادتها الشرفيةـ ورحب بالسجن متأسيًا بيوسف عليه السلام ﴿ قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾ (يوسف: 33)، وقضى فيه قرابة العشرين عامًا متصلة يعيش كأحد الإخوان مشاركًا لهم في محنتهم، فلم يتميز عليهم بشيء، ولم يضعف، ولم تلن له قناة حتى خرج ثابتًا، ثم اختاره الإخوان مرشدًا لهم، فكان نعم القائد الذي قاد سفينة الجماعة على بصيرة بحنكة ومهارة، رغم ظروفه الصحية، وتقدمه في السن، فرحمه الله رحمة واسعة.
وفي المقابل رأينا من ضعف عن تحمل تبعات هذا الطريق، وتساقط على طريق الدعوة بسبب الضغوط من ترغيب أو ترهيب، وأظن- والله أعلم ـ أن الشدائد تصقل الرجال، وأن المحن تصهرهم وتقويهم بشرط أن تظل تصوراتهم عن الدعوة صحيحة، وألا تفسد إرادتهم، ويحضرني هنا تحذير الإمام الشهيد من الانحراف عن طريق الدعوة والفهم الصحيح لها بقوله في رسالة: «إلى أي شيء ندعو الناس؟»
»إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول بينها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره« مجموعةالرسائل، ص ٥٤».
(*) مفكر إسلامي وطبيب مصري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل