العنوان فعلا.. إنها الليبرالية الزائفة
الكاتب علي تني العجمي
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001
مشاهدات 54
نشر في العدد 1461
نشر في الصفحة 40
السبت 28-يوليو-2001
«كما أن هذا الاقتراح بقانون للعقوبات الشرعية مطروح كبديل متكامل لقانون الجزاء الحالي... ومن ثم فلا بد أن يكون هنالك موقف ما لدى من يدعون أنهم نواب ليبراليون تجاه هذه التوجات المناقضة لأبسط أسس الليبرالية ومبادئها وهو أمر لم يعلن» اهـ.
هذا ما تفوه به الأستاذ أحمد الديين في مقاله الموسوم بـ «الليبرالية» الزائفة» ردًّا على مشروعات العقوبات الشرعية المزمع مناقشته خلال دور الانعقاد المقبل لمجلس الأمة، والكاتب الديين ينعى على النواب الليبراليين سكوتهم إلى الآن، وعدم صدور ردود أفعال مناهضة لهذا القانون؛ لأنه في نظره مناقض لأبسط أسس الليبرالية ومبادئها التي يناضل الديين ورفاقه لفرضها على شعب الكويت المسلم، ويعلم هو وغيره تمام العلم مدى رفض المجتمع الكويتي لهذه الأفكار التي لم يثبت عليها الديين نفسه، فقد كان قبل سنوات متقمصًا للفكر الأحمر الذي ينادي بتوزيع الثروات، «والثورة على أنظمة الحكم الوضعية»، وهذا الفكر «السابق» حمله عبداللطيف الدعيج والربعي وغيرهم على القيام بتفجيرات عام 1969م لإرغام الناس على اعتناق أفكارهم بقوة، وإلا اعتبروهم رجعيين لا جزاء لهم إلا الإعدام والسحل والتنكيل وربما الإذابة بالأسيد حسبما يرى الثوريون «الحمر» في بعض الأحزاب التي تحكم بعض الأقطار العربية، ومع مرور الأيام غيّر الديين وبعض رفاقه خطهم الجديد واتجهوا نحو الليبرالية خطهم الجديد الذي لم يكن أفضل من سابقه، بل هما مجرد طيفين يخرجان من البوتقة نفسها، والطريف حقًّا أن الديين يعتبر الليبرالية زائفة ولكنه يفسر الزيف وفقًا لمفهومه، ونحن نوافقه في كونها فعلًا زائفة ولكن نختلف معه في الزاوية التي يرى منها هذا الزيف، وأود هنا أن أتساءل بشكل صريح وواضح ما حكم من يرى أن تطبيق العقوبات الشرعية الواردة في النصوص القطعية في الكتاب والسنة تخلف ورجعية ويدعو إلى إلغائها لأنها مناقضة للمبادي الليبرالية التي يؤمن بها والتي يرى من خلالها أن العقوبات الشرعية تنطوي على وحشية -هكذا زعموا- وأن القانون الوضعي الذي وضعه البشر لعقوبات القتل والزنى والسرقة خير وأرحم من القانون الإلهي الذي شرعه رب العالمين؟
ولا أدري ما سر هذا الخوف الذي أبداه الديين بقوله: «ولعل هنالك ثلاثة احتمالات لتفسير امتناع النواب الليبراليين عن إعلان موقفهم حول هذا الاقتراح الخطر والخطير الذي من شأن إقراره تحويل الكويت إلى دولة دينية» اهـ اعتبر الديين أن هذا المقترح خطر وخطير، وأنا أعتقد أن الخطورة ليست في القانون المقترح نفسه، بل الخطورة في الحقيقة هي هذا الفهم الذي أبداه الكاتب في نظرته لفلسفة العقوبات في الشريعة الإسلامية والتي ينظر إليها بمنظور من لا يفهمون روح الإسلام، ولو نظرنا بعين الإنصاف والتجرد لوجدنا أن الشروط التي وضعها الإسلام لإقامة الحدود قد بلغت حدًّا من الدقة والاحتياط، بحيث تكون إقامتها متعذرة في كثير من الأحيان، وذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات، حيث إن العقوبة المستوفية لشروطها يجب أن تقابلها جريمة كاملة مستوفية الأركان، فإذا ما عرضت أدنى شبهة فقد اختل ركن في الجريمة فلا يقام الحد في مقابل ذلك -ويترك للإمام أو القاضي تقدير العقوبة التعزيرية حسب المصلحة، إما بالغرامة أو الحبس أو غيرهما مما لا يصل إلى الحد- ولنضرب مثالًا لذلك، لو أن شخصًا سرق شيئًا من المال العام أو مصحفًا من المسجد، فإن حد القطع لا يقام عليه لوجود شبهة في ملكية المال أو المصحف لأنه يملك جزءًا منهما باعتبارهما ملكًا عامًا للمسلمين وهو جزء من هذا العموم وهذه الشبهة تدرأ عنه الحد ولكن لا تمنع من عقوبته بشيء لا يصل إلى القطع وهذا مثال بسيط من أمثلة أخرى كثيرة يلمسها كل من يطالع في الفقه الجنائي في الإسلام، وبالمناسبة فأنا أنصح الكاتب الديين -إن استطاع أن يتجرد عن ليبراليته قليلًا- أن يقرأ كتاب التشريع الجنائي في الإسلام مقارنًا بالقانون الوضعي للأستاذ عبدالقادر عودة – يرحمه الله.
وبإمكانه أيضًا قراءة كتابي «الجريمة» و«العقوبة» للشيخ محمد أبي زهرة علامة زمانه، ففي هذه الكتب الثلاثة عرض وبسط لهذه القضية بأسلوب عصري شيق، وقد اخترت هذه الكتب لأنها أقرب إلى فهم الأستاذ الديين مما لو قرأ في كتب التراث الفقيهة في أبواب الجنايات لعلمي بمدى نفرة الديين من هذه الكتب التأصيلية التراثية ولأن الكتب التي اخترتها له تحوي ردودًا على شبهات المستشرقين الذين تأثر بهم وبفكرهم كثيرون من أبناء جلدتنا.
وعمومًا فإننا نؤكد على قضية مهمة وهي أن قضية تطبيق الحدود الشرعية لا تحتمل أن تكون مجالاً للمزايدة بين أي طرفين أو تيارين للتكسب السياسي أو المزايدات الانتخابية ولا يجب أن ينظر إليها كصراع سياسي داخل قبة البرلمان بين التيار الليبرالي والتيار الإسلامي -مع اعتقادي أن الأستاذ الديين ينظر إليها من خلال هذه الزاوية- بل إنها إلزام رباني وتشريع إلهي ذم الله مخالفيه الذي يستبدلون به غيره بقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ﴾ (البقرة : 61).
وبالمناسبة، فأنا أنصح الأستاذ الديين -والدين النصيحة كما جاء في الحديث الصحيح- أن يقرأ كتاب الدكتور عمر الأشقر: «الشريعة الإسلامية لا القوانين الجاهلية، ليتعرف عن كثب مساوئ القانون الوضعي بعد أن ينزع النظارة السوداء عن عينيه، ويتخلص من القناعات المسبقة التي يرى من خلالها مخالفيه في الفكر كلما تقدموا بمشاريع أخلاقية تعود على المجتمع بالنفع الوفير»، وأي نفع أفضل من تطبيق حدود الله في الأرض، وكما جاء في الحديث المروي بإسناد حسن عن ابن عمر مرفوعًا: «إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله».
إن مشكلة إخواننا الليبراليين -أو التقدميين- كما يحلو لهم أن يسموا أنفسهم أنهم ما زالوا يبحثون عن دور يؤدونه يتمكنون من خلاله من قيادة الشارع الكويتي الرافض بجملته لأفكارهم فلما لم يجدوا ما يستطيعون من خلاله أداء هذا الدور أخذوا يعارضون مشاريع غيرهم ولو كانت تصب في الصالح العام كما فعلوا في قانون التجنيس الذي حاولوا إجهاضه لولا الأغلبية الساحقة التي أيدته، ولا أستبعد أن يحاول الليبراليون -الذين انتقدهم الأستاذ أحمد في بعض مقالاته- أقول لا أستبعد أن يحاولوا تغيير طيفهم الفكري، ما داموا يعيشون مرحلة الترهل هذه الأيام، وإن فكروا بالتغيير هذه المرة، فإن الفرصة سانحة أمامهم لكي يعيدوا هويتهم التي فقدوها -طوعًا أو كراهية- منذ أيام المراهقة السياسية في الستينيات، فهل يستعيد الليبراليون ومن ضمنهم الديين رشدهم السياسي، ولكن بثوب جديد هذه المرة ليعيدوا به هويتهم الضائعة منذ عقود؟ هذا ما أتمناه لهم ويكفي ثم يكفي أكثر من ثلاثة عقود من التقلبات الفكرية ليعود الإنسان إلى مساره الصحيح لأن ضبط البوصلة في البحر المتلاطم أهم كثيرًا من قطع المسافات في طريق ضائع لا طائل من ورائه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل