; الشعب نايم ! | مجلة المجتمع

العنوان الشعب نايم !

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 63

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 06-أبريل-1999

الشعب نايم!

بقلم: د. توفيق الواعي

يجمع المفكرون- إسلاميون وغيرهم- على أن الأمة التي تعيش في أجواء الحرية ومناخ الكرامة، تبدع في الحياة، وتسود في الحضارات، وترتقي بين الأمم، وتكون أشد استمساكًا بأرضها وأوطانها من الأمم المهزومة نفسيًا وحضاريًا وإنسانيًا.

ويجمع الباحثون العسكريون على أن الانتماء التاريخي لأمة منتصرة وعظيمة ومرهوبة الجانب، هو من أهم الأسباب في سمو الخصال الحربية لدى المقاتل، فهل يقدر الذين يدعون إلى عزل الجندي العربي عن التراث الإسلامي المنتصر، أنهم ينزعونه من تيار الانتصار التاريخي ليربطوه بحاضر مشوه، وفترة كذوب، لم يشهد إلا الهزائم العسكرية والسياسية المتتالية، ينتزعونه من المجد الأبي، والعزة الشامخة، التي تتحدث إلى النفس، وتتفاعل مع الكيان المؤمن لتجعل الانتماء إلى الإسلام قرين العزة، فيقول صلى الله عليه وسلم: «من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منا».

وهل يقدر الذين يقهرون الشعوب والأمم، ويحاولون القضاء على كرامتهم وعزتهم، أنهم بهذا يدمرون حياة تلك الشعوب، ويخسفون بها، ويقضون على إبداعها، ويسلبونها إرادتها ونخوتها وحيويتها، ويخدرونها ويجعلونها تغط في نوم طويل، وليفعلوا بها ما تمليه عليهم الأبالسة والشياطين، والشعب نايم، تزور إرادته، وينتخب عنه، ويقترع باسمه والشعب نايم، لا صوت، ولا حركة، ولا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا، يولي على الناس من لا يريدون، أو يعرفون، وينتخب لهم من لا يختارون أو ينتقون، بنسبة 99,99%، ويظل هذا في السلطة أربعين عامًا، أو نصف قرن، لا يبدع شيئًا، أو يبني نهضة، أو يدفع تقدمًا، بل يكاد يقضي على الأخضر واليابس، ثم يجدد له فترات وفترات، والنسبة في الاقتراع هي الإجماع والفداء بالروح والدم، وما ذلك إلا لأن الساحة قد خلت من الشعب، لأنه قد نوم وراح في ثبات عميق، وقد يتساءل الإنسان:

كيف تقيم مخابرات الأمة الانتخابات؟ وكيف يشرف عسكر السلطة ومباحثها عليها؟ وكيف تقوم انتخابات في ظل انعدام القانون؟ وفي ظل أحكام عسكرية واستثنائية، وطوارئ، وقوانين للإرهاب؟! بل وقتل  للخصوم وتصفيات جسدية؟

وكيف تصح نتائج هذه الانتخابات ولا رقيب ولا حسيب؟ وكيف يطلب من مراقبين دوليين أن يأتوا ليشاهدوا النزاهة والحرية والعدالة؟! أيستطيع أحد أن يشاهد الخوف في الصدور، والرعب في القلوب، ويفتش في أعماق السجون، ويرى مآسي البيوت والأسر والعشائر والقرى والنجوع؟

أيستطيع أحد أن يرى الدموع المتحجرة في العيون، والرؤوس المطأطئة في خنوع، والأشباح التي تعد أنفاس الناس ودقات قلوبهم؟ والبطون الخاوية والجوع والأيدي المرتعشة والوهن، والشعوب المنومة والمخدرة التي تسير إلى المصير المحتوم؟! ولكن من عايشوا المأساة وعرفوها ينطقون ويقولون: الحقيقة أنه ليس لهذه الشعوب إرادة ولا وجود، بل هي مخدرة ونائمة، ويجب أن تصحو من نوم طويل حتى لا تستمر الكارثة والشعب نايم!.

الشعب نايم.. والفران اتسلطنت، واتغندرت، واتحكمت، واتفرعنت، والشعب نايم!!.

الشعب نايم.. والولاد اتيتمت، واتبهدلت، والبيوت اتهدمت، واتخربت، والشعب نايم!

الشعب نايم.. اليهود رفعت رايات، وضربت هامات، وذلت سادات، وقتلت حياة، والشعب نايم!

الشعب نايم.. والعدل مات، والقضا أصبح رفات، والحماة هم الجناة، والشعب نايم!

الشعب نايم.. والظلم مادد وطارح، والبغي هاجم وكاسح، والعسف كاسر وجامح، والشعب نايم!

الشعب نايم.. والسواد غطى الصباح.. والشمس غابت والضيا ولى وراح.. بعد ما قتل الصباح.. والشعب نايم!

الشعب نايم.. وفتيان الحمى قطعوا الجناح، وليوث الدرب طعنوا بالرماح، والدعاة الغر كبتوا بالسلاح، والشعب نايم!

الشعب نايم.. ورجال العلم فروا من هوج الرياح، وبناة المجد يئسوا من هدير الهدم الصراح، والشعب نايم!

الشعب نايم.. ويوم الشوم عاثوا في الديار، والخفافيش الخبيثة حولوا الجور عار وشنار، والشعب نايم!

الشعب نايم.. والهم والغم كاس على الكل دار، والسعادة والهنا والبشر طار، التكاتف والأخوة في انحدار، والشعب نايم!

الشعب نايم.. الديمقراطية وجهها اتلطخ سواد، وعرضها ودمها سفكه الفساد، واللي خايفين منه صار، والشعب نايم!

الشعب نايم.. والتهم نازلة ترف ع العباد، والسجن فاتح ذراعه، والقتل والضرب كاس داير على كل دار، والشعب نايم!

الشعب نايم.. ويقولوا له: هيص وافرح، دافيه انتخابات، بص بعينه الكحيلة وقال: «أبوك السقى مات».

يا شعب..

يا شعب.. أنت عظيم وكبير، ولك تراث وتاريخ، ولك جذور ولك صروح ورايات.

يا شعب.. أنت قوي، ولك عقيدة وإيمان، ولك كتاب وقرآن، آيات تتلى ورا آيات.

يا شعب.. أنت عزيمة، ومجد أمة وحضارة، وحملت للإنسانية مشاعل ونور وهدايات.

يا شعب.. أنت المعلم والمدرس، والمدرب والعقل والفكر والتوجيه، وحامل الوحي والرسالات.

يا شعب.. أنت المربي والمخرج للفتية والأبطال، والفتح كان صنعتك والفوز والبشريات.

يا شعب.. كنت العدالة والحكمة والميزان، وكنت زمان وزمان تهدم قصور الضلال وتقشع الظلمات.

يا شعب.. أنت بتكدح وتشقى وتعرق، تتاجر وتزرع وتقلع وتصنع وتأكل البشوات.

يا شعب.. أنت بتعطي كثير وكثير، ياكل اللي ياكل وينهب اللي ينهب، وأنت تئن تئن من كثرة النكبات.

يا شعب.. عينك بصيرة تميز الملايين، من كدابين بلطجية، ومن عبيد أرزقية، ومن دمي وحيوانات.

يا شعب.. أنت الحقيقة والأصول والولايات، وصاحب الكلمة والسيادات وكافة السلطات.

يا شعب.. ليه يسلبك حقك مغامر أو مقامر أو دكتاتور، يسفك دمك ويسقيك مر في الكاسات.

يا شعب.. ميز.. أنت فيك أبطال ورجال، وشيب وشبان، علم وطهارة وصدق في العزمات.

يا شعب.. قول كلمتك، وأظهر كدا همتك، وارفع شعار عزتك، وانصر كمان أمتك.. وبدد الظلمات.

الرابط المختصر :