; هل هناك خطأ في حساب القرون؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل هناك خطأ في حساب القرون؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1993

مشاهدات 71

نشر في العدد 1035

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 26-يناير-1993

معالم على الطريق

أزمة الفكر في الأمة

عجيب أمر أمتنا، لا بالإسلام تسير، ولا بالعقل تأخذ، ولا بالعلم تعمل، ولا بالتجربة والدروس تتعظ، الجنون عندها فنون، والأهواء في مجتمعاتها مبادئ، والشطحات في أعرافها دساتير، والضلال في تصرفاتها عبقريات، ولهذا فهي تخترع إسلامًا بغير قرآن ولا سُنة، وتستعمل عقلًا بدون بصر أو بصيرة، وتسير بعلم لا حقيقة له ولا دليل عليه، وإلا فبماذا تفسر ما نحن فيه اليوم، وما تقوم به أنظمة، مثل: العراق، والصومال، والجزائر، وهلُم جرا؟

كيف تخرج هذه القرارات التي تضحك العالم؟ وكيف تصدر هذه الأعمال التي تدل على السفه والجنون؟ أمعقول أن تصبح شعوب بين عشية وضحاها سخرية العالم، وألعوبة القاصي والداني؟ إذن فأين عقلاء هذه الأمة، بل أين أولو الرأي فيها؟ أمعقول أن ينظر العالم كل يوم إلى حكام من القردة، إلى مجالس من البهلوانات، وإلى شعوب من الدمى؟ أين تراث هذه الأمة؟ وأين حضارتها؟ وأين تاريخها؟ وأین رصيدها الفكري والثقافي؟ أكل ذلك قُضي عليه، فخلت من المبادئ والقيم، وعريت من الفهم والإدراك، وجُردت من الإنسانية والرجولة؟

 

التخلف الحضاري

أجرى بعض الباحثين دراسات حضارية آنية على أمتنا، فوجد أنها تعيش في القرن الثامن عشر الميلادي؛ أي أنها متأخرة عن عصرها بمئتي عام على الأقل -وهو بهذا يعد متفائلًا- ودلل على ذلك بأدلة كثيرة، نضرب مثلًا لدليل واحد من هذه الأدلة، وهو الحريات العامة، ومشاركة الجماهير في صنع القرار؛ حيث كان زعماء القرن الثامن عشر ينظر معظمهم إلى الرأي العام على أنه أقرب ما يكون إلى الإرهاب، وكان الشعب يعبر في تلك الفترة عن نفسه بأي شكل من أشكال العنف، وتنظر السُلطة إلى اعتراضاته وإلى أفكاره الإصلاحية على أنها أعمال إرهابية عنيفة مدمرة، وكان العكس هو الصحيح.

يقول أرنولد توينبي عالم الحضارات المشهور: «إن الفترات التي يتحول فيها الحكم إلى نزاعات أقليات مسيطرة، يهجر الناس فيها الامتثال للحكم، ويحل الخوف محل الجاذبية للسُلطة والتعاون معها، ويكون ذلك من أكبر الأسباب في انهيار الشعوب والأمم والحضارات».

 

دروس من الأمم الناهضة

ولقد رصدت الأمم الناهضة هذه العوائق المدمرة التي نسفت عقول الأمم، وأسلمت مصائرها لقلة أفسدها التحكم، ولعب بها الهوى فوعتْها، وأشركت شعوبها في صنع القرار، وتشاورت معها في إبداء الرأي، وأحست بنبضها ومصالحها، وابتكرت من الأساليب ما يمكنها من الانتفاع برأي بنيها وعقول أمتها.

يقول «إبراهام لنكولن» أبرز حكام أمريكا: «إن ما أريد أن يتم هو ما يريده الناس أن يتم، ولكن السؤال في نظري هو: ماذا يريدونه على وجه الدقة».

ويقول «دويتش»: «إن على السُلطة السياسية أن تحيط المواطنين بقراراتها قبل مطالباتهم بطاعة تلك القرارات، ومن العبث أن يُكره النظام السياسي الفرد على الالتزام بأمر ما قبل أن يكون الفرد على إحاطة كاملة به راضيًا عنه».

 

سبق الإسلام

ولقد جاء الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان فنقل الجاهلية إلى ما بعد القرن العشرين، وفرض على السُلطة الشورى، وما هو أبعد منها، فقال تعالى:

﴿فَبِمَارَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِلَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْفِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ما تشاور قوم قط إلا هدوا إلى أرشد أمرهم». وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أشيروا عليّ أيها الناس» ويكثر من ذلك، وكان -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى النظام التمثيلي الذي يجعل الأمة هي القاعدة الأصيلة للقرار عند إخفاق ممثليها في الاتفاق، فيقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم»، أي بالرجوع إلى استشارة الأمة.

كما يجعل الأمة مسئولة عن التغيير إلى الأفضل ومراقبته، فيقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» إلخ.

وقال الفقهاء: «من لا يستشر فعزله واجب».

 

تساؤلات حارقة

فهل رجعت الأمة إلى جاهليتها، أم اخترعت دينًا آخر لها؟ وهل هي مؤهلة اليوم بعقل سليم يختار بين البدائل برؤية عميقة واعية؟ وهل تعترف بسُلطة العلم وجدواه، وتؤمن بلغة العصر ولزومها؟ وهل عند رعاتها توجه إلى كسر أغلال الشعوب واستثمار طاقات الأمة؟ وهل يستطيع أولوا الأمر فيها التخلي عن العنتريات والمغامرات البهلوانية التي حولت الأمة إلى سيرك كبير؟ أم أنهم فقدوا حسابات القرون، وتوغلوا في متاهات الجاهليات، ولا رجعة إلا بحبل من الله وحبل من المؤمنين؟

 

الرابط المختصر :