العنوان الآن حصحص الحق ووضح السبيل
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
مشاهدات 92
نشر في العدد 586
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
بعد الحرب العالمية الثانية كانت شعوب العالم الإسلامي تخضع للاستعمار البريطاني والفرنسي وأعطيت ما سمى بالاستقلال وأقميت بها أنظمة على غرار النظام الغربي، فأجريت انتخابات وأقيمت برلمانات وأسست أحزاب وأتيح للشعوب قسط كبير من الحرية السياسية طبقًا لهذا النظام، ولم يكن النفوذ الأمريكي ولا الروسي قد استفحل في المنطقة فجاءت أمريكا أولًا عن طريق حليفتها بريطانيا وفرنسا، وتراجع النفوذ البريطاني والفرنسي تاركًا الفرصة للنفوذ الأمريكي أن يسيطر ويتغلغل في المنطقة، وبما أنه لم يكن للأمريكان سابقة استعمار للشعوب، فكانت أمريكا مقبولة لدى شعوب المنطقة وفضلت على بريطانيا وفرنسا، وخاصة أنها جاءت بمشاريع ومساعدات اقتصادية وظهرت بمظهر النصير لحرية الشعوب، ولكنها ما أن ترسخت أقدامها في المنطقة حتى ظهرت على حقيقتها كدولة استعمارية لا تختلف عن بريطانيا وفرنسا في جبروتها وحقدها على الإسلام والمسلمين. وأكملت ما بدأته بريطانيا من ظلم وإجحاف بحق الشعب الفلسطيني ابتداء من وعد بلفور، وحققت ما عجزت عنه بريطانيا في هذا المجال، فنقلت اليهود من مختلف القارات وأمدتهم بالمال والسلاح ليطرد الشعب الفلسطيني من أرضه وتقام دولة إسرائيلية كجسم غريب في قلب العالم الإسلامي تهدد أمن وسلامة كل شعوب المنطقة بأطماعها التوسعية حسب عقيدتها التوراتية التي تحدد دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، وأطلقت يد المخابرات الأمريكية للتلاعب بمقدرات الشعوب وأمنها عن طريق الانقلابات العسكرية وتأسيس الأحزاب والمنظمات باسم الديمقراطية والقومية والوطنية وبدت قضية فلسطين الشغل الشاغل لأهل المنطقة فهي القضية الأولى في تفكيرهم وحياتهم لا تشغلهم قضية أخرى غيرها واشتدت الكراهية ضد أمريكا بسبب تماديها في دعم وتأييد إسرائيل وتشجعيها على العدوان والغطرسة. وهنا تحرك الاتحاد السوفيتي مستغلًا حالة الكراهية هذه بين أمريكا وشعوب المنطقة، فأملت الشعوب فيه خيرًا لعله يساعدهم على استرجاع فلسطين ويدفع عنهم طغيان أمريكا وجبروتها فقامت علاقات حميمة بين بعض دول المنطقة والاتحاد السوفيتي وظهر من أبناء المنطقة الثوريون والاشتراكيون الذين جذبهم الاتحاد السوفيتي إلى مبادئه وأفكاره فرفعوا الشعارات اليسارية وتوالت الانقلابات على الأوضاع السائدة وأجهزوا على الحريات العامة والفردية وأعلنوا أنهم سيحررون فلسطين بقوة السلاح السوفيتي والتشيكي والصيني وسيبنون في بلدانهم اقتصادًا قويًّا يرتكز على الاشتراكية وينصف العمال والكادحين ويمنع الاحتكار والاستغلال. وأسسوا أجهزة قوية للمخابرات وأجهزة أخرى للإعلام، وأنشئت له وزارة لأول مرة في المنطقة فكانت كل الصحف والنشرات والمطبوعات والإذاعات المرئية والمسموعة تنطق كلها بلسان واحد وتتصدرها أقوال زعماء النظام وخطبهم الرنانة كلهم سيحررون فلسطين وسيرمون إسرائيل في البحر والشعوب تهتف وتصفق في انفعال وتوتر أعصاب فقد قرب اليوم الذي ستحرر فيه فلسطين ويعود الشعب الفلسطيني إلى أرضه ويرجع اليهود شذاذ الآفاق إلى بلدانهم في أوربا وأمريكا، وظهر أدباء وكتاب ثوريون تتلمذوا على أدباء روسيا ويوغسلافيا وغيرهم ونقلوا تجارب وفلسفات أحزاب الكتلة الشرقية فكتبوا المقالات المسلسلة. وأصدروا الصحف والمجلات الطليعية والثورية، وألفوا الكتب التي تضمن الأفكار العارية الجديدة يبشرون بالمستقبل الزاهر لشعوب المنطقة ويزكون الصراع الطبقي بتقسيم الناس إلى رجعيين يجب أن يسحلوا ويركلوا بالأرجل ويضربوا بالنعال، وتقدميين يجب أن يقربوا ويرفعوا إلى أعلى المناصب لأن أهل الثقة أولى من أهل الخبرة. ووحدة الهدف قبل وحدة الصف ودخلت الشعوب في دوامة من الصراع وإثارة الأحقاد، فلا تسمع صباح مساء إلا مهاترات وشتائم الإذاعات ولا تقرأ في الصحف إلا عبارات وألفاظ جديدة أضيفت إلى قاموس التنابز بالألقاب في التاريخ العربي «يلاحظ إن كثيرًا من أولئك الكتاب والصحفيين الذين كانوا قائمين على أمر هذا الإعلام هم الآن في أحضان من كانوا يسمونهم بالرجعيين بعد أن جفت منابع المادة في مراكزهم الأولى- سبحانه يغير الأحوال».
واشتدت وطأة الحكومات على شعوبها فسيقت الجماهير إلى السجون والمعتقلات زرافات ووجدانًا وتفننت في أدوات التعذيب وغسيل المخ، وأجريت المحاكمات التي أعدت أحكامها مسبقًا وقطعت الرقاب وسحبت الجثث في الشوارع وتحدوا مشاعر شعوبهم الإنسانية والدينية. وانصاعوا إلى ما تدعو إليه الشيوعية من محاربة الدين والاستخفاف بأهله وملاحقة دعاته.
وبدلًا من تقوية الاقتصاد ورفع مستوى الشعوب تدهور الاقتصاد وساءت حالة الناس فأظفر الغني وازداد الفقير فقرًا، وفسدت الذمم، وانتشرت الرشوة، وحطمت الأسر، وانحطت الأخلاق وفقدت خصال الخير والشهامة والغيرة على الأعراض، وسيطرت روح الخوف وعدم الثقة بين الناس فلم يعد الأب يثق في ابنه وابنته. ولا الأخ في أخيه. وأصبح لا هم للناس إلا لقمة العيش التي يفوزون بشرائها بعد طول عناء من الجمعيات التعاونية ومقابل دراهم لا سبيل للحصول عليها إلا من خارج البلاد مما يجود به عليهم أقاربهم المهاجرون، وأكثرهم هربوا من الأوضاع الشاذة في بلدانهم ولو وجد كل السكان الفرصة للهروب لوجد الحكام أنفسهم مع الكلاب والقطط وليس معهم بشر. فقد تبنوا أفكارًا بعيدة عن الواقع ورفعوا شعارات لا تغني ولا تسمن من جوع وأدخلوا الأوطان في متاهات لا حدود لها، وهذا كله بسبب اتباع الهوى وعدم الانقياد للحق، فقد جعلنا من أنفسنا أعوانًا للظالمين وأبواقًا للطغاة، ونرى الظلم عيانًا بيانًا ونسكت عليه ونحاول تبريره والتستر عليه، فأهل الأرجنتين عندما عرفوا أن سبب هزيمتهم هو غياب الحرية في بلادهم وتسلط الديكتاتورية على شعبهم، أصلحوا الخطأ وعزالوا حكومتهم، وإسرائيل التي حاربتنا ثلاثة حروب لم تحل برلمانها بسبب الحرب ولم تضع المعارضة في المعتقلات والسجون، وتشرشل الذي انتصر في الحرب على ألمانيا لم يقل أن له الحق في أن يستمر في الحكم بل خضع لنتيجة الانتخابات وتخلي لا تلي وحزبه، وديجول لما رأى الشعب لا يوافقه على رأيه تخلي عن الحكم وتركه لغيره، ولم يزور أحد من هؤلاء الانتخابات ويجعلها 99.9% لصالحه. أما نحن فنقول مزيدًا من الكبت والإرهاب ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، والحاكم يكون حاكمًا مدى الحياة فكانت النتيجة أن نعيش النكسات.
وبدلًا من أن تعمل الأنظمة على توحيد كلمة الفلسطينيين وتساعدهم على استرداد وطنهم أصبح لكل نظام منظمة تتبعه تختلف مع المنظمات الأخرى، وأصبحوا يستغلونها في خلافاتهم وتصفية حساباتهم، ولما وقعت الواقعة وأحيط بالفلسطينيين من كل جانب وأصبح الشعب الفلسطيني بين السيف والنطع تخلوا كلهم عنه وتركوه يقاتل وحده ولا من مغيث ولا من مجيب ولا صديق ولا قريب ولم نر تصديًا ولا صمودًا ولا مواجهة من أحد، ولم ير الناس في السماء إلا الطائرات الإسرائيلية تتقلب في الجو تضرب كيف شاءت ومتى شاءت تقتل المئات والآلاف من المدنيين والنساء والأطفال وكأن طائرات العرب جميعها على مختلف أشكالها وأسمائها قد أصابها العطب وهي في قواعدها أو أنهم لا يملكون إلا حميرًا وبغالًا وجمالًا، كما كان يحلو للبعض أن يرجع أسباب الهزيمة سنة 1967 إلى تخلف العرب في مجال التكنولوجيا، ولكن الآن يتضح أن السبب الحقيقي وراء هذه النكبات والنكسات هو التمزق والتفرق والتشتت، لأن سنن الله لا تتغيير ولا تتبدل، فإن الأوصاف التي كانت في اليهود والمنافقين عندما تواطأوا على حرب المؤمنين قد انطبقت علينا نحن لأننا لم نسلك سبيل المؤمنين، ولم نتبع منهج الله. يقول الله تبارك وتعالى في شأن هؤلاء المنافقين واليهود الذين تأمروا على الدعوة الإسلامية وأرادوا حرب المؤمنين:-
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (الحشر:11-17).
والشيطان إذ تبرأ من الإنسان كان أحسن حالًا من هؤلاء لأنه خاف من الله بعد أن كفر الإنسان بربه أما هؤلاء فلم يخافوا من الله وإنما خافوا من أمريكا وإسرائيل.
وبعد هذا نقول لأولئك الذين أحسنوا الظن في أمريكا والغرب ويدعون أنه باستطاعتهم أن يخففوا من تأييد أمريكا لإسرائيل ويجعلونها تنظر لقضية فلسطين بإنصاف وعدالة، نقول لهم: لا تتعبوا أنفسكم ولا تضربوا في حديد بارد، إن بين أمريكا وإسرائيل ارتباط عضوي، ويجب ألا ننسى الحقد الصليبي الاستعماري عند الغربيين جميعهم الأمريكان والفرنسيين والإنجليز ومن على شاكلتهم، والمسيحيون يؤمنون بالعهد القديم الذي يستند إليه اليهود في إقامة دولتهم ولعل أحدًا لم ينس ما قاله كارتر وريغان في حملتهما الانتخابية بهذا الصدد، فأمريكا منذ ثرومان أول رئيس أمريكي اعترف بإسرائيل سنة 1948م إلى ريغان آخر رئيس أمريكي أمدها في غزو لبنان لم تتغير سياستها في تأييد إسرائيل في عدوانها وتوسعها على حساب العرب، والمغفلون هم الذين تخدعهم التصريحات والكلام المعسول يهللون لأي تصريح من مسئول أمريكي أو أوربي يرون فيه انتقادًا لإسرائيل، ودول الغرب تصدر أحيانًا التصريحات المبهمة خداعًا للعرب وإيهامًا لهم أنها ليست مع إسرائيل في عدوانها، ومن هناك تعينها وتشد على يدها وتمدها اقتصاديًّا وعسكريًّا كل ذلك ليس حبًّا في إسرائيل، فاليهود لا يحبهم أحد، ولكنه الحقد الدفين على العرب والإسلام ومن أجل أن يبقى المسلمون دائمًا في ضعف وتفكك. إنهم يتلذذون بصراخنا وعويلنا ويتشفون فينا فيخطئ من يظن أننا نستدر عطف الغرب علينا بالدموع والبكاء والصراخ، إن ذلك يزيد من تشفيهم فينا، إن العالم لا يحترم إلا من يستطيع الدفاع عن نفسه ويرد المعتدي عن عرينه، فأمريكا هذه هي التي تقف منا اليوم هذا الموقف وتضع ثقلها وراء إسرائيل لن تسمع لنا إلا إذا أريناها من أنفسنا قوة ومن تضامنا وحدة، وستقف الدنيا كلها معنا إذا تركنا هذا الرغاء، ووحدنا صفوفنا ورفعنا راية واحدة، كما يجب ألا نعتمد على ما يسمى بالضمير العالمي والهيئات الدولية في تحقيق العدالة لقضايانا، فإن ذلك ضرب من الخيال وتلمس للمحال، وإن العدالة في عرف الأمم هو تكافؤ القوى وهذا ما سبق أن اعترف به وزير خارجية فرنسا سنة 1900 المسيو هانوتو، وقد علق على هذا القول الشيخ محمد عبده بقوله وهي نصيحة يجب على المسلم قبولها من أجنبي عنه، كما يجب عليه من قبل أن يقبلها من أبي بكر الصديق فقد قال لخالد بن الوليد عندما بعثه لحرب اليمامة «حاربهم بمثل ما يحاربوك به، السيف بالسيف والرمح بالرمح».
أما المغفلون الآخرون فهم أولئك الذين وضعوا ثقتهم في روسيا وظنوا أنها ستساعدهم على تحرير فلسطين، فقد نسوا أن روسيا دولة كبرى لها مطامعها ومصالحها وأنها تنافست مع أمريكا على قيام دولة إسرائيل والاعتراف بها في الساعات الأولى من قيامها وشجعت الهجرة اليهودية إلى فلسطين بل أرسلت أكبر قوة بشرية من اليهود السوفييت، وهي تزيد على أمريكا أن لها مطامع توسعيه في العالم الإسلامي باعتبار أن لها حدود مشتركة مع دول المنطقة وكزعيمة للعالم الشيوعي تريد أن تلتهم كل إقليم وشعب في المنطقة كما سبق أن التهمت أجزاء من العالم الإسلامي في آسيا الصغرى، وهي الآن تغزو بدباباتها وطائراتها وجيوشها الجرارة أراضي أفغانستان وتضرب شعبها بالقنابل والصواريخ ولها تاريخ مع العالم الإسلامي لا يمكن تجاهله.
والحق أننا لن نستفيد من انحيازنا إلى أمريكا أو روسيا، فيجب أن نحافظ على كياننا الحر المستقل ونستثمر خلافاتهما لمصلحتنا نحن ونكون على يقظة تامة من ألاعيب الوفاق واقتسام مناطق النفوذ ونحافظ على ثرواتنا، ونكون وحدة متماسكة تعتصم بحبل الله، والإسلام الذي حررنا من سطوة فارس والروم كفيل أن يحررنا من سطوة أمريكا وروسيا. علينا أن نتذكر أن عمر بن الخطاب قد فتح فلسطين بعقيدة، وأعادها صلاح الدين بعقيدة، إن المدافع والصواريخ وحدها لا تكفي، فلدينا مدافع وصواريخ وطائرات ودبابات أكثر مما تمتلكه إسرائيل ومع ذلك لم نحرك ساكنًا لأننا أعطينا الدنية في ديننا، وأتحنا الفرصة لأعدائنا في تفريق كلمتنا وتشتت شملنا، كيف لو كنا متحدين متضامنين وراء هدف واحد لم ننحرف يمينًا ولا يسارًا، ووضعنا نصب أعيننا قضيتنا المصيرية وحدها عندها ومن أجلها يكون الرضا والغضب واللين والشدة، ووضعنا في سبيل ذلك كل إمكانياتنا وقدراتنا لا ريب أنه سيحسب لنا ألف حساب.
إن أولئك الذين يريدون منا أن نبعد عقيدتنا عن معركتنا وننسى تاريخ عمر وصلاح الدين إنما يهيئون الفرصة لنكون ضحايا للاستغلال اليهودي والاستعمار العالمي، وأن نكون دائمًا تحت رحمة أعدائنا.
إن مليار مسلم لو حركنا فيهم العقيدة الإسلامية والحمية الدينية، والتزم زعماء المسلمين بالعقيدة كما التزم بها صلاح الدين لفتحنا القدس مرة أخرى وأرجعنا الصهاينة إلى بلدانهم في الآفاق، ويجب أن نلاحظ أن صلاح الدين قبل أن يذهب إلى القدس لتحريرها وحد أولًا الثقافة في مدارس مصر والشام وأبعد عنها شعارات الزندقة والفلسفة ورفع شعارًا واحدًا هو شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاتحدت خلفه مصر والشام وكافة الأقطار الإسلامية، إن الوحدة المبنية على العقيدة الدينية هي وحدها طريق الخلاص.
والمرحلة الأولى لإصلاح الحال وتحقيق الأهداف هي الحرية للشعوب لتقول كلمتها وتوحد صفوفها على أساس من عقيدتها، فلا تفرض عليها مبادئ ولا تيارات، ولا يتحكم فيها أشخاص يعتبرون أنفسهم هم الساسة وهم العباقرة ولا رأي إلا رأيهم، ولا صوت يعلو فوق أصواتهم إن الشعوب المضطهدة لا تقاتل إلا من يضطهدها،ـ فإذا هي تخلصت من الاضطهاد المباشر عرفت عدوها الحقيقي وآمنت بقضيتها المصيرية وتصدت للغرباء والدخلاء.
فبالوحدة الوطنية للشعوب المسلمة، والحرية في القول، والمساواة التامة في الحقوق والواجبات نكون قد أصلحنا البيت من داخله وأسسنا دعامات للانطلاق إلى أهدافنا الكبرى.
وحتى لا يتفلسف علينا أحد ممن بقي في غيه من دعاة القومية العربية، فقد جاءت أحداث لبنان لتقطع جهيزة كل خطيب، فأثبتت بما لا مجال لإنكاره أن العناصر التي ساعدت الغزاة الإسرائيليين هي نفس العناصر التي ساعدت الصليبيين والتتار في غزو بلاد المسلمين، جاءت هذه الأحداث لتؤكد هذه الحقيقة التاريخية مما جعلنا نطمئن إلى أن التاريخ يعيد نفسه ونقول ما أشبه الليلة بالبارحة الآن حصحص الحق ووضح السبيل.
وقد آن الآوان لأن تراجع القيادات الفلسطينية حساباتها وتعيد النظر في منطلقاتها بعد أن تعرضت المقاومة للذبح من أعدائها وأصدقائها على السواء، ولن تموت قضية فلسطين ولن تخمد المقاومة للاحتلال ما دام هناك بقايا إيمان يسرى في شعب فلسطين من عهد عمر بن الخطاب، وقد أثبت الشعب الفلسطيني أن فيه أبطالًا، وأي أبطال، وسيحمل الراية رجال ﴿رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ (الأحزاب: 23). ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:39-41).
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء:75).
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء:76).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل