; ماليزيا.. إجراءات الوقاية من “كورونا” قضت على مظاهر رمضان | مجلة المجتمع

العنوان ماليزيا.. إجراءات الوقاية من “كورونا” قضت على مظاهر رمضان

الكاتب أحمد سليمان

تاريخ النشر الجمعة 01-مايو-2020

مشاهدات 73

نشر في العدد 2143

نشر في الصفحة 38

الجمعة 01-مايو-2020

ملف رمضان

  • إغلاق المساجد يعد العامل الأكثر تأثيراً في تغيير مزاج الماليزيين في ظل الأزمة.
  • الأسواق جزء من ثقافة المجتمع الذي لا يستغني عنها خاصة في رمضان.
  • بعض الجاليات قامت بتنظيم المحاضرات والورش التدريبية عبر تطبيقات التعليم الإلكتروني المختلفة.
  • أدوات الحماية تمثل عبئاً إضافياً على الطواقم الطبية حيث يضطرون لاستخدامها طوال فترة العمل.

دخل شهر رمضان الفضيل على المجتمع الماليزي هذا العام، وقد تغير كل شيء؛ فالأجواء الصاخبة، والأسواق المكتظة، وعروض المتاجر من كل نوع، وهدير أصوات المساجد بالتكبير والتهليل والقرآن وصلاة التراويح؛ كل ذلك اختفى، فيبدو للمراقب وكأن هذا رمضان آخر غير الذي اعتاده الناس في كل عام، وكل ذلك بفعل إجراءات الوقاية من وباء «كورونا».

حسب آخر تحديثات وزارة الصحة الماليزية حول جائحة «كورونا»، بتاريخ 26 أبريل 2020م، فقد بلغت أعداد الحالات المؤكدة 5780 حالة، تعافى منها بالفعل 3862، بينما بلغت حالات الوفاة خلال الأزمة 98 حالة، وما زال 1820 مصاباً يتلقون العلاج في مستشفيات الحجر الصحي، وقد تناقصت الحالات المكتشفة يومياً بشكل واضح من متوسط 180 حالة يومياً في نهايات مارس الماضي، إلى أقل من 50 حالة يومياً حالياً؛ مما قاد إلى أن عدد حالات المتعافين يومياً أصبح من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف الحالات المكتشفة.

ومع دخول الأيام الأولى من رمضان، تم تجديد «قرار تقييد الحركة» المعروف اختصاراً بـ»MCO" للمرة الرابعة على التوالي؛ مما يعني شهرين تقريباً من الإغلاق الكامل لكافة مظاهر الحياة والانتقال والحركة.

والحقيقة أن إغلاق المساجد يعد العامل الأكثر تأثيراً في تغيير مزاج المواطنين الماليزيين في ظل الأزمة، فالمسجد بالنسبة لمسلمي ماليزيا لا يقتصر دوره على الصلوات فحسب، بل يكاد يكون بيتاً ثانياً لهم في رمضان، ففي الثقافة الماليزية تناول الطعام بشكل جماعي يضفي على الأجواء مزيداً من البهجة، ومشاركة الطعام هي جزء من التكوين النفسي للكثيرين، لذلك يتناول العديد من الجيران طعامي الإفطار والسحور في المسجد، وفي صلاة التراويح يقدم رواد المسجد الكثير من الحلويات، والفواكه، والعصائر والأطعمة الخفيفة للمصلين بعد انتهاء الصلاة؛ مما يمثل حافزاً للصغار لحضور الصلوات، والاستمتاع بتناول المأكولات والمشروبات في المسجد.

أئمة بلا عمل!

«مكره أخوك..»! يضطر ملايين المسلمين في ماليزيا إلى أداء صلوات التراويح في بيوتهم كما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته الأول، لكن هذا الإجراء للأسف حرم الكثيرين ممن قد لا يتوافر لهم إمام يؤمهم في هذه الصلاة، فليس في كل البيوت رجل قادر على قراءة القرآن القراءة الصحيحة ولو من المصحف، في الوقت الذي يعاني آلاف الأئمة من حالة الفراغ التي أعقبت إغلاق المساجد.

الشيخ عبدالرحيم بن محمد شفيق، إمام مسجد الفلاح بـ«سونجاي دوا»، الذي تلقى تعليمه في الأزهر الشريف، يقول والحسرة بادية من حديثه: في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كنت مشغولاً بترتيب صلاة التراويح ودروس العلم، وطعام الإفطار والسحور لمن يتناولون طعامهم في المسجد، كذلك الضيافة التي تقدم للمصلين أثناء صلاة التراويح، لكنني هذا العام وفي شهر رمضان بلا عمل!

وقد حاولت إدارة الشؤون الدينية في مجالس الولايات التعويض ببعض الدروس على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي وسائل الإعلام، لكن لا يزال الفارق بين ما اعتاده الناس والمتاح واسعاً.

كانت مبادرة علماء الشريعة في باكستان، التي تكللت بالنجاح في إقناع الحكومة بفتح المساجد مع اتخاذ كافة التدابير الاحترازية، دافعاً إلى مبادرة مماثلة تقدم بها مجموعة من علماء الشريعة العرب والماليزيين إلى وزارة الشؤون الدينية لتخفيف القيود على المساجد بمناسبة الشهر الفضيل، فمثلاً الأسواق العامة هنا والصيدليات وأماكن الخدمة الضرورية يسمح لهم باستقبال عدد معين، وكان من المرجو أن يسمح بالشيء ذاته للمساجد حتى لا يكون الشهر خالياً من كافة مظاهر الاحتفاء به، فالمساجد التي كانت تتزين بأنوارها لاستقبال ضيوف الرحمن، أصبحت أبوابها موصدة، وأنوارها مطفأة، وقد أثر هذا ولا شك في قلوب ونفوس عشاق المساجد، إلا أن وزارة الشؤون الإسلامية اعتذرت بأن التحكم في هذه الآلية غير مضمون، خاصة أن كثيراً من المساجد الماليزية هي مساجد أهلية لا تخضع للإشراف المباشر من وزارة الأوقاف، وأضافت أن «قرار تقييد الحركة قرار سيادي» ولا تملك الوزارة صلاحيات التعديل عليه.

أسواق كأن لم تغن بالأمس

على الرغم من معرفتي أن قرار تقييد الحركة يشمل الأسواق الليلية، فإنني قمت بزيارة أكثر من مكان من أماكن هذه الأسواق، لأرى كم كان هذا الوباء قاسياً، فقد كانت هذه الأماكن تغص بالناس والبضائع من كل جنس ولون، لكنها الآن خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس.

وهذه الأسواق جزء من ثقافة وتقاليد المجتمع الماليزي، خاصة في شهر رمضان، ففي العادة أن هذه الأسواق تعقد بين مرة أو مرتين على الأكثر أسبوعياً في غير رمضان، أما في الشهر المبارك فهي أسواق يومية توفر طعام الإفطار ومستلزمات الشهر من التمور، والحلويات، والخضراوات والفواكه واللحوم والأسماك بأنواعها. 

قبل «كورونا»، كانت العادة بين الجاليات العربية في ماليزيا أن تجمعهم بعض المجموعات الإلكترونية على وسائل التواصل المختلفة فقط لتبادل الخبرات والمعلومات وطلبات التشغيل والإعلان عن المبيعات أو المشتريات، لكن بما أن كل ذلك قد توقف أو كاد، فقد لاحظت نوعاً جديداً من التفاعل الإيجابي بين أبناء الجالية العربية -ورب ضارة نافعة- فقد قام النادي اليمني بتنظيم عدد كبير من المحاضرات والندوات والورش التدريبية عبر تطبيقات التعليم الإلكتروني المختلفة، وقد استفاد منها المئات من الجالية العربية بعمومها من اليمينين وغيرهم على السواء، وقامت الجالية المصرية بتنظيم درس يومي بديلاً عن درس التراويح الذي كان يؤدَّى في المساجد، مما أسهم في تعارف واسع بين أبناء الجالية، تعارف عززته العزلة الإجبارية!

الطلاب العالقون

كان قرار تقييد الحركة (MCO) صارماً إلى الحد الذي لم يسمح لطلاب المدن الجامعية في الجامعات الماليزية المختلفة بالعودة إلى بيوتهم، فكانوا في حكم العالقين، الجامعات مغلقة ولا يوجد تدريس من أي نوع، وأيضاً هم مجبرون على الإقامة في المدن الجامعية، فالتحرك بين الولايات الماليزية كان يحتاج إذناً خاصاً من مراكز الشرطة، وهو ما لم يكن متاحاً إلى 23 أبريل الماضي، لكن رئاسة الوزراء ومع التراجعات الملحوظة لأعداد الإصابات الجديدة، ومع إعلان تمديد القرار للمرة الرابعة، سمحت لهؤلاء الطلاب بالعودة إلى منازلهم بمناسبة الشهر الفضيل.

د. محمد وان حكيم، مدير أحد المستشفيات الحكومية الكبرى في بينانج، التقيته والإرهاق واضح على ملامح وجهه، والإعياء باد على جسده النحيل، قلت: كيف رمضانكم هذا العام؟ قال: نحن على خطوط المواجهة الأمامية ربما لن نشعر برمضان هذا العام، فكل الطواقم الطبية مطالبون بالعمل 12 ساعة يومياً كحد أدنى في ظروف التشغيل الطبيعية، أما في حالات الطوارئ فلا يسمح لنا بالراحة إلا أقل القليل من الوقت، ولا بد أن نبقى على استعداد دائم للاستدعاء لأي ظرف طارئ، هذا فضلاً عن أن أدوات الحماية التي نستخدمها للوقاية من العدوى بقدر ما تقدم لنا من حماية فإنها تمثل عبئاً إضافياً، فنحن مضطرون إلى البقاء داخل تلك الدروع طوال أوقات العمل.

يهوّن الماليزيون على أنفسهم أجواء العزلة ووقف أعمالهم بالحديث عن أداء دورهم في محاصرة المرض وقطع سلسلة انتشاره، ويأملون ونأمل معهم في فرج قريب بإذن الله تعالى.

الرابط المختصر :