; عبد الحليم محمد أحمد أبو شقة.. عالم تستر بالتواضع وتجنب الشهرة | مجلة المجتمع

العنوان عبد الحليم محمد أحمد أبو شقة.. عالم تستر بالتواضع وتجنب الشهرة

الكاتب زهير الشاويش

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

مشاهدات 108

نشر في العدد 1175

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

قبل عدة أسابيع وصلت إلي مذكرة موقعة من علماء كبار في مصر، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت اسم أخي عبد الحليم بين الموقعين.. لا لأنه ليس من هؤلاء الكبار!! بل لأنها المرة الأولى التي أجده خرج من عزلته فيها وبرز من خلوته ليبدي رأيًّا على الملأ في أمر عام.

وكان أن وافقت الإخوة أمناء «مركز البيان الثقافي» على تقديم مذكرة مماثلة في الموضوع.

ولم يمض على ذلك سوى أيام حتى تلقيت خبر وفاته في القاهرة صباح الإثنين 23 ربيع الآخر 1416- 18/ 9/ 1995 تغمده الله برحمته.

عرفت عبد الحليم أول الأمر سماعًا عندما كنا نلتقط أخبار الأخ الكبير عبد الرحمن الباني المعتقل في سجون فاروق «وما أهون أيام فاروق».

ثم عرفنا الأكثر أيام قران شقيقته «أم أسامة» بدمشق.. وبعد ذلك كانت الصلة الوثيقة به في مصر عندما ذهبت إليها وأستاذي السباعي، رحمه الله، والأخ الكريم الأستاذ عصام، حفظه الله.

فكان عبد الحليم ضمن مجموعة «قليلة» تكرمت باستقبالنا بأريحية طيبة، وأذكر منهم: عبد العزيز كامل، ورشاد رفيق سالم، وعبد العزيز السيسي- رحمهم الله- وعز الدين إبراهيم، وجمال عطية، ومحمود عطية، ومحمود نفيس، وباقي «جماعة الأسس كما كان يقال لهم» وكنت والأخ عصام معهم ومنهم.

وشهدنا في مصر آثار ما صنعت الحوادث في الناس، في أنفسهم، وما تراكم من نكبات «وبعضها مستمر حتى اليوم» كما شهدنا الجهود الجبارة التي بذلها ويبذلها الخيرون لتقويم العوج، وعلى رأسه هؤلاء يومها كان الرجل الكبير الأستاذ الهضيبي- رحمه الله- وكانت جماعة «الأسس» من هذا المنهج السليم، وفيها فقيدنا عبد الحليم.

ووجدنا في إصرار عبد الحليم ورفيق سالم على مجالس العلامة الكبير محمود شاكر ما يدل على التصميم والإرادة القوية، والرغبة في البحث عن الحق ومعرفة السبيل الأقوم.

وبعدها جئنا إلى مشق العدد الكبير لظروف عامة، وكان منهم عبد الحليم، وكانا من جماعتنا في الشام- كما كنا من جماعتهم في مصر، وقد حمدنا صحبتهما وصحبة إخوان لهم أمثال: سعد الدين الوليلي، وكامل الشريف، وعز الدين إبراهيم، وفؤاد حمودة، والسيسي، وعبد العزيز علي وأخرين قل عددهم.

ثم اجتمعت في قطر «البلد الشقيق المضياف» بعبد الحليم، وعبد البديع صقر، وعز الدين وفؤاد- وكان لأيام قطر ذكريات لا تنسى وحوادثها كثيرة فيها عبر وعظات، وكان بيننا «عز الدين وفؤاد وأنا» جوار بيت عبد الحليم في مجلة البدع، وكان لنا من إخوة عبد الحليم وأهله ما نذكره بكل خير.

وأشهد أن عبدالحليم وعبد البديع وعز الدين، وفؤاد ما كانوا من أهل العصبية، ونالهم الأذى من قومهم ومن غيرهم.

كنا في مدرستين متجاورتين يضمهما سور واحد، ومطعم واحد، فؤاد مدير المدرسة الثانوية الوحيدة ونائبه عبد الحليم.. «هذه سنة 1955/ 1957م» وأنا مدير مدرسة إضافية، ولطول الصحبة- في المدرسة- بيننا عرفت الأخ عبد الحليم عن كثب «ومثله فؤاد» وعندهما الدقة المتناهية «جدًّا» في كل الأمور، وهذا حسن عند كل شخص ومن كل إنسان ولكل بعض القضايا تحتاج إلى البت السريع؟

وكان يقابلهما مدير المعارف الأخ المفضال عبد البديع صقر وهو على نقيض ذلك.. فكل شيء عنده يجب أن يتم بأسرع من السرعة، ويكون التنفيذ قبل الفكرة، والانتهاء قبل الخاطرة، وهو-والله - صاحب قصد حسن واجتهاد له ما يبرره، وكنت بينهم الموفق والمسدد والمقارب، وتجمعت القضايا الكثيرة علينا بعضها بالمشاركة وأكثرها بمفردي ومنها مراجعة سمو أمير البلاد وسماحة القاضي، ورئيس لجنة المعارف «لم يكن يسمى وزيرًا» المحسن الشيخ قاسم الدرويش، وفتح المدارس في القرى، وإدخال العلوم التطبيقية في المدارس، وإعداد المناهج الأولية، ووضع أسس المعهد الشرعي، وتثبيت تعليم «الإناث».. إلخ.

وأوجب ذلك عدم تدخل المفتش الإداري الفاضل الأستاذ موسى أبو السعود في كل ذلك، فأطلق أحد الظرفاء على واحد منا لقب «المدير المتوج» وبعدها جاء الدكتور عز الدين إبراهيم والدكتور كمال ناجي، وترك الأستاذ عبد البديع وكثر الموظفون، وبقي عبد الحليم مديرًا للمدرسة الثانوية الأولى يديرها بنجاح ظاهر.

وقريبًا من سنة 1966م جاءني عبد الحليم سائلًا عن قضايا نشر الكتب «كما كان يسألني غيره» ولكن على طريق التحقيق والتدقيق والتفصيل من جهة.. وعدم الإفصاح عن الغاية من جهة أخرى «وهذه الطريقة لها حسناتها ولها سيئاتها» فسبقته وقلت له: الذي أفضله لك أن تسد إحدى ثغرتين، مازالت دور النشر لم تسدهما:

الأولى الكتب المترجمة من العربية وإليها.

والثانية: كتب الأطفال.

فقال: أنا أريد نشر كتب التاريخ محققة، وشرح ما عنده وأطال.

وأذكر أنني قلت له: إلى أن تعد كتاب مثل مقدمة ابن خلدون تحتاج إلى عشرين سنة حسب طريقتك التي أعرفها منك «ومن قريبك المفضال» وفي هذه المدة سوف تنفق جميع ما عندك من مال، ولن تجد من يطبع لك كتابك.

ولم يمض على ذلك سوى أشهر قليلة حتى أبرق إلي: أنا قادم إليكم، وفي المطار أطلعني على كتاب اعتماد من وزير الأوقاف الكويتي والمدير الأستاذ عبد الله عقيل لمكتبته «الدار الكويتية» لأخذ بعض مطبوعات المكتب الإسلامي، وفي المطار تم الاتفاق على كل شيء قبل الوصول إلى البيت. ووجدت فيه تاجرًاعمليًّا.

وبعد ذلك غير اسم مكتبته إلى «دار القلم» وفتح لها فروعًا في بيروت والإمارات.. واشتركنا في دار للتوزيع، وتعاونا على طبع بعض الكتب.

وأخيرًا أقول:

يا عبد الحليم لقد عرفناك سليم العقيدة، على منهج السلف الصالح، متورعًا في البحث عن القرش الحلال بعيدًا عن الشبهات.

ولله ما أخذ ولله ما أعطى، وأحر التعازي لقرينتك الأخت الفاضلة أم عبد الرحمن وأبنائك وإخوانك وعلى الأخص الأخت أم أسامة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الرابط المختصر :