العنوان المجتمع الثقافي: 1182
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996
مشاهدات 60
نشر في العدد 1182
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 02-يناير-1996
إعداد: مبارك عبد الله
ومضة
صديق قديم عمل في التجارة بجد ومثابرة امتاز بأسلوبه وبراعته في التعامل مع زملاء المهنة أو مع المصدرين والمستهلكين.
كانت زياراتي له ولقاءاتي به على فترات متقطعة ومتفاوتة، قد أراه في الشهر أو الشهرين، وقد تمر سنوات وسنوات دون أن أرى وجهه أو أسمع حديثه أو أتابع أخباره، لكنه في كل مرة ألقاه فيها -مهما كانت مدة الانقطاع- كان يظهر الود، ويعاتب برقة.
ويعتذر بالأعمال الكثيرة والمتشابكة والمتلاحقة. ويتكلم بعاطفة وحنين تشعرني كأن اللقاء لم ينقطع، وأن سلسلة الذكريات موصولة، وأن القلوب لم تغيرها صروف الأيام وتقلباتها.
لم تكن تصرفاته وخدماته تعنى إلا الوفاء للصحبة والإخلاص للأيام السالفات، لأنه لم يكن له عندي مصلحة تجعلني أفسر بها، كل هذه الحرارة في اللقاء، وتلك العروض والخدمات اللامتناهية.
فكرت بالطريقة التي أستطيع بها رد بعض جميله.
انتهزت فرصة عودته من السفر، فذهبت للسلام عليه ... هش وبش ... واستغرق كعادته في الحديث عن مشاريعه الخيرية، عن تبرعاته للمحتاجين، عن بنائه للمستشفى، عن المسجد الذي أكمل المهندسون مخططاته، عن إنفاقه على مدارس القرية عن وعن وعن... سكت قليلًا .. قلت في نفسي جاءت الفرصة.. بادرته بالسؤال: ما رأي الناس بهذه الأعمال الرائعة؟ قال: لقد كسبت قلوبهم فهم يثنون ويشكرون وأنا مرتاح لهذه النتيجة.
قلت له: والله الذي أعطاك ، هل فكرت برضاه وكسب ثوابه، والآخرة التي تنتظرك هل خطر لك المصير المحتوم فيها؟ ، كانت أسئلتي بمثابة الصاعق الكهربي الذي أيقظه من غفلته وراح يفكر في صمت.. غاب عني أيامًا، ثم جاءني وقد عادت إليه ابتسامته المعهودة . ليشكرني على تذكيري ونصحي، وليقول بأنه فتح صفحة جديدة سيملؤها بطاعة الله وسيجعل أعماله كلها خالصة لوجهه الكريم حمدت الله على ما انتهى إليه صديقي، وأثلج صدري أنني قمت بواجب الوفاء نحوه وأسعدني أنني حزت أفضل مما طلعت عليه الشمس ألم أدل إنسانًا إلى طريق الهداية ؟!.
نعم الإسلام هو الحل .. ولكن..
الشعار البسيط جدًا.. والرائع جدًا.. الذي طرحه الإسلاميون في كل أرض تقدموا لعمارتها «الإسلام هو الحل» له جاذبيته التي بهرت أعين الجماهير فانقادت له طواعية وسارت خلف رافعي رايته بكل حماسة واستعداد لتسديد جميع ما يترتب على هذه المسيرة ...
إن التفاف الجماهير الإسلامية حول هذه الراية الموجزة المعبرة يحتاج إلى الكثير من التفاصيل، فالحياة بطبيعة الحال، ليست ببساطة هذه العبارة الدافئة.. وتعقيداتها تزداد يومًا بعد يوم، والارتفاع المطرد في مستوى الحياة يستلزم من الإسلاميين، تجاوبًا مع إيقاعاته المتسارعة.
ولعل كثرة الأقلام والمنابر التي تسأل الإسلاميين: ماذا لديكم؟! تمثل تحديًا ما ينبغي على الإسلاميين الهروب منه، بل يتوجب عليهم مجابهته بكل ثقة لأنه ليس في دعوتهم ما يستحى منه.. والدعوة الناجحة هي التي تعيش في الشمس والهواء بعيدًا عن الظلمات والتقوقع.
وعلى الرغم من أن الإسلاميين غير ملزمين باللهاث وراء هذا التسارع المنفلت إلا أنهم معنيون جدًا بتقديم إسلامهم كمنهاج حياة صالح لمختلف الأمكنة والأزمنة طالما بقيت الأرض أرضًا والإنسان إنسانًا.
ولاشك أن هذه المقالة لا تزعم تناول هذه المسألة من جميع وجوهها لأن ذلك يتطلب الكثير التي لا تقوى عليه ولكنها ستشير إلى بعض الأمثلة الحياتية المعاشة يوميًا.. وتلحظ حاجة الناس ووجوب تعامل الإسلاميين مع هذه الحاجة.
ضغوط الحياة بكل ما تحمله من تعقيدات تجعل المرء بمسيس الحاجة إلى أن يخرج يومًا أو بعض يوم إلى مكان هادئ ينفس فيه عن كرب البيوت التي أضحت كعلب الكبريت يخنق بعضها بعضًا ويتسلط بعضها على بعض ويكشف بعضها البعض الآخر.. وكأنها زنزانات في سجن كبير تجعل ساكنيها يعيشون بروح السجناء التواقين إلى أية نسمة يدفعون به هذا الشعور القابض على صدورهم.... والدعاة إلى الله حيال هذه المعضلة أمام احتمالين لا ثالث لهما:
- إما أن يهملوا هذه الحاجة التي أضحت ضرورية في حياة الناس.. فيتقدم الآخرون بوضع حلول لها بما هو قائم اليوم في معظم - بلاد الإسلام حيث المنتزهات المكتظة بالناس وحيث يختلط الحابل بالنابل والرجال بالنساء -والمراهقين بالمراهقات فتضحى هذه المنتزهات بؤر تفريخ للعلاقات المحرمة وأبوابًا تفضي إلى الرذائل والمواعيد الآثمة.. بل يتحول كثير منها إلى مدارس تعلم النشء ما جهدت البيوت أن تبعده عن قلوب وعقول الأبناء والبنات.
وإما أن يلتقط الإسلاميون قفاز التحدي. ويتصدى لهذا الأمر بروح المسئولية التي لا تهرب من الواقع إلى الشعارات الجميلة المفعمة بالأخلاقيات وربما المثاليات التي لا تصل إليها أيدي الجيل الذي تمزقه المغريات المعدة بكل عناية ودراسة للدخول إلى سويداء قلبه دون استئذان.
فإذا قبل الإسلاميون التحدي.. وجب عليهم القيام بكل ما يستلزمه النجاح فيه فيبادروا إلى إنشاء حدائق ومتنزهات ونواد تعزل عزلًا لطيفًا ومقنعًا بين النار والبارود بين المراهقين والمراهقات بين الرجال والنساء مزودين أماكن كل من الجانبين بكل وسائل الجذب والتحبيب بأساليب عصرية مناسبة تخاطب القلب بألوان الجمال والأناقة والترتيب بما يجعل النفس تألف المكان بل وتتوق إليه بين الحين والحين..
ولا يخفى أننا عرضنا هذا المثال لالتصاقه بحاجة الناس اليومية ووضوح المفاسد المترتبة على إهماله وتركه للآخرين يخربون به المجتمع ويسوقون عبره نظرتهم المتفلتة للحياة. ولا يخفى أيضًا أن ما ينطبق على ذلك المثال ينطبق على مجالات الحياة المختلفة كالمستشفيات، والمدارس، والمصانع والإدارات والنوادي إلخ.
إن بمقدور الإسلاميين أن ينشئوا لكل لون من الألوان الآنفة الذكر مؤسسة مختصة بهذا اللون من احتياجات الناس تقدم لهم الحل المطلوب بأسلوب عصري لا ينقصه جمال ولا تعوزه أناقة ولا يقصره تلبية الحاجة المأمولة واضعًا في حسبانه أن الآخرين ينافسونه في مجاله هذا ويقدمون لونه بتحسين وتزويق وترتيب مما يدفعه إلى مزيد من الإتقان فيما يقدمه...
عند ذلك يمكن أن ترى الجماهير شعار «الإسلام هو الحل» بشكل عملي، وتطبيقي وواقعي، مما يدعم هذا الشعار المحبب.
محمد صالح حمزة
واحة الشعر
الطيور المهاجرة
شعر: سعد العوفي
في كل عام رحلة ومعاد ألديك شوق عارم يزداد؟
تتجولين وكيف شئت كتائبًا لخبيرها في طاعة تنقاد
ألديك في الأوطان ما تشكينَهُ من فاقة فيها اضمحل الزاد؟
أم حل أرضك غاشم مُتَجَبَّرٌ فَهَجَرْتِها إِذْ نالك استعباد؟
كيف اهتداؤك في ظلام دامس؟ والبحر يعلو سطحه أزباد؟!
أمسيرة كبرى وقد حجب السما سحب وأنواء لها إرْعَادُ
أثرى رحيلك نزهة مألوفة أم في النزوح تعبد وجهاد؟!
أتمارسين مناسكًا وفريضة يجرى لها الترتيب والإعداد
آنًا إلى دنيا الجنوب وتارة فإلى الشمال الآل والأحفاد!
على أيها أُولَى الجُدُود تَرَعْرَعَتْ فحفظت ما أوصت به الأجداد؟!
قد حيرت فهم الأنام حقيقة عجزت أمام غموضها الأرصاد
فيها لمن نشد الحقائق آية ولهدي مَنْ بَرأَ الملا استشهاد
لَمْ يَتْرُك الإنسان سربك هادئا يمضي إلى هدف له ميعاد
لكن بتوقيت يُعد فَصُولَهُ يلقاك منه لحتفك استعداد
من كل قناص تحاك وسيلة ومواسم لحضورها يُعتاد
هذا يصيدك بالشباك وآخر نار مصوبة لها إيقاد
إن رحت أو أقبلت يقبع كامنًا في ظل كُلَّ شَجَيْرَةٍ صَياد
يتفاخرون بما حَوَتْهُ سَلالُهُمْ ولَدَيْكَ مِمَّا في السلال حداد
هذا مئين حظه، وزميله آلاف حين يناقش التعداد
قالوا: حلال، قلت: عند ضرورة أو لا، فهذا يا لبيب فَسَادُ
إني ليأسرني جمالك سابحًا وعروض أجواء لديك تُجاد
ويشوقني التغريد فَجْرًا أو ضحى أني سَجَعْت يَرُوقُني إنشاد
وأحس نار الحزن بين جوانحي في كل فاجعة بها تصطاد
ويحز في نفسي ويلهب خاطري كون الجمال من الوجود يباد
وتباد أصناف بغير جريرة فإذا قضى جنس فليس يعاد
عذرًا إليك إذا تسيئ عشيرتي جهلًا لأمر في القضاء يراد
تلك الفرائس شبه أمة يعرب باتت طرائد تشتهى وتصاد
لا تدفع الضراء عن أسرابها فتجندل الأفواج والأفراد
وتؤمل الإسعاد من أعدائها! أيجيء من أعدائها إسعاد؟!
همسًا في أذن القذافي:
إلا القصَّة يا مولاي.. !!(١من ٨)
دراسة بقلم الدكتور جابر قيمحة (*)
همسًا في أذن القذافي:
إلا القصَّة يا مولاي.. !!(١من ٨)
دراسة بقلم الدكتور جابر قيمحة (*)
رحم الله الشاعر المصري «فتحي سعيد» الذي فارق دنيانا من عشر سنوات أو تزيد، وترك - ضمن ما ترك - ديوان شعر عنوانه «إلا الشعر يا مولاي» والديوان يضم بين دفتيه قرابة ثلاثين قصيدة لعل أهمها، وأكثرها وعيًا، وأوفاها فنًا قصيدة بعنوان «إلا الشعر يا مولاي» (۱)، وقد يكون هذا هو السبب في أن الشاعر جعل هذا العنوان هو عنوان الديوان نفسه، وهذا يقطع بأن الشاعر كان يعتز بهذه القصيدة اعتزازًا خاصًا، وهذه القصيدة التي استغرقت من الديوان أربع صفحات.
أخذت الشكل القصصي الحواري، وكان فن الشاعر فيها جليلًا عظيمًا.
ولسنا في مقام تقييم القصيدة، كما لا يتسع المقام لعرضها بكل أبياتها، ولكننا سنحاول أن نعرض خلاصة لها، متمثلين ببعض سطورها «فالقصيدة من الشعر
الحر، وقد اعتمدت على تفعيلة المتدارك».
جلس «السلطان النعمان»، وحوله ندماؤه وأصفياؤه، وعلى رأسهم «شاعر العصر» الذي توجه إليه السلطان بالحديث قائلًا:
علمني يارب الأشعار
علمني الحكمة والصمت
وفن اللعب على هاتيك الأوتار
علمني الفطنة واللغو
وتاريخ الفلك وفن الإبحار
علمني من العوم مع التيار
وضد التيار
علمني المنطق والجبر
وأصل العائلة وفلسفة التيجان
علمني الموسيقى..........
علمني الرسم....
ويأتي جواب الشاعر على «الأوامر السلطانية».
ذلك ميسور يا مولاي
اغرف من نبع المعرفة كما شئت
فلا حرج على الملك النعمان
ولازم «شاعر العصر» سلطانه النعمان إلى أن أتقن كل هذه الفنون.. وذات يوم طلب السلطان من الشاعر ما لم يكن في الحسبان:
علمني الشعر
فإن الشعر خلود الأزمان
علمنيه
فإنك أدرى بالقافية
وبالخافية من الأوزان
علمني كيف أصوغ من الكلمات
عقود اللؤلؤ والمرجان
ويأتي جواب الشاعر صريحًا قويًا حاسمًا
علمتك كل فنون الإنسان
أما الشعر فعذرًا يا مولاي!!
وصدق الشاعر لأن الشعر لا يُعلَّم، فهو موهبة يمنحها الله من يشاء، وإلا لكان «الخليل بن أحمد الفراهيدي» الذي قدم للعربية قواعد الأوزان الشعرية في علم سماء «العروض» .. أقول لو كان نظم الشعر علمًا يكتسب لكان الخليل هو أشعر شعراء عصره، بل كل العصور»
ومن البدهي أن نقرر في هذا المقام أن الموهبة تختلف -في قدرها وقدرتها- باختلاف الأشخاص، وهذا هو السر في اختلاف المستوى الفني من شاعر إلى آخر، ويقف دور الثقافة عند صقل الموهبة وإنمائها ومدها بالحصائل الفكرية
والفنية، ولكنها لا تنشئ الموهبة في غير موهوب.
والحكم السابق يصدق على فن القصة. فقراءة كل ما وضعه المنظرون من النقاد من قواعد كتابة القصة لا تصنع من هذا القارئ قصاصًا مهما تعمق هذه القواعد ووضعها نصب عينيه، أما الدور الحقيقي لمثل هذه القواعد والمعارف الأخرى بالنسبة للقصاص الموهوب فلا يتعدى الصقل والتهذيب والإنماء وتوسيع الأفق إلى إنشاء موهبة قصصية من العدم.
مفاجأة أدبية ..!!
وقد فاجأنا العقيد القذافي «قائد الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمي» بإصدار كتاب من مائة وتسع وعشرين صفحة يحمل العنوان أو العناوين التالية:
القرية القرية
الأرض الأرض
وانتحار رائد الفضاء
مع قصص أخرى (۲)
ودلالة هذا العنوان تقطع بأن الكاتب العقيد سجل على الغلاف أسماء «قصص» ثلاث، وأن السطر الرابع من الغلاف يعنى -كذلك- أن ما ضمه الكتاب من إبداعات أخرى يمثل «قصصًا» لا جنسًا أدبيًا نثريًا آخر كالمقال أو الرسالة أو الخطبة المكتوبة، فالظاهر إذن من عنوان -أو عناوين- الكتاب.. أنه مجموعة قصصية، ونفتح الكتاب لنقرأ فيه -غير ما ذكر على الغلاف من العناوين- عناوين نصوص أخرى هي:
« المدينة -عشبة الخلعة والشجرة الملعونة -ملعونة عائلة يعقوب ومباركة أيتها القافلة -أفطروا لرؤيته -دعاء الجمعة الآخرة -وانتهت الجمعة دون دعاء -المسحراتي ظهرًا».
قلت بيني وبين نفسي: جميل والله أن يتجه زعيم من زعماء العرب إلى الأدب، وإلى إبداع فن القصة القصيرة بخاصة، فالقصة -كما يقول أستاذنا أحمد الشايب- فن يمثل مكانة ممتازة بين الفنون الأدبية الأخرى لاتصاله بحياة الناس الماضية أو الحاضرة، ولمرونته واتساعه للأغراض المختلفة، ولجمال أسلوبه وخفته على النفوس (۳) زيادة على ما تحمله القصة -وخصوصًا قصة المغزى- من قيم نفسية وتربوية واجتماعية هادفة بلا مباشرية أو خطابية أو تقريرية.
وفي تاريخنا العربي والإسلامي -في كل العصور- عدد كبير من الأمراء والوزراء شعراء
وأدباء وكتاب وخطباء.. وقلت بيني وبين نفسي جميل جدًا أن ينهض زعيم الجماهيرية العظمي «معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي» فيصلنا بعصور الفحول من الأمراء والقادة الأدباء، وقرأت «إبداعاته»، الاثنى عشر؛ مرة ومرة قرأتها قراءة تفحص وتأنٍ وتمعنٍ وحاولت أن أنسبها كلها، أو بعضها إلى فن القصة القصيرة، ولكني لم أستطع، حتى مذاهب الحداثيين -في القصة، ضاقت وتضيق عن أن تنسب هذه النصوص الواحد منها ولو على سبيل التجاوز والتسامح.
وأمام هذه «الصدمة». تذكرت فتحي سعيد رحمه الله، وكأني أراه في «ملابس تاريخية»، وهو يصرخ في وجه «السلطان النعمان»: «إلا الشعر يا مولاي» فرأيتني أنهض-ولكن برباطة جأش- وأهمس في أذن كاتبنا الزعيم معمر محمد عبد السلام أبومنيار القذافي: «إلا القصة يا مولاي»
دعاية على كل المستويات
معذرة أيها القارئ العزيز أن أسبق بالحكم قبل أن أقدم الشواهد والقرائن، فالنفس يأخذها الجزع الأليم، وتتضاعف آلامها حين يصف «ناقد دكتور» هذه النصوص بأنها قصص توافر لها من عمق التحليل والقدرة على سبر أغوار النفس البشرية، والسيطرة على التقنية الفنية، وصدق وحرارة الانفعال أثناء الكتابة مما يجعلها من الأعمال الإبداعية التي تحقق لقارئها المتعة الروحية، وتضيء له جوانب من حياته، وتحرك في نفسه رغبة صادقة لتجاوز سلبيات الواقع شوقًا إلى معانقة الأبهى والأجمل في الحياة وتلك هي أعظم رسالة يقدمها لنا الفن» (٤).
والعبارة السابقة إنما هي «قبسة» خاطفة من إحدى «المباخر» التي دارت بها جوقة من «الرجال» النقاد المسبحين المهللين لهذا «العمل القذافي» الفذ، ولنا عودة إليهم فيما بعد إن شاء الله .
لنرى مدى المصداقية أو الكذب فيما ذهبوا إليه، ولكني أبادر سائلًا الناقد «النزيه الأمين» إذا كانت هذه شهادتك لهذه الورقات، فماذا تقول لو كتبت عن أعمال أكابر كتاب القصة العرب الذين تمرسوا بكتابتها، واكتسبوا شهرة محلية وشهرة عالمية هل كنت ستكتب ما يماثل هذه الشهادة أو ما يزيد عليها؟ ماذا كنت تقول عن محمود تيمور ومحمد تيمور ومحمود طاهر لاشين وأمين يوسف غراب؟
بل ماذا أنت قائل عن أعمال مستقبلية للقذافي تكون أكثر نضجًا، وأوفى فنًا، إذا كنت «تفرز» شهادتك المسرفة هذه لباكورة أعماله «القصصية» فلم تترك في مدحها بل «توثينها» زيادة لمستزيد؟
لقد صدر هذا الكتاب مصحوبًا بدعاية صاخبة، وعقدت له الندوات في تونس وغيرها. ونشرت أجزاء منه - على سبيل الدعاية في عدد من الصحف المصرية والعربية، وبعض المجلات التي تصدر بالعربية في أمريكا وبعض البلاد العربية وأعد المعدون العدد والعدد لعقد ندوة عن هذا الكتاب في أتيليه القاهرة. ثم رأى القائمون على أمر الأتيليه أنه أضيق من أن يتسع لندوة يحضرها العقيد الكاتب، فولوا وجوههم شطر دار «الأوبرا المصرية». ولكن الندوة لم تعقد حتى الآن لأسباب سياسية.
وداخل الجماهيرية
كانت هذه هي الحال خارج «الجماهيرية العظمى»، أما داخلها فابتداء من ديسمبر ۱۹۹۳م، هبت وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية لتعلن في أوقات متواصلة - طلوع نجم السياسي الكاتب العقيد معمر القذافي من خلال هذه المجموعة القصصية.
وكان أمر هذه المجموعة القصصية، قد بدأ في البروز من خلال نشر القذافي قصة «الفرار إلى جهنم» على صفحات مجلة المستقبل (٥) وفي منتصف عام ۱۹۹۳م، أوردت وكالة الجماهيرية للأنباء «جانا» خبرًا يقول: إن العقيد القذافي سينشر روايته التاريخية التي تحمل عنوان «الموت» وكان القذافي قد أعلن من قبل أن روايته تصف المعركة التي دارت رحاها بين الليبيين والقوات الإيطالية عام ۱۹۱٥، والرواية -كما ذكرت وكالة جانا- تتضمن وصفًا أدبيًا لمعركة «القرضابية» الشهيرة.
ويقول الأستاذ السنوسي بلالة -وهو كاتب ليبي يعيش في المنفى: «حرصت الإذاعتان المرئية والمسموعة في ليبيا على الإشارة بين الحين والآخر إلى الإعلان عن رواية «الموت»، ثم الاستعانة ببعض فقرات موجزة منها على سبيل الدعاية لها، بالإضافة إلى توظيف عنوانها في تزيين صفحات بعض الصحف والمجلات الحكومية بغرض لفت أنظار القراء من ناحية وبغرض الدعاية والإعلان أيضًا من ناحية أخرى، ومن هنا أصبح من الطبيعي مثلًا أن نرى الإعلان الدعائي الخاص بمجموعة القذافي القصصية ينشر تباعًا في جريدة «الشمس» والذي يقول اقرأوا القرية القرية - الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء إبداع إنساني صادق يتدفق بالعطاء. ويجسد حلم المفكرين والثوار في عالم أجمل، وحياة أكثر نقاء»..
وجريدة «الشمس»، هذه تصدر حاليًا في - ليبيا، وقد كتب تحت اسمها أو شعارها، أسسها الطالب معمر القذافي، بمدرسة مصراتة الثانوية سنة ١٩٦٢م أفرنجي» (٦).
ملاحظات وحقائق
كل ما سبق يقودنا إلى عدد من الملاحظات. والحقائق أهمها:
1 - أن وراء هذا الكتاب اتجاهًا قويًا - كأنه انعكاس لقرار سياسي سيادي «بتأديب» القذافي «وتقصيصه»، أي المناداة به أديبًا قصاصًا.
2 - أن هذه الدعاية الصاخبة الهائلة كان وراءها -أو الدافع إليها- شخصية الناص المبدع، لا فنية الإبداع، وهي حقيقة أقوى من الذين أصروا على نفيها من «النقاد الحواريين» وإني لسائلهم: أو لو كان هذا الكتاب من - «إبداع»، واحد منهم أكان يفوز بمثل هذه الدعاية أو حتى عشرها؟
والذين تولوا كبر هذه الدعاية لم يقرأوا -قبل رفع عقيرتهم وأقلامهم بالدعاية- ما كتبه القذافي بعنوان «الموت»، فحكموا عليه -في دعايتهم كما رأينا- بأنه رواية، مع أنه مع التجاوز الشديد والتحفظ الشديد جدًا قصة أو قصة قصيرة، ومسلكهم هذا يضعنا أمام واحد من احتمالين لا ثالث لهما:
الأول: أن القذافي كان قد انتهى من هذا العمل، وسماه «رواية» ربما لأنه لم يجد من وقته ما يسمح له بقراءة واحد أو حتى فصل من أحد كتب النقد التي تحدد الفروق بين القصة والرواية.
والثاني: أن هذا الحكم الدعائي جاء مؤسسًا على «النية العازمة»، لا «الموجود الجاهز» بمعنى أن «معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي»، كان قد نوى أن يجعل من «الموت» رواية، فلم تسعفه طاقاته وآلياته، وهي -ولاشك- محدودة في هذا المجال.
وواضح أن الاحتمال الثاني هو الأقوى، وهو الأقرب إلى المعقولية والواقع، فنحن نستبعد الاحتمال الأول، لأن القذافي لو وقع في خطأ التسمية ابتداء فلن يعدم في حوارييه من أمثال الفقيه والتليسي، من يقدم «خدماته»، بتعديل التسمية من «رواية» إلى قصة.
٣- وآخر هذه الملاحظات أو الحقائق: أن هناك سلوكًا عمليًا، وحركات جماهيرية ليبية ناشطة لـ«تعْلمانية»، هذا الإبداع القذافي، أي محاولة إدخاله في دائرة «الأدب العالمي» انطلاقًا من الجماهيرية إلى دول العالم الثالث والثاني والأول، مرورًا طبعًا بالبلاد العربية ولتكن الخطوة الأولى هي الدعاية المكثفة المتلاحقة في الصحف والإذاعة والتلفاز، وعقد الاجتماعات والندوات وإطلاق البخور والعطور
ويبقى سؤال
ويبقى بعد كل هذه التوطنات سؤال مهم مؤداه: لماذا اختار القذافي هذا الجنس الأدبي...
أعني الفن القصصي ليشغل به قلمه، أو يشغله بقلمه، وكان الأقرب إلى طبيعته -زعيمًا وقائدًا- أن ينتقي مشكلة عالمية، أو شرق أوسطية أو مسألة اقتصادية يعرضها بعد أن يتعمقها، ويقدم رؤيته الثاقبة، فيما يراه حلًا أو حلولًا، هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه في العدد القادم من «المجتمع»، إن شاء الله.
المراجع والتعليقات
- (الديوان ۸۸-۹۱) مكتبة روز اليوسف ۱۹۸۰م - القاهرة –
- الطبعة الأولى - الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان
- الأسلوب ۱۰۸ - ط ۸ - ۱۹۸۸م - مكتبة النهضة المصرية.
- أحمد الفقيه ص ١٤٣ من كتاب القذافي تعليقًا على بعض إبداعه، وقد طبع هذا الكلام بحذافيره -مرة ثانية- على الوجه الأخير من الغلاف
- العدد ٦٣٤ - ٤فبراير ١٩٨٩م.
6- دراسة بعنوان حال الثقافة في ليبيا في موازاة الاحتفاء بالعقيد القذافي أديبًا، ص ١٩ من صحيفة الحياة اليومية العدد ۱۱۹۷۰ الخميس ٨ رجب ١٤١٦هـ. ۳۰ نوفمبر ۱۹۹٥م .
(*) أستاذ الأدب العربي بجامعة الملك فهد بالظهران
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل