; الاتجاهات السلبية في المنهجية الإيرانية | مجلة المجتمع

العنوان الاتجاهات السلبية في المنهجية الإيرانية

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1986

مشاهدات 66

نشر في العدد 762

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 08-أبريل-1986

الحقيقة التي لا تقبل الشك أبدًا والتي لا تذكر في هذا المقام أن ثورة إيران التي أطاحت بحكم الشاه وطردته بعيدًا آلاف الأميال عن عاصمة إمبراطوريته طهران، حازت على اهتمام العالم الإسلامي، ولم يكن يدور في خلد الكثيرين أن قادة هذه الثورة سيغيرون بمنهجيتهم وسياساتهم نظرة العالم الإسلامي للثورة الإيرانية.

الثورة بين الشعار والواقع:

نقول: إن تفاؤل البعض في بداية الثورة على الشاه لم يأت متناسبًا مع ما طرحته الثورة الإيرانية من شعارات في بداياتها الأولى، فقد كان الملاحظ أن هذه الشعارات تدور في معظمها حول نقطة أساسية، أن هذه الثورة تعتمد المنهجية الإسلامية أساسًا ثابتًا لمسيرتها بغض النظر عن الخلافات التاريخية حول بعض المفاهيم الأساسية في الإسلام. وتوهم بعض الناس أن العقلية الجديدة ربما تخطت تلك المرحلة، وأن مرحلة جديدة من وحدة التصور قد بدأت تظهر على مسرح الواقع الجديد. وكان يؤيد هذا الظن أن تلك الشعارات التي رفعتها الثورة الإيرانية في ذلك الوقت كانت مقرونة ببعض الاتجاهات الإيجابية ولو أن هذه الاتجاهات لم تخرج عن حيز التصريحات لبعض قادة الثورة وعلى رأسهم الخميني نفسه، إلا أن تلك الشعارات كانت تُقبل بدافع من حسن الظن. ولكن ما إن بدأت هذه الثورة بتثبيت أقدامها على الأرض الإيرانية حتى بدأت هذه الشعارات تنحسر رويدًا رويدًا تحت ضغط الواقع الذي كانت تفرضه القيادات الإيرانية التي كانت تتحرك من منطلق تفسيرها الخاطئ للمنهجية الإسلامية، والذي اعتمدت في معظمه على الخلافات التاريخية حول بعض المفاهيم الأساسية للإسلام، وبدأت هذه القضية تزداد وضوحًا يومًا بعد يوم على النحو الذي لم يعد من الممكن على شعوب العالم الإسلامي أن تستمر في التطلع إلى الثورة الإيرانية.

اتجاهات سلبية:

بداية نقول إن هذه المقالة لن تستوعب كل الاتجاهات السلبية التي سارت عليها الثورة، ولكننا سنشير إلى بعض تلك الاتجاهات بحسب ما تسمح به المساحة المحدودة للمقال، مع تأكيدنا على ضرورة بحث هذه الاتجاهات مستقبلًا وبالشكل التفصيلي المتكامل؛ لا لنوجه أنظار قراء المجتمع لخطورة المنهجية الإيرانية فقط، ولكن لنلفت أنظار القائمين على الأمر في طهران وقم وإشعارهم بالآثار الخطيرة المترتبة على اتجاهاتهم تلك؛ حتى يعودوا عنها إن كانت هناك بقية من إخلاص حقيقي لتلك الشعارات التي رفعتها الثورة في بداياتها الأولى. وسنكتفي اليوم بعرض واحد من أخطر تلك الاتجاهات السلبية للقيادة الإيرانية، ونعني بها الاتجاه الدعوي.

الدعوة للمنهجية الإيرانية:

قلنا إنه مع بداية تثبيت الثورة لأقدامها على الساحة الإيرانية بدأت بالتخلي عن شعاراتها الإسلامية التي رفعتها في المرحلة الأولى للثورة، لتتجه نحو طرح منهجها الذي كان يعتمد على مفهومها الخاطئ للإسلام. وتمثلت خطورة المرحلة الثانية أنها لم تكن تقتصر على داخل إيران، بل عمدت إلى طرحه خارج إيران في محاولة منها لبسط مفهومها العقائدي على العالم الإسلامي. وكانت القيادة الإيرانية قد اعتمدت أسلوبين لتحقيق هذا الهدف:

أولهما ويعتمد على تصدير الثورة عن طريق القوة، سواء استخدام القوة المباشرة كما تفعل الآن ومنذ ست سنوات من خلال حربها مع العراق، أو من خلال التحريض المباشر وغير المباشر لجماعات تدين بالولاء للمنهجية الإيرانية ودفعها نحو استخدام القوة لفرض هذه المنهجية على المجتمعات الموجودة فيها.

أما ثانيهما فيعتمد الأسلوب الدعوي لنشر المنهجية الإيرانية العقدية، وهذا ما نريد التعرض له في هذه المقالة؛ نظرًا لأننا تحدثنا الكثير والكثير عن الأسلوب الأول من خلال ما كتبناه عن الحرب العراقية- الإيرانية.

وفي مقال سابق لنا عن النشاط الإيراني بين الأقليات المسلمة في أوروبا، تعرضنا لجانب من الأسلوب الدعوي الذي تنتهجه إيران لنشر اتجاهاتها العقائدية بين المسلمين في أوروبا، بدل أن تتوجه إلى الأوروبيين لنشر الدين الإسلامي بينهم، وذلك لأن القيادة الإيرانية وضعت كل إمكاناتها لنشر منهجيتها بين المسلمين لا لنشر الإسلام بين غير المسلمين، ولهذا عمدت إلى اتباع مختلف السبل لجذب الشباب المسلم نحو منهجها، واستغلت معالم الصحوة الإسلامية التي ظهرت هنا وهناك، وخاصة بين الشباب الذي توجه بعاطفته نحو المنهج الإسلامي باعتباره الطريق الصحيح لإنقاذ البشرية من الانحدار السياسي والاجتماعي والأخلاقي الذي تعيش فيه.

ومن الطبيعي أن يكون ذلك الشباب ضعيف البنية الفكرية، وخاصة ذلك الذي ولد وعاش في مجتمعات كافرة كالمجتمعات الأوروبية، أو الذي عاش في مجتمعات تتحاكم إلى غير منهج الله، أو مجتمعات يحكمها المنهج العلماني أو... وكان هؤلاء وأولئك يقعون فريسة سهلة أمام حجم الإمكانات والإغراءات الإيرانية التي تقدمها سفاراتهم ومراكزهم المنتشرة في معظم أنحاء أوروبا، ومن خلال تلك الإمكانات والإغراءات تمكنت المراكز الدعوية الإيرانية من تجنيد بعض الشباب وبشكل خاص شباب المغرب العربي «الجزائر- تونس- المغرب» وتم تشكيل خلايا ومجموعات من هؤلاء، وبدأت على الفور الدروس الفكرية والعقائدية تعطَى لهم حسب المنهجية الإيرانية، وبعد ذلك يتم إرسال هذه المجموعات إلى إيران وبالأحرى إلى مدينة قم المركز الرئيسي للدعوة، ومن ثم يتم إعادتهم إلى أوروبا ودول المغرب العربي بعد انتهاء الدراسات الدعوية حسب المنهجية الإيرانية ليقوموا بنشرها بين الشباب المسلم في أوروبا وفي دول المغرب، ويوجد الآن عشرات من هؤلاء الدعاة في أوروبا والمغرب والجزائر وتونس، ينشطون من أجل نشر المنهجية الإيرانية بين المسلمين في تلك البقاع. وكثيرًا ما يقابل نشاط هؤلاء بالتصدي من جانب المسلمين، ويكاد في بعض الأحيان أن يتحول هذا التصدي إلى فتنة تدفع الأوروبيين إلى السخرية من المسلمين ومن ثم رفض أي دعوة توجه إليهم لاعتناق الإسلام.

الاتجاه الدعوي هو أخطر الاتجاهات السلبية للقيادة الإيرانية

ويقود هذه المجموعات القادمة من إيران بعض الشباب من المغرب العربي من أمثال: «فاروق العزوزي، وحسن مصباح، ونجيب العزوزي، والضرير سعيد، وجلال إبراهيم، وآيت قلباس...» حيث يقوم هؤلاء بعقد الجلسات السرية وتوزيع الكتيبات التي تتحدث عن فكر الثورة الإيرانية وضرورة نشر المنهجية الإيرانية بين المسلمين والاستماع إلى تسجيلات الخطب التي يلقيها قادة إيران... إلخ.

ومن أساليبهم الخاصة بجذب الشباب المسلم قيامهم بدعوة هؤلاء الشباب للدراسة في الجامعات الإيرانية مجانًا، وخاصة أولئك الذين لم يتمكنوا من العثور على مقعد دراسي في إحدى جامعات العالم الإسلامي أو في جامعات أوروبا، فيضطرون تحت ضغط الحاجة إلى الدراسة الجامعية إلى قبول الدعوة الإيرانية للدراسة في طهران وقم. وأذكر في هذا المجال أننا تلقينا في المجتمع رسالة واردة من مدينة قم مذيلة بأسماء كاتبيها، وهم عدة طلاب يدرسون في قم ويطلبون في رسالتهم تزويدهم بأعداد المجلة التي تناولت الخلافات الشيعية من إيران إلى لبنان. وكان الواضح تمامًا أن أصحاب الرسالة هم من الشباب المسلم الذي وصل إيران من خلال أحد الأساليب التي تحدثنا عنها، والأرجح أن يكون أسلوب الدعوة للدراسة في الجامعات الإيرانية. ومن ضمن هذه الأساليب تدخل عروض الزواج التي تقدم هؤلاء الشباب لتزويجهم من فتيات إيرانيات دون تحميلهم أية أعباء مادية، ولكن في معظم حالات الزواج تلك يشترط الإقامة في إيران. ومن بينها أيضًا استغلال وقوع بعض الشباب في ضائقة مالية أو تعطل عن العمل، ففي الأول يمنح مساعدات مالية يقال له عند دفعها أنها من الفيء ولا تُرد، وبعد هذا يصبح إيقاعه في شباكهم أمرًا في غاية السهولة.

ومن جهة ثانية فإن بعض دعاة المنهجية الإيرانية الذين ينتمون لبلدان المغرب العربي يتم توجيههم إلى بلدانهم تلك لنشر أفكارهم الجديدة داخل مجتمعاتهم، وقد تم كشف هذه الحقيقة من خلال إعلان السلطات التونسية عن اكتشاف مجموعات سرية تعمل على نشر المنهجية الإيرانية وقد أطلقت على نفسها اسم «حزب الله».

وبعد..

فإننا لم نتعرض في هذا المقال سوى لاتجاه واحد من الاتجاهات السلبية التي تسيطر على القيادات الإيرانية وهو الاتجاه الدعوي، وكانت كتابتنا لهذا المقال تتفق مع رغبتنا في توجيه أنظار كل من يعنيه هذا الأمر الخطر الذي إن استمر على هذا النحو فمن المؤكد أن آثارًا خطيرة جدًّا ستترتب عليه، وستظهر هذه الآثار آجلًا أو عاجلًا، ومن الطبيعي أن تكون القيادة الإيرانية من ضمن من يعنيهم الأمر.

 

الرابط المختصر :