; حرب المخيمات: ماذا بقي من مخزون المخططات؟ | مجلة المجتمع

العنوان حرب المخيمات: ماذا بقي من مخزون المخططات؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1986

مشاهدات 71

نشر في العدد 795

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 09-ديسمبر-1986

هذه المرة لم تنتظر عصابات «أمل» حلول شهر رمضان المبارك لتكثيف هجماتها المستمرة على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين منذ أكثر من سنتين بقصد إبادتهم أو نزع السلاح من أيديهم ومن ثَمَّ طردهم إلى.. لا أدري! أملًا في حصولها على «كانتون» تقوم من خلاله بدور شرطي الحراسة للكيان الصهيوني مقابل حصولها على الحماية من العدو الصهيوني إياه.

هذه هي البداية، أما ما بعد ذلك من مخزون المخططات التي يتم إعدادها في عواصم الدول الكبرى ويجري تنفيذها على أرض الواقع بالوكالة فهو المزيد من تمزيق هذه الأمة والمزيد من تجزئتها والمزيد من انهيارها والمزيد من إركاعها حتى تلفظ أنفاسها نهائيًّا وتصبح أشلاء ممزقة أو تصبح كمًّا مهملًا معدوم الإرادة فاقد الذات تتحكم فيه القوة الصهيونية ممثلة لقوى الغرب والشرق على السواء.

والفلسطينيون كشعب عربي مسلم سلبت دیاره وشرد من ديار العرب وغير العرب حين يحاول استرجاع حقه في فلسطين بقوة السلاح فإن ذلك يعني عملًا اعتراضيًّا على المخطط المرسوم لتدمير هذه الأمة، ومن ثَمَّ لا بد من إيقافه عند حده سواء بهجوم صهيوني مباشر أو بهجوم من هذا الطرف العربي أو ذاك لتحقيق نفس الهدف والقاتل والمقتول من العرب ومن المسلمين.

هذه هي الصورة العامة للمخطط الجاري تنفيذه في ديار العرب والمسلمين وما يجري في لبنان هذه الأيام نموذج مصغر أو عينة تجريبية والمخفي أعظم.

الفلسطينيون الذين أجبروا على الخروج من لبنان عادوا إليها بعد أن ضاقت بهم الأرض بما رحبت، وبعد أن طاردتهم الطائرات الإسرائيلية بدعم أمريكي في الشمال الإفريقي، وبعد أن وجدوا أنفسهم في ديار المنفَى ينتظرون الموت الفردي والجماعي بلا مقابل كما ينتظر أهلهم وذووهم في مخيمات لبنان مزيدًا من القتل والتهجير بعيدًا عن حدود وطنهم المحتل، حتى يأمن العدو الصهيوني ويتمدد في الجنوب اللبناني وغير الجنوب اللبناني سواء بالأصالة أو بالوكالة.

عندئذ قرر الفلسطينيون الذين أبعدوا عن لبنان أن يعودوا إليها ولو كان باستطاعتهم أن يعودوا إلى فلسطين لفعلوا، ولكنها عودة على أي حال ليست بديلة عن فلسطين بل مقربة إليها، عودة لحماية الأهل في المخيمات المهددين بالقتل والترحيل.

ووجد الفلسطينيون هذه المرة قبولًا لدى كثير من الأطراف اللبنانية وخاصة الإسلامية التوجه والانتماء بعد أن اكتشفت أنها مستهدفة تمامًا مثلما الفلسطينيون مستهدفون وأن المخطط الأخطبوط الذي امتدت ذراعه إلى فلسطين تمتد ذراعه الأخرى إلى لبنان مهما كان لون الرداء الذي تلبسه هذه الذراع الرهيبة.

واشتد عود المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني ضد العدو الصهيوني، والتحم الفلسطينيون واللبنانيون مرة أخرى في مواجهة العدو المشترك والمخطط المشترك، فكان لا بد من هجمة جديدة وشرسة ضد المخيمات الفلسطينية، وقامت القوات والطائرات الصهيونية بدور محدود وتمهيدي وحذر كان من نتيجته سقوط طائرة إسرائيلية وأسر طيار صهيوني قيل إن «أمل» احتفظت به لديها! وجرى تعديل على خطة الإبادة للفلسطينيين في لبنان فبدلًا من أن يقوم الصهاينة بالهجوم مباشرة أوكلوا الأمر لعصابات «أمل» على أن يقوموا هُمْ بالدعم والإسناد والتدخل المباشر إن اقتضى الأمر واشتد الحصار والقصف على المخيمات الفلسطينية، وجرت محاولات اقتحام بدءا بالمخيم الأضعف المعزول قرب صور، وهو مخيم الرشيدية، ولكن الذي لم يكن متوقعًا هو الصمود المذهل لسكان المخيم، ثم جرت المفاوضات في دمشق لتسليم السلاح الثقيل في المخيم وبعض العناصر «المسببة للفتنة» وسلمت بعض الأسلحة وبعض العناصر «قيل إنهم سبعة ولكن الحصار لم يفك عن المخيم، والهجمات لم تتوقف والإنذار بالتسليم بلغ حد الوقاحة.

وعلا صراخ الفلسطينيين والإسلاميين في لبنان طالبين من «أمل» التوقف عن الهجوم والقصف والحصار دون جدوى، فالتأم شمل الفلسطينيين جميعًا داخل المخيمات تحت قيادة واحدة، وتحولوا من الدفاع السلبي إلى الهجوم الوقائي، واستولوا في هجوم خاطف على قرية مغدوشة وهي إحدى معاقل «أمل» الاستراتيجية المُطِلة على مخيمي عين الحلوة والمية مية، اللذين اکتویَا بنار مدفعيتها وصواريخها ورشاشاتها، وقامت قوات «أمل» في اليوم التالي بهجوم مضاد لاسترداد مغدوشة فدخلت بعض ضواحيها، وعادت القوات الفلسطينية في اليوم الثالث فطردت قوات «أمل» وأحكمت سيطرتها على البلدة الاستراتيجية وتقدمت عدة كيلومترات بعدها.

وتعتبر قرية مغدوشة المسيحية التي تضم حوالي ثلاثة آلاف من السكان والتي تقع فوق منطقة جبلية عالية تحيط بها الأشجار والبساتين ذات موقع استراتيجي هام يسيطر على مدينة صيدا ومخيمات الفلسطينيين بجوارها كما يسيطر على الطريق الساحلي حتى تخوم منطقة الزهراني ومصافيها البترولية، ولذلك استمات «الأمليون» في استردادها واستمات الفلسطينيون في تثبيت أقدامهم فيها.

ويهدف الفلسطينيون من وضع يدهم عليها إلى إبعاد أذى «أمل» عن مخيمات صيدَا والضغط على «أمل» لفك حصارها عن مخيم الرشيدية، والسيطرة على الطريق الساحلي لقطع إمدادات «أمل»، وقد تحقق الهدفان الأول والثالث إلى حد بعيد.

وبدلًا من أن تفك أمل حصارها عن الرشيدية أوقفت هجومها النهائي عليه، وتوجهت للهجوم على مخيم شاتيلا قرب بيروت، وحشدت لهذا الهجوم كل طاقتها المتبقية أملًا في مقايضة شاتيلا بمغدوشة، ورغم التدمير شبه الكامل للمخيم إلا أنها لم تستطع أن تتقدم لاحتلاله، وتحطمت دباباتها على أبوابه وبقي سكانه في المخابئ بينما المقاتلون الفلسطينيون يتمترسون بين الأنقاض.

ومن الجدير بالذكر أن القوى الوطنية والإسلامية اللبنانية رغم اعتراضها المعلن على مبدأ «التمدد الفلسطيني» في مغدوشة إلا أنها وقفت على الحياد في هذا الصراع الدامي بين «أمل» والفلسطينيين، فبعد أن أعلن وليد جنبلاط استعداده للقتال إلى جانب «أمل» لمنع الفلسطينيين من «التمدُّد» أعلن معارضته «لأمل» في محاولتها احتلال مخيم شاتيلا، أما اللجان الشعبية في المخيمات فقد نفت الرغبة في التمدد أو التوسع ولكنها رفضت في الوقت نفسه مقولة «مفتي أمل» عبد الأمير قبلان لا منظمة ولا إنقاذ ولا فلسطينيين من جماعة الـ ١٩٤٨ بأسلحتهم.

ويبدو أن نبيه برِّي وجماعته لا يرفض الوجود الفلسطيني فقط في لبنان، ولكنه يرفض الوجود اللبناني «الآخر» في الجنوب اللبناني حتى لا يُمَسّ «كانتونه المصون» بسوء، يستخدم كل أسلحته، أو بتعبير أدق أسلحة «الآخرين» التي بيديه لإبادة الفلسطينيين وإخراجهم، أما القوات الصهيونية فهي موجودة في الجنوب ولا صدام معها إلا بالألفاظ بقدر ما تسمح له الأطراف المعنية!

أما الأحزاب التي تلبس ثوب الوطنية وتتحالف مع نبيه برِّي فيُجن جنونها حين ينتقل الفلسطينيون إلى موقع متقدم الحماية مخيماتهم لأن المطلوب منهم أن يبقوا في المخيمات هدفًا للقذائف والصواريخ والرشاشات الثقيلة.

 ثم يتباكى نبيه برِّي على «القرار الوطني اللبناني» المهدد بالمصادرة من قِبَل الفلسطينيين ولا مانع لديه من أن يكون القرار الوطني اللبناني مرتبطًا بالقرار الإسرائيلي والقرار الصادر من أطراف أخرى! لا يريد نبيه برِّي للبنان أن يعود إلى ما قبل عام ۱۹۸۲ حيث كانت المواجهة مع العدو الصهيوني وكأن الوضع اللبناني الحالي أفضل من ذلك الوضع، إنه نفس شعار الكتائب أخذ يتردد اليوم بلسان «وطني» وإذا كان الشعب اللبناني يتضور اليوم جوعًا، وإذا كانت الليرة اللبنانية قد انخفضت قيمتها إلى أدنى حد لها في تاريخ لبنان فأصبحت تساوي جزءًا من ستين جزءًا من الدولار فمن أين لنبيه برِّي بهذه الكمية الهائلة من الأسلحة؟ ومن يدفع ثمنها إذا كان مصرف لبنان يحتاج إلى ٦٠ مليون دولار سنويًّا لتمويل فاتورة القمح فقط؟

إن حرب المخيمات في لبنان هي حرب حياة أو موت بالنسبة للفلسطينيين وهي حرب إبادة شاملة بالنسبة «لأمل» ومن يدعمها، وسيتحدد مصير المنطقة برمتها على ضوء هذه الحرب المحدودة والمطلوب من كل عربي شريف، ومن كل مسلم غيور على إسلامه ومن كل إنسان يحترم إنسانيته أن يتحرك لإيقاف هذه الحرب المجزرة.

لیست «أمل» إلا واجهة لتدمير الفلسطينيين وليس الفلسطينيون إلا المتراس الأول للدفاع عن أرض العرب والمسلمين فلتتحرك هذه الأمة لإيقاف النزيف قبل السقوط، ولا داعي لانتظار انتصار هذا الطرف أو ذاك أملًا في حل موعود من البيت الأبيض أو الكِرِمْلِين.

إن تحرير فلسطين مرتبط بتحرير لبنان، وتحرير لبنان مرتبط بتحرير فلسطين، وتحريرنا جميعًا مرتبط بتحرير نفوسنا من الخوف إلا من الله، والكراهية إلا لأعداء الله، والارتباط إلا بحبل الله المتين.

الرابط المختصر :