العنوان في لحظة تاريخية نادرة: «المجتمع» في قلب الأحداث على الحدود المصرية الفلسطينية
الكاتب أسامة الهتيمي
تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008
مشاهدات 68
نشر في العدد 1787
نشر في الصفحة 14
السبت 02-فبراير-2008
شاهدنا لحظة تفجير السور وانكسار رباعية الظلام والجوع والموت والقهر.
لم تكن سنة من نوم أو لحظات حلم.. إنها حقيقة وواقع لا جدال فيه.. كنت موجودًا ليلتها بين العالقين الفلسطينيين على الجانب المصري أتابع مأساتهم التي استمرت سبعة أشهر، وشاهدت فجر الأربعاء 22/1 السور الفاصل على الحدود المصرية مع غزة وهو يتحول إلى كومة من التراب لتسمع كل مدينة العريش وما حولها أصوات انفجار سور الحصار الذي أراده لنا الأعداء ليكون فاصلًا بين الشعبين المصري والفلسطيني وليكسروا معه كل محاولات الأعداء طوال عقود سابقة في خلق حواجز نفسية بين الشعبين.
خلال الساعات الأولى تم تفجير مائتي متر من الجدار الفاصل والذي يصل ارتفاعه إلى ما يقرب من ثمانية أمتار ليصبح الجميع أمام مشهد تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى..
ثم شاهدت آلاف الفلسطينيين يعبرون الخط الوهمي قادمين من غزة، وآلاف آخرون مصريون وفلسطينيون يعبرون الخط الوهمي ذاهبين إلى غزة.. لم تعد غزة ولم تعد رفح.. لم يعد مصري ولم يعد فلسطيني عناق ودموع وزغاريد تملأ أرجاء المكان من حولك.. فلكل واحد منهم حكاية وقصة، ليس صعبًا أن نقرأها على وجهه فملامحه تنطق بها دون أن يتكلم أو يقول.. الجميع يجري سواء الداخلون أو الخارجون.. زحام شديد يذكرك بيوم الحج الأكبر. العامل المشترك بين الجميع هو الفرحة.. الداخلون لغزة سعداء بعودتهم أخيرًا للوطن بعد غياب طال عند بعضهم لثلاثين عامًا أو أكثر قضوها مغتربين في أرض الله الواسعة والخارجون من غزة سعداء لأنهم كسروا ذلك الحصار الذي أراد موتهم واستسلامهم، فعبروا من أجل التزود للبقاء والاستمرار، وآخرون حرموا من الانتقال والسفر لقضاء أعمالهم ومصالحهم كبقية خلق الله، فكان كسر الجدار بداية لانطلاقهم وشعورهم بحقهم الإنساني المسلوب.
عالق يدخل غزة فيسجد لله شكرًا ويقبل تراب أرضها، وسيدة مصرية متزوجة بغزة تعبر الحدود لتعانق أباها بعد غيبة طالت لسنوات، وأم تحتضن أبناءها الذين حرمت من تقبيلهم بعد منعها من السفر وشاب يلهث باتجاه أقرب «سوبر ماركت» لشراء احتياجاته ومستلزماته التي شحت ولم تعد موجودة وآخر يمسك بهاتفه المحمول يحدث آخرين في دولة عربية أخرى يعدهم بالقدوم قريبًا بعد أن استطاع العبور إلى مصر، ومصريون يحملون البضائع في اتجاه غزة من أجل بيعها للفلسطينيين.. الجميع يرفض الحدود، ولسان حاله يصرخ: لماذا أنتم صامتون أيها العرب إزاء ما يفعل بنا فعدونا ليس عدو الفلسطينيين وحدهم إنه عدونا جميعًا؟! لماذا تقسون علينا ونحن منكم؟! فما يفعله العدو أهون علينا مما تفعلوه أنتم بنا!!
المهمة الأساسية:
لقد كانت مهمتنا تتجه أساسًا إلى لقاء الإخوة الفلسطينيين العالقين منذ شهور في مدينتي العريش ورفع، والذين تعود أزمتهم إلى قبيل منتصف عام ٢٠٠٧م عندما تجمع ما يزيد على ستة آلاف من الفلسطينيين المحتجزين على بوابة، رفع من الجانب المصري ومنع الاحتلال دخولهم، وهو ما عرضهم للكثير من الأخطار أسفرت عن وفاة العشرات نتيجة عدم تلقيهم للعناية الطبية اللازمة، فضلًا عن تشردهم في شوارع وطرقات مدينة رفح وسط حالة من التجاهل الإعلامي والصمت العربي والدولي الذي لم يتحرك لوقف المأساة!
صباح جديد:
وعند الثالثة من فجر الأربعاء كنت نائمًا في ضيافة أحد العالقين ويدعى محمود عوض عبد الجبار بأحد الشاليهات المؤجرة على البحر بالعريش، سمعت المدينة كلها أصوات انفجارات قادمة من اتجاه رفح لتبدأ الاتصالات بالإخوة الفلسطينيين الذين يبیتون هناك بعد محاولات فاشلة في اليوم السابق لعبور المعبر بشكل رسمي، والذين أكدوا أن الفلسطينيين من داخل غزة نجحوا في تفجير ۲۰۰ متر من الحواجز، وهو ما يؤذن بانتهاء أزمة العالقين البالغ عددهم ٢٥٥ فلسطينيًا.
حالة من الفرحة عمت أسرة «أبو إياد» القادمة من السعودية منذ أكتوبر الماضي بعد أداء عمرة رمضان واتجهت لرفع من أجل العبور إلى غزة، غير أنها ألحقت بالعالقين.. فقد أيقظني الرجل البالغ من العمر ٥٦ عامًا والمريض بالقلب وانفتحت أسارير وجهه من الفرحة، فضلًا عن ابتسامة عريضة تملأ القلب سعادة.. وقال لي: الله كريم، المعابر تفجرت.. وبسرعة قمت لأرتدي ملابسي لأجده وقد أحضر لي طعام الفطور حيث لم ينسه انشغاله في إعداد أمتعته بأن يقوم بكرم الضيافة حتى ولو للحظة الأخيرة من إقامته بمصر.. وتعجبت من الرجل فقلت له: «يا عم محمود، إن الفلسطينيين يعبرون إلى مصر بعد تدهور الأوضاع بغزة وأنت تريد العبور إليها؟ فهل ما زلت مصرًا على رحلتك برغم ما تسمعه عما يحدث؟ فقال لي- وكادت أن تتساقط من عينيه الدموع: إنني أريد أن أموت في غزة وسط أهلي وأولادي.. فسكت.
في السابعة صباحًا كان الرجل وزوجته وابنته دعاء «١١ عامًا» قد أعدوا أمتعتهم واستعدوا للانتقال لرفع التي تبتعد عن العريش بما يقرب من ٤٥ كم، وجاءت سيارتان إحداهما لحمل الحقائب والأخرى لنقل الأسرة وقد حجزوا لي مكانًا لمشاهدة الحدث عن قرب، غير أنه وقبل تحركنا بدقائق جاننا أحد شباب العالقين ليخبرنا بأن الأمن يسمح بالعبور داخل مصر فقط. ويمنع التوجه إلى غزة وهو ما دفعنا للاتصال برياض المصري «أبو نضال» المسؤول عن لجنة العالقين الذي أكد أن الجميع يتحرك كيفما يشاءون وأن علينا سلوك طرق ملتوية تحسبًا من منعنا.
العريش فلسطينية:
ساعات من انفجار السور وامتلأت كل طرقات وشوارع رفح والعريش بالفلسطينيين لدرجة تشعر أي متجول أنه في غزة.. استقبالات حارة من المصريين الذين كانت لهـفـتـهم لكسر الحواجز يقدر لهفة الفلسطينيين أنفسهم، فمشاعر العجز إزاء مساعدتهم كانت سببًا في ضيقهم وتعاستهم، وهو ما دفعهم إلى أن يفتحوا لهم منازلهم لاستضافتهم، فضلًا عن المساجد التي رحبت بالفلسطينيين في جو يشعر بالأخوة بين الشعبين لتستمر حركة العبور على الرغم من المحاولات التي تبذلها الأجهزة الأمنية للسيطرة على الحدود والبوابات لوقف العبور.
محمد إسماعيل محمد «٣٠ سنة» مهندس اتصالات من غزة لم يحمل معه أمتعة قال: لقد سعدت جدًا بما قامت به حماس من تفجير السور، فقد كنت محرومًا من السفر منذ أن دخلت غزة من عامين حيث كنت أعمل بالجزائر وأقيم بها بعد زواجي، وما زالت زوجتي هناك ولم أتمكن من السفر إليها كما أنها لم ولن تستطيع المجيء إلي.. اليوم استطعت الدخول إلى مصر وسأسعى منها للحاق بزوجتي.
لكن الأمر لم يكن كله على ما يرام فقد خضع الفلسطينيون لابتزازات بعض التجار الذين رفعوا أسعار أغلب السلع التموينية والغذائية.. يقول محمد فياض شاب فلسطيني ويعمل صحافيًا: إننا وجدنا استقبالًا حارًا من المصريين، غير أن بعضهم كان له سلوك أثار أحزاننا، فمن البائعين من قام بمضاعفة الأسعار، فمثلًا اشترينا «كرتونة» الجبن بسبعين جنيهًا في حين أن ثمنها ٢٠ جنيهًا، فيما اشترى بعضنا الدراجة البخارية بـ 4 آلاف جنيه، مع أن ثمنها ألفان فقط، كما ارتفعت ۮأجرة» الانتقال بين رفح والعريش من جنيه إلى عشرين.
ويضيف فياض: إن ما حدث كان ضربة قوية لـ «إسرائيل» التي كانت تسعى لتضييق الخناق على غزة حتى يقدم الفلسطينيون التنازلات، وهذا لن يحدث، فجاء القرار المصري باستمرار فتح الحدود بعد فتحها خطوة تؤكد عمق العلاقات بين الشعبين، وأن مصر ما زالت قلب العروبة النابض.
حركة الشراء:
وخلال ساعات راجت حركة التجارة الداخلية، فقد أقبل الفلسطينيون بشدة على شراء احتياجاتهم الغذائية، حيث قدرت بعض إحصائيات مراكز الدراسات أن العابرين الفلسطينيين خلال هذه الأيام الثلاثة وصل إلى ما يقرب من ٧٠٠ ألف فلسطيني كان معدل إنفاق الفرد منهم خلال عمليات الشراء ما يقرب من ٢٦٠ دولارًا، وهو ما يعني أن الفلسطينيين ضخوا بين ۲۵۰ إلی ۲۰۰ مليون دولار خلال هذه الفترة.
وقدر مركز أبحاث المستقبل الفلسطيني أن7% من حجم الإنفاق أنفقه سكان غزة على المواصلات والاتصالات أثناء مكوثهم في الأراضي المصرية، فيما أنفق حوالي ٣٩٪ من حجم الإنفاق على المواد الغذائية والأدوية والمواشي تلي ذلك ما نسبته19% على منتجات التبغ والوقود فيما جاء في المرتبة الثالثة من حيث الإنفاق الإسمنت وملحقات البناء بمعدل14%، واحتلت السلع المعمرة مثل الأجهزة الكهربائية ووسائل نقل من جهة والملابس والأحذية من جهة أخرى المرتبتين الرابعة والخامسة بالتساوي بنسبة 7.5%. فيما احتلت سلح أخرى ما نسبته 6%.
وأشار المركز إلى أن ٤٣٪ من العينة قاموا بالاقتراض من أجل القدوم إلى الأراضي المصرية، فيما أشار حوالي13% إلى تصرفهم ببعض ممتلكاتهم الشخصية من أجل الحصول على السيولة اللازمة مضيفًا أن حوالي 7% من العينة استفادوا بشكل ما من قرار حكومة هنية بصرف راتب شهر يناير قبل موعد استحقاقه لمن يتلقى راتبه من الحكومة المقالة في غزة.
ولم يمر وقت طويل حتى أصبح الطريق بين رفح والعريش مليئًا بالفلسطينيين الذين أسرع بعضهم إلى دخول المدينة من أجل الوصول للقاهرة ليزدحم موقف سيارات «العريش – القاهرة» بمئات الفلسطينيين، لكنهم فوجئوا بمنعهم من ركوب السيارات حيث تلقى السائقون تعليمات أمنية بعدم السماح لهم بالركوب، لأنهم سيتعرضون للمنع خلال نقاط التفتيش، وهو ما نفذه سائقو السيارات.
أحد من تم منعهم شاب فلسطيني يدعى رائد مصطفى محمد «19 سنة» طالب بمعهد الدراسات المطورة بمصر يحمل جواز سفر فلسطينيًا وإقامة مصرية عاد الرؤية أهله بغزة في أغسطس ٢٠٠٧م، غير أنه فشل في دخولها مرة أخرى بعد إغلاق المعابر.. واليوم فقط استطاع العبور لاستكمال دراسته، لكنه ما زال ممنوعًا من التوجه إلى القاهرة.
وفي الطريق تحقق ما أنبأنا به السائق فقد كانت الإجراءات الأمنية مشددة لأقصى درجة، حيث طالب رجال الشرطة في كل نقطة أي فلسطيني بالنزول مع تفتيش كامل للسيارات.. رأينا خلال توقفنا في محطة تفتيش «القنطرة شرق» بالإسماعيلية مجموعة من الشباب الفلسطيني الذين تم إيقافهم لإرجاعهم مرة أخرى إلى العريش.... وهكذا دارت الأحداث على هذا النحو.. من رفع إلى العريش إلى نقاط التفتيش.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل