; بعد أن خذلهم شيخ الأزهر.. الشارع الإسلامي ينتصر لمـسلمات فرنسا | مجلة المجتمع

العنوان بعد أن خذلهم شيخ الأزهر.. الشارع الإسلامي ينتصر لمـسلمات فرنسا

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004

مشاهدات 76

نشر في العدد 1584

نشر في الصفحة 22

السبت 10-يناير-2004

سبقت زيارة وزير الداخلية الفرنسي نيكولاس ساركوزي الرسمية للقاهرة اتصالات مع السفارة الفرنسية «المستشار الصحفي بها» لنقل رسالة غضب الشعب المصري بشأن التوجهات الرئاسية الجديدة نحو الحجاب، وأجريت مكالمات صاخبة وتم تسليم عدد من الفتاوى والرسائل والبيانات التي صدرت وتم توقيعها من عدد من العلماء والشخصيات العامة، منها البيان الصادر من المستشار المأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين، والذي يوضح خروج التوجه الفرنسي عن المبادئ المستقرة لحقوق الإنسان، بل عن مفهوم العلمانية، وقواعد القانون الدولي، فضلًا عن مخالفته للأحكام الشرعية الخاصة بلباس المرأة المسلمة.

ولقد حاولت أن أرتب لقاء خاصًا مع الوزير الفرنسي للتداول حول القضية مع عدد من العلماء والمفكرين يوازي لقاء مع شيخ الأزهر، إلا أن السفارة الفرنسية اعتذرت لسبب ضيق وقت الزيارة وفي الحقيقة فإن لقاء شيخ الأزهر كان له هدف وحيد أن يخرج الوزير بتصريحات مضللة من الشيخ تساعده في مهمته في فرنسا، ليوهم البرلمان أنه حصل على موافقة أعلى شخصية إسلامية في العالم السني، وهو ما تحقق له كما عبر عن ذلك الأمين الله المساعد للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الدكتور الـ عبد الصبور مرزوق في غضب، إلا أن الوزير نسي حقيقتين:

الأولى: أن شيخ الأزهر لا يمثل مرجعية لمسلمي فرنسا ولا أوروبا وأنهم يرجعون إلى المجلس من الأوروبي للإفتاء، وهو الذي انعقد بعد اللقاء العاصف وأدان فتوى شيخ الأزهر ورفضها تمامًا ودعا إلى معالجة أخرى للقضية تتناسب مع وضعية المسلمين في فرنسا وأوروبا.

وقد أدان العلماء الذين حضروا اللقاء مع الوزير الفرنسي موقف الشيخ خاصة المفتي وعميد كلية الشريعة السابق ولم يوافق الشيخ إلا أمين عام مجمع البحوث الإسلامية الذي عينه قريبًا، وهو موالٍ له تمامًا.

كما أدان موقف الشيخ نواب الإخوان في مجلس الشعب، وطالبوا الأزهر ممثلًا في مجمع البحوث بتصحيح الموقف الشائن

الثانية: أن الوزير «ساركوزي» هو صاحب فكرة «الإسلام الفرنسي»، أي أن يفصل بين مسلمي فرنسا وعالمهم الإسلامي في المشرق حتى يستطيعوا الاندماج، أو يذوبوا بالأحرى وفق مخطط في المجتمع الفرنسي، فلماذا يلجأ هو شخصيًّا إلى الحصول على دعم وتأييد من هيئات إسلامية خارج فرنسا، ولماذا لا يجتمع مع كل الهيئات في كل بلاد العالم الإسلام لاستطلاع رأيها قبل الخطاب الرئاسي وليس بعده؟

 والعجيب أن شيخ الأزهر نفسه تبنَّى هذا الموقف، وكان يرفض التدخل في فتاوى تتعلق ببلاد أخرى، ومازلنا نذكر موقفه العجيب من الشيخ «نبوي العش» الذي أصدر فتوى عن الأزهر «لجنة الفتوى» تتعلق بعدم شرعية مجلس الحكم الانتقالي في العراق ووجوب مقاومة الاحتلال الأمريكي، فسار الشيخ إلى عزله من منصبه وقالإن الأزهر خاص بمصر وأنه ليس من صلاحيته أن يتدخل في شؤون البلاد الإسلامية الأخرى.!!

 ها هو يقع في تناقض واضح بالتدخل في شؤون مسلمي فرنسا الذين رفضوا تدخله أصلًا.

ولعل سر هذا الموقف العجيب يتضح للعِيان عندما تطابق موقفه مع موقف الرئيس المصري الذي دعا إلى التسامح وعدم التصعب!! ودعم موقف الرئيس الفرنسي، في خذلان واضح لجالية إسلامية كبيرة ليس لمصر فيها إلا أقل النصيب، فلماذا؟ وهل تسمو الصداقة الشخصية أو المصالح الضيقة على الأحكام الشرعية؟.

وقد بُذلت محاولات جادة لإثناء الشيخ عن إعطاء الوزير الفرنسي ما يريده عن طريق عدد من أعضاء مجمع البحوث الإسلامي، ورفض بعض الأعضاء التدخل لأن الخطوط انقطعت بينهم وبينه، وهم كثيرون، وكتب الدكتور أحمد كمال أبو المجد مذكرة تفصيلية بالموقف الشرعي والقانوني وخطورة ما أيده الوزير، موضحًا للشيخ ما يجب أن يقال -كما أخبرني بذلك شخصيًّا في جنازة الراحل الفقيد أحمد صدقي الدجاني -ولكنه صُدم بخروج الشيخ عن النص كما يقال.

وقد حاول عدد من أعضاء المجمع حضور المقابلة مع الشيخ على أن يتفاهموا فيما يجب أن يقال قبل اللقاء -كما صرح بذلك دعبد الصبور مرزوق -إلا أن الشيخ لم يشاورهم، واكتفى بحضورهم كأنه يريد إقرارهم بالسكوت على ما يقوله، ولكنهم وفي شجاعة يحمدون عليها، رفضوا أن يكونوا شهود زور وصرحوا أثناء خروج الشيخ بعكس فتاواه المريبة، كان أجرؤهم د. مرزوق الذي وصف الشيخ بأنه لا يمثل الأزهر ولا العلماء، ولا مجمع البحوث، وأن الطنطاوي لا يمثل إلا نفسه فقط، وأن فتاواه خروج على إجماع المسلمين.

وكان موقف المفتي دعلي جمعة متوازنًا، فلم يقطع الخطوط بينه وبين الشيخ إلا أنه رفض أن ينساق مع تلك الفتوى العجيبة، وقطع بأن الحجاب فرض على المرأة المسلمة، وأن على الحكومة الفرنسية أن تتراجع عن إصدار مثل ذلك القانون

وهنا لابد أن نقولإن الأزهر مؤسسة وجامعة مشيخة لم تشهد تدهورًا في مواقفها مثلما تشهد في هذه الأيام، مما يؤذن بتراجع دور الأزهر في وقت يشهد المجتمع المصري والإسلامي صحوة إسلامية تقتضي العكس، وبذلك تخسر مصر أيضًا مكانة الأزهر الذي يحتل منزلة عالية في نفوس المسلمين في العالم كله، وهو ما يخصم من رصيد مصر والسؤاللمصلحة من يتم ذلك؟ هل مطلوب أن يفقد المجتمع المصري بوصلة الإرشاد والتوعية السليمة لصالح التطرف والغلو والتشدد، أم أن البعض يظن أنه بالقضاء على الجماعات المتشددة ونجاحه في وقف العنف يستطيع أن يمنع ظهور العنف من جديد؟! هذا وهم من الأوهام، والذين اختاروا -د. طنطاوي لتولي مشيخة الأزهر وهم يعلمون أن تخصصه بعيد عن الفقه وأن شخصيته متقلبة وأنه عصبي المزاج، وأنه فردي النزعة إنما يدمرون الأزهر ويدمرون مصر نفسها.

أما الموقف الرسمي المصري فهو عجيب ومريب، كما صرح به الرئيس ووزير الخارجية، وهو ما يتطابق مع فتوى شيخ الأزهر، مما يدلل على أن هناك اتفاقًا على ذلك، ولعله مسبق، ولعله مع الجهات الفرنسية أيضًا.

الموقف الشعبي يتصاعد

الموقف الشعبي المصري مازال يتصاعد، فبعد مظاهرات طلاب الإسكندرية التي لم تمتد إلى بقية الجامعات بسبب امتحانات الفصل الدراسي الأول «هذا أحد أهم مقاصد تقسيم العام الدراسي إلى فصلين لينشغل الطلاب عن القضايا الوطنية والإسلامية» وكانت هناك فتوى دعلي جمعة مفتي مصر، ثم بيان المرشد العام للإخوان المسلمين، اللذين تم إرسالهما إلى السفارة الفرنسية.

 وفي يوم زيارة الوزير للأزهر عقدت لجنة المرأة بنقابة المحامين «مائدة مستديرة» لبعض المحاميات والناشطات اللاتي عارضن بقوة فتوى الأزهر، ودعون إلى دعم موقف الطالبات المسلمات في فرنسا قانونيًّا وشرعيًّا وشعبيًّا.

وقد نظمت «لجنة الحريات بنقابة الصحفيين» حشدًا نسائيًّا ضخمًا، حمل لافتات احتجاجية على الموقف الفرنسي وموقف شيخ الأزهر وحضره عدد كبير من القيادات النسائية من الصحفيات، وعميدة كلية الشريعة بنات -بالأزهر، وأساتذة الأدب والحضارة الفرنسية بكلية الآداب.

ولا شك أن تواصل ردود الفعل في العالم الإسلامي ستساعد على توصيل رسالة واضحة إلى الرئاسة الفرنسية بأن فرنسا تفقد الرصيد الذي تراكم لها خلال السنوات الماضية عندما ساندت المواقف العربيةويأتي الموقف من الحجاب ليذكر العالم الإسلامي بمواقف فرنسا السلبية تجاه العالم الإسلامي طوال تاريخها، فهي التي أسست ومولت المشروع النووي الصهيوني، وهي التي احتلت المغرب العربي وحاولت فرنسته تمامًا وأنها وأنها... مما يزيد من الفجوة بين العالم الإسلامي وبين فرنسا وأوروبا

لقد كان رد فعل الجالية والمؤسسات الإسلامية في فرنسا حتى الآن جيدًا، وهي في حاجة إلى التناول الحكيم والموضوعي للمسألة دون تشنج أو انفعال، وعليها أن تبذل جهودًا ضخمة لحشد التأييد لحقها في تطبيق أحكام دينها من غالبية الشعب الفرنسي وطوائفه، خاصة هيئات المجتمع المدني

وعليها أن تبحث عن خطوط اتصال مع أعضاء الجمعية الوطنية «البرلمان» من الآن، والكتابة إليهم في دوائرهم وشرح القضية لهم وأبعادها وآثارها المتوقعة في مزيد من العزلة والانكفاء للجالية.

الرابط المختصر :