العنوان أفغانستان .. الألم المستديـم في قلب اليسار العربي
الكاتب عدنان بو مطيع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1368
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
ستبقى أفغانستان وجعًا مستديمًا في قلب تيار اليسار العربي، الذي لم يبق منه إلا الفلول، بعد انهيار الفكرة والتطبيق قبل نحو عشر سنوات فالقضية الأفغانية وتحديدًا الجهاد الأفغاني كان سببًا مباشرًا في انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان بدوره سند الشيوعيين في العالم، ومصدر فخرهم ولا عجب في أن يتولي الكتاب العرب المتأثرون بالفكرة الشيوعية حملة الشماتة بما ال إليه الوضع في أفغانستان، سواء أكان ذلك بمناسبة أم غير مناسبة.
إن أقلام اليسار العربي ما فتئت تذرف دموع التماسيح على أوضاع الشعب الأفغاني وتستشهد بالمعارك الطاحنة الجارية الآن بين فصائل المجاهدين، مؤكدة أنهم سبب خراب البلاد، ثم تصب النار على الزيت حينما تشير هذه الأقلام إلى ما أنتجته أفغانستان من حركات إسلامية متطرفة قوامها ما اصطلح على تسميتهم به الأفغان العرب وفي هذا بعض الحقيقة، لكنها تستخدم في سياق التعريض بالإسلام الحركي وتقديم التجربة الأفغانية کنموذج سيئ وفاشل له.
غني عن البيان التذكير بدور الشيوعيين الأفغان في الأوضاع المأساوية التي يعاني منها الشعب الأفغاني حاليًا، فالحرب الأهلية التي مازالت مستعرة منذ ٢٧ عامًا كانت في البداية بسبب الانقلاب الشيوعي على الحكم الملكي ففي عام ۱۹۷۳م قاد الجنرال محمد داود انقلابًا عسكريًا على ابن عمه الملك ظاهر شاه وهو انقلاب وقف وراءه الضباط الشيوعيون الذين ما لبثوا أن انقلبوا على محمد داود في ۱۹۷۸م وأبادوا ما تبقى من العائلة الملكية، لتبدأ بعد ذلك رحلة عذاب أفغانستان.
ثم إن الشيوعيين الأفغان ظلوا في تقاتل وتصفيات ضد بعضهم البعض، فالموالون للروس كانوا في مواجهة الموالين للصين.
ثم جرى انقلاب شيوعي آخر على محمد تراقي قائد انقلاب ۱۹۷۸م، قاده حفيظ الله أمين في العام ۱۹۷۹م، الذي ما لبث أن أعدم في انقلاب مضاد عشية دخول القوات الروسية أفغانستان لتبدأ مرحلة جديدة من عذابات الشعب الأفغاني.
وبطبيعة الحال، لم تكن الأحزاب الجهادية بمنأى عن الأحداث، بل تولت قيادة حركة الثورة ضد الأنظمة الشيوعية المتعاقبة حتى انهيارها تمامًا بدخول قوات المجاهدين العاصمة كابل في أبريل ١٩٩٤م.
حتى بعد هذا التاريخ، انقسم الشيوعيون المهزومون على أنفسهم، وعاد كل منهم إلى العرقية التي ينتسب إليها، فشيوعيو حزب «خلق» أعلنوا توبتهم النفاقية وانضموا إلى الأحزاب الجهادية ذات الأكثرية البشتونية وحزب برشم» ذو الأكثرية الطاجيكية والأوزبكية عاد أنصاره إلى حزب أحمد شاه مسعود «الطاجيكي»، في حين عاد الشيوعيون الأوزبك للانضواء تحت لواء قائد المليشيا الأوزبكية السابق الجنرال عبد الرشید دوستم.
ومارس كل فريق من هذه الفلول حربًا تآكلية وأنشطة تخريبية بين أحزاب المجاهدين، بل كانوا السبب الأكبر في استمرار المواجهات بين المجاهدين الأفغان، انتقامًا من انتصارهم على الحكومات الشيوعية السابقة، وطردهم الروس من البلاد.
إذن ليس الجهاد الأفغاني وحده سبب مأساة أفغانستان وهي حقيقة تاريخية لا يمكن طمسها باستشهادات وتدليسات تنضح منها روح التشفي بأحوال الأفغان اليوم، أما فيما يخص الأفغان العرب، فإن هذه الظاهرة العجيبة لم تأخذ حقها الكافي من الدراسة والتحليل، بل جانبها الكثير من التشويه المتعمد والإثارة الإعلامية المبلبلة، ذلك أن كثيرًا من الشباب العرب الذين شاركوا الأفغان جهادهم في الثمانينيات وأوائل التسعينيات عادوا إلى بلدانهم وانخرطوا في وظائفهم التي كانوا عليها وعاشوا في مجتمعاتهم حياة طبيعية، بل شارك البعض منهم في الحفاظ على مكتسبات أوطانهم كما فعل المجاهدون اليمنيون الذين تصدوا لفتنة الانفصال في صيف عام ١٩٩٤م، وحفظوا إلى جانب الجيش اليمني وحدة البلاد.
ومن الإنصاف ذكر تلك المشكلات التي تسبب فيها العديد من هؤلاء العرب العائدين إلى بلدانهم في مصر والجزائر مثلًا، لكن يبقى هؤلاء نماذج شاذة في قاعدة عامة لا ينطبق فيها الحكم على الغالبية.
كما أننا لا ننسى في هذا العرض تلك المشاركة التي قدمها الشيوعيون العرب للقوات الروسية التي غزت أفغانستان، حيث شاركت مجموعات حزبية شيوعية عربية في القتال ضد المسلمين الأفغان وكانت هذه المشاركات تأتي غالبًا من اليمن الجنوبي سابقًا، ومن المنظمات الفلسطينية اليسارية.
لهذا كله لن نستغرب بعد الآن الصراخ الشيوعي العربي إن كان هناك من يعتقد بالشيوعية بعد خسوفها على ما يجري في أفغانستان، فالدمار الذي لحق بالبلاد إنما افتتحه الشيوعيون بعمالتهم الواضحة للسوفييت شأن كل البلدان التي ابتليت بالحكم الشيوعي فلم تحصد إلا الخراب والتخلف.
أما مسؤولية المجاهدين الأفغان عما آلت إليه أوضاع بلادهم الآن فهم بلا شك يتحملون قسطًا وافرًا من المسؤولية التاريخية أمام مسلمي العالم والشعب الأفغاني، بغض النظر عن الأدوار الخفية والمعلنة للقوى الإقليمية المعروفة.
([1]) كاتب بحريني.