العنوان المسؤولية الشرعية للقيادة
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الجمعة 04-يونيو-2004
مشاهدات 88
نشر في العدد 1603
نشر في الصفحة 66
الجمعة 04-يونيو-2004
عند الكلام عن المسؤولية الشرعية للقيادة الإسلامية تعود بنا الذاكرة لمواقف الأوائل من قادة السلف الصالح، الذين أدركوا كم هي ثقيلة تلكم المسؤولية التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنها لأمانة.. وإنها يوم القيامة لخزي وندامة إلا من أخذها بحقها».. الحديث.
ولا أعني بالقيادة هنا القيادة الجماعية، أو أجهزة القيادة، وإنما عنيت بها شخص القائد المسؤول الأول الذي يتحمل وحده مسؤولية الموقف والقرار والمتابعة والتنفيذ والإمساك بالصف. وهنا أود أن ألفت إلى مفاهيم بدعية تسللت إلينا وعلينا وهي أن القيادة في الإسلام جماعية، ظنا من أصحابها أن إلزامية الشورى من شأنها أن تجعل القيادة جماعية، وبذلك تذيع المسؤولية القيادية، حيث يصبح كل عضو من أعضاء المجالس القيادية قائدًا، مما يفتح بابًا لا يغلق لنشوء مراكز القوى، وصراع الرؤوس والرئاسات، فضلاً عن بروز قيادات ظل يكون لها من الهيمنة على القرار ما لا يكون لقيادات العلن.
ما أود أن أؤكد عليه أن مسؤولية القائد الشرعية مسؤولية عظمى لا تماثلها مسؤولية أخرى ومن أجل ذلك كان الموقف النبوي من هذه المسؤولية صارمًا جازمًا، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظه أم ضيعه».
إن استشعار القائد لهذه المسؤولية يجعله يعيش هم من يقود ويسوس ويرعى فهو يحرص على العدل بين الرعية، وينأى عن مظنات الظلم أو الانحياز، فالجميع أمامه سواء وإنما يتفاضلون بالتقوى والبذل والتضحية وديدنه في ذلك وقدوته أئمة الهدى الأولون من أمثال أبي بكر وعمر اللذين قال أولهما يوم ولي الخلافة: «القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق».
في ضوء ذلك لم يعد غريبًا ما سجله الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه حيث قال فور انعقاد تبعات الخلافة عليه: «ليت أم عمر لم تلد عمر».
حاشية القائد والمقربون منه
إن مدخل الفساد وباب الإفساد الأكبر ألّا يهتم القائد بنوعية حاشيته والمقربين منه، وألّا تكون لديه موازین شرعية في عملية الاختيار، وأن يترخص في مساءلة هؤلاء ومحاسبتهم. إن ما نفخر به ونعتز في تاريخنا الإسلامي المجيد تلكم المواقف القدوة التي سجلها القادة، حيال سقطات المسؤولين والأتباع وأفراد الحاشية القيادية وهو ما يجب أن يحتذى.
ما أحوج القيادات الإسلامية إلى احتذاء مواقف كموقف المكلف بالجباية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي سمح لنفسه بقبول هدية قدمت إليه خلال عمله الوظيفي وقال: هذه لكم، وهذه أهديت إليَّ، حيث أنكر عليه القائد فعلته وقال: «أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يهدى إليه أم لا؟».
وما أحوج القيادات إلى موقف كموقف الخليفة عمر حين عاقب واليه على مصر عمرو بن العاص بسبب اعتداء ابنه على فتى قبطي، حيث أعطى القبطي عصاه وقال له اضرب ابن الأكرمين، والتفت الى ابن العاص قائلًا: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».
إن تقريب القائد لضعيفي الإيمان مهزوزي الالتزام طالما أنهم يوالونه ويؤيدونه، وإبعاده للأتقياء الأنقياء لأنهم يعارضونه ويصدقونه المشورة والنصح لهو دليل صارخ على فساد في شخصيته، وضعف في عقيدته، وزغل في طويته.
مطلوب من القائد أن يحرص على تقريب أهل المعرفة والدراية والورع من الذين عرفوا زمانهم واستقامت طريقتهم.. وستبقى الآية القرآنية ﴿إِنَّ خَيرَ مَنِ ٱستَئجَرتَ ٱلقَوِيُّ ٱلأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦) القاعدة الفضلى والمثلي في اختيار الأتباع والأصحاب والمساعدين والمكلفين والموظفين في شتى الظروف والأحوال.
إن من نتائج سوء اختيار القائد لحاشيته أن يناله نصيب من فسادهم، سواء فيما يشيرون عليه من سوء آراء وأفكار، أو فيما يمارسونه من جهالات كما سيؤدي ذلك لا محالة إلى بعد الصالحين المؤهلين عنه، تحاشيًا لمن يمكن أن ينالهم منه أو من حاشيته من سوء، ولكم انهارت كيانات بسبب استفحال هذه الظاهرة في صفوفها.