العنوان تأويلات فاسدة في كتاب «الإعجاز العددي للقرآن الكريم».. يدحضها بالدليل والتثبت الشيخ عبدالجليل عيسى
الكاتب عبدالجليل عيسى
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1975
مشاهدات 5
نشر في العدد 257
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 08-يوليو-1975
ليس غريبًا على القرآن أن يكثر النظر فيه، وأن تتوارد العقول عليه، وأن يتداعى عليه الناس من مؤمنين وغير مؤمنين، ولا يكاد يمر يوم إلا اطلع على المسلمين من يحدثهم عن القرآن مدافعًا أو مهاجمًا، محسنًا أو مسيئًا. والقرآن الكريم في سمواته العلا، لا يرفعه مدح المادحين، ولا يخفض مقامه لهو اللاهين، أو ضلال الضالين.
فكم تداعى على القرآن الكريم من تأويلات فاسدة
أُلبست أثوابًا من الزور والبهتان، مختلفة الألوان والأصباغ، بما يُدعى على القرآن
بأن له ظاهرًا وباطنًا، وأن هذا الظاهر هو خطاب الله للعامة، وأما الباطن فهو
خطابه سبحانه لأهل الولاية والكشف، ولأهل العصمة من الأئمة.
وفي أعماق هذا الباطن الذي لا حدود له، ولا ميزان
يضبط عليه مغايرات معاني القرآن، فإذا الإيمان كفر، وإذا الهدى ضلال، وإذا الجنة
نار، والنار جنة.. إذ لا حرج على هؤلاء الغائصين في الأعماق أن يقولوا أي قول؛
لأنهم يتحدثون عن عالم مجهول، لم يره أحد غيرهم، بل إن أحدهم لا يرى غيره في هذا
المكان السحيق الذي لا معالم له ولا حدود.
نقول هذا، وبين أيدينا كتاب ظهر حديثًا باسم
«الإعجاز العددي للقرآن الكريم».. وقد عد صاحبه الأستاذ عبد الرزاق نوفل -بحسن نية-
هذا فتحًا جديدًا في علوم القرآن، ووجهًا من وجوه إعجازه، المتحدية للإنس والجن أن
يأتوا بمثله إلى يوم القيامة.
وحسن، بل وواجب أن ينظر المسلم في كتاب الله، وأن
يتدبر آياته، كما يقول سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29).
ولكن ليس بالحدس، بل من الإثم أن يدخل المسلم إلى
حمى القرآن، وفي خاطره وهم يريد أن يجعل من القرآن شاهدًا له، ودليلًا عليه، فيقلب
حقائق القرآن حتى تتطابق مع أوهامه، وتتلاقى مع تصوراته..
ولا يتسع المقام هنا لمناقشة ما في هذا الكتاب،
وحسبنا أن نقول:
أولًا: إن البحث
الذي أجراه المؤلف يدور حول الكلمات المفردة، يقتطعها من آيات القرآن. وليس
للكلمات المفردة في ذاتها أن تُحسب قرآنًا، وأن تُعد كلمة قرآنية متميزة عن وضعها
في غير القرآن، إلا إذا كانت منتظمة في آية.. فهذا هو الذي يعطيها في نظمها
القرآني منزلة خاصة، ودلالة متفردة.. ولهذا كانت دعوة الله تعالى للمؤمنين أن
يتدبروا آيات الكتاب الكريم، لا حروفه، ولا كلماته، بمنقطع عن الآية.
ثانيًا: إن
المؤلف إذ يقابل بين الاسم ونقيضه، لا يلتفت إلى المعنى، فهو مثلًا إذ يدلل على
التساوي العددي بين كلمة الملائكة، وكلمة الشياطين، يدخل لفظة الشياطين الواردة في
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (البقرة:
14)- يدخلها في جملة عدد الشياطين، مع أن المراد منها في الآية رؤساء المنافقين، كما
أنه لم يجعل المقابلة بين الملائكة وإبليس، أو بين الملائكة وإبليس والشياطين؛ لأن
ذلك لا يحقق له المساواة العددية التي يطلبها.
ثالثًا: لكي يحقق
المساواة العددية بين الشيء وضده، جعل المقابلة بين النفع والإفساد.. وهما ليسا
ضدين على الإطلاق.. فالنفع يقابله الضر، والإفساد يقابله الإصلاح.. بهذا جاء
القرآن الكريم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا
شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعراف: 188).. ﴿هَلْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (الشعراء:
73).. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا
نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: 11).
رابعًا: كذلك جمع
المؤلف بين العدل والقسطاس، وعدّ (القاسطون) في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا
الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ (الجن: 14)- عدها من العدل، مع أنها من
الجور والظلم، والخروج عن سواء السبيل. وما ذلك إلا ليسوي حسابه، وإن كان على حساب
القرآن!
خامسًا: قابل
المؤلف بين السيئات والصالحات، والمقابلة الصحيحة أن تكون بين السيئات والحسنات،
كما هو شأن القرآن في هذا..
ثم إنه مع هذا، ولكي يسوي الحساب العددي، اعتبر اسم
صالح عليه السلام من الصالحات! وكذلك فعل في المقابلة بين الجحيم والعقاب، مع أن
الجحيم تقابله الجنة، والعقاب يقابله الثواب، وذلك جريًا وراء العدد على أية صورة.
ومثل هذه المقابلة بين الفاحشة والغضب، والأصنام والخمر والخنزير، وأعرض عن ذكر
الأوثان، والأنصاب، ولم يعدها مع الأصنام، تحقيقًا للمطلوب.
سادسًا: وتحت
تحكم شهوة الحساب العددي، يجمع المؤلف بين الركوع، والحج، والطمأنينة، لا لشيء،
إلا لأنه فتح المعجم المفهرس للمرحوم محمد فؤاد عبد الباقي فوجد أنها قد ذُكرت في
القرآن بأعداد متساوية، ولا جامع بينها غير هذا.
ثم يسوقه هذا التلهف لبلوغ غايته أن يفهم الحجج في
قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (القصص: 27) على أنها من
الحج، وأنها جمع حجة التي جمعها حجات، مع أن الحجة هنا معناها السَّنة.. يعني
ثماني سنين!
وبعد: فما
محصول هذا كله؟ وما جدواه؟
إن المؤلف لم يقل شيئًا أكثر من ذكر الأرقام
العددية، مع ما ارتكب من مغالطات، وأخطاء، وتحريف للكلم عن مواضعه.
فهل هذا مما يُخدم به القرآن؟
ولا نقول أكثر من هذا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل