; الحملة العسكرية الزاحفة إلى أفغانستان.. «عينها» على آسيا الوسطى | مجلة المجتمع

العنوان الحملة العسكرية الزاحفة إلى أفغانستان.. «عينها» على آسيا الوسطى

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2001

مشاهدات 67

نشر في العدد 1470

نشر في الصفحة 14

السبت 29-سبتمبر-2001

الحملة تأتي تتويجًا لسلسلة طويلة من الصراع الأمريكي الروسي حفلت بمساومات
ثروات يحر قزوين وحدها 16% من نفط العالم وتكفي لتشغيل أفران العالم الصناعي عقودًا قادمة

قبل «الحملة» العسكرية الحالية بعشر سنوات تحركت «حملة» اقتصادية من أكثر من 50 شركة نفطية بسطت سيطرتها على مواقع النفط والغاز.. الحملتان تلتقيان في آسيا الوسطى لإكمال الهيمنة
لم يعد خافيًا أن الحملة الأمريكية ترمي إلى تحقيق مخطط متعدد المراحل تم الإعداد له سلفًا بطريقة هادئة ومدروسة.. يرمي من جانب إلى تطويع كل القوى المناوئة للهيمنة الأمريكية في العالم وإحكام السيطرة على الثروات والمناطق الاستراتيجية من جانب آخر.
التحرك المحموم نحو أفغانستان كمرحلة أولى بدعوى ملاحقة بن لادن سيليه بالقطع التحرك نحو مناطق أخرى على نفس القدر من الأهمية الاستراتيجية لأفغانستان وعندها تكون الآلة الإعلامية -بالتناغم مع المطابخ السياسية- قد صنعت بن لادن ثانيًا وثالثًا.
كثير من التحليلات السياسية والاستراتيجية أجمعت على أن بدء الحملة على أفغانستان يضع أقدام الولايات المتحدة قاب قوسين من منطقتي القوقاز وآسيا ذواتي الأهمية الاستراتيجية والغنيتين بثرواتهما الطبيعية خاصة النفط والغاز.
وأطماع الولايات في منطقة آسيا الوسطى لم تكن وليدة انفجارات نيويورك وواشنطن -وإن كانت هذه الانفجارات مناسبة وفرصة مواتية لتحريكها- بل إن المنطقة موضوعة على قمة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية منذ أمد طويل، فالمنطقة تمتلك بحر قزوين تلك الكتلة المالحة من الماء التي تعد أضخم بحيرة مغلقة في العالم، تخبئ تحت قاعها مائتي مليار برميل من النفط، أي ما يعادل ١٦% من احتياطي النفط في العالم و ٦٠٠ مليار م٣ من الغاز -وفق جوليان لي الخبير في مركز الدراسات حول الطاقة- لندن»، هذا إضافة إلى ثروات أخرى أهمها الكبريت.
ويقدر الخبراء قيمة هذا الاحتياطي الضخم من الطاقة بما يكفي لإشعال أفران العالم الصناعي لعدة عقود قادمة. 
وإن مجرد تدفق النفط والغاز من هناك، ربما يلغي حاجة الغرب إلى الاهتمام بما يصدر عن منظمة «أوبك» أو ربما يغنيه عن التعامل معها.

الدول المطلة على البحر
قبل انهيار الاتحاد السوفييتي كان صاحب الحق في ثروة بحر قزوين دولتين هما الاتحاد السوفييتي وإيران، وقد نظمت العلاقة بينهما في استغلال موارده اتفاقيتان وقعتا عام ١٩٢١م و١٩٤٠م ولكنهما في الحقيقة لا تحويان بنودًا محددة لكيفية استخدام الموارد، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك دوله أصبح يطل على البحر خمس دول هي روسيا وإيران وأذربيجان وكازاخستان و تركمانستان فنشأ بذلك وضع قانوني جديد وحاجة إلى صياغة اتفاقية جديدة تحدد نصيب كل دولة من ثروة البحر، لكنها لم تتوصل حتى الآن إلى اتفاق وما زالت الدول منقسمة على نفسها إذ ترى إيران ضرورة تقسيم حق استغلال البحر بنسب متساوية أي بنسبة ٢٠% لكل دولة بينما ترى روسيا ومعها أذربيجان وكازاخستان أن يكون التقسيم حسب نسبة طول ساحل كل دولة على البحر وهو ما يعني أن إيران سيكون نصيبها ١٢% فقط وليس 20% وهي النسبة التي تصر عليها. 
وقد أدى هذا الخلاف إلى تصعيد في المواقف وتوتر في العلاقات وصلا إلى حد قيام سفينة تابعة للبحرية الإيرانية في 24/7/2001م بإرغام سفينتين أذريتين على العودة أدراجهما في منطقة متنازع عليها في بحر قزوين، كما كشفت وسائل إعلام أذرية الأسبوع الماضي عن اختراق طائرة إيرانية المجال الجوي الأذري مرتين وهو ما نفته طهران.
هذه الخلافات الحادة أدت إلى تهديد فرص التوصل إلى اتفاقية سلمية بين الدول الخمس، وهو ما جعل الوضع برمته معلقًا حتى الآن. 
وبينما وصل الخلاف بين الدول إلى طريق مغلق فإن أكثر من 50% من الشركات الغربية والأمريكية تواصل عملها للبحث والتنقيب عن النفط وفق عقود مع بعض الدول فكازاخستان تعاقدت مع «كونسورتيوم» مكون من خمس شركات بينها شركتا شيفرون وأكسون موبيل كما تعاقدت أذربيجان مع «كونسورتيوم» مكون من ۱۱ شركة بقيادة بريتش بتروليوم. 
وهكذا بدأ سباق بين الدول المشاطئة على بحر قزوين يصاحبه سباق محموم من شركات النفط الغربية للفوز بأكبر عدد من عقود إنتاج النفط، ويقف خلف ذلك وذاك صراع دولي محموم للسيطرة على المنطقة بأسرها، تجسده تصريحات المختصين والمسؤولين -الأمريكان بالذات- فأحد الدبلوماسيين الأمريكيين يقول صراحة عن بحر قزوين وما يحيط به في منطقة آسيا الوسطى من ثروات: «هنا نثبت أننا ما زلنا القوة البارزة الأولى في المنطقة، إن الصين وروسيا وأوروبا وإيران والآخرين جميعًا يريدون أن يعرفوا ما إذا كان في استطاعتهم إخضاعنا.. جميع أصدقائنا المزعومين وجميع أعدائنا المزعومين يريدون السيطرة على هذه المنطقة». 
وإذا كان الصراع الجيو اقتصادي الدولي في آسيا الوسطى والقوقاز يتمركز حول بحر قزوين -في رأي الدكتور محمد براو المتخصص في شؤون آسيا الوسطى- الذي يشكل في موقعه وثرواته جاذبية استقطاب متعددة ومتداخلة إلا أن هذا الصراع يمتد بالضرورة إلى آسيا الوسطى والقوقاز، ومحرك ذلك ما تخبئه هذه المناطق من ثروات النفط والغاز وثروات أخرى لا تقل أهمية مثل: ذهب قيرغزستان وقطن أوزبكستان والثروات المعدنية في القوقاز. 
كما تحركه الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القوقاز التي تشكل جسرًا يربط منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين بما يسمى بالبحار المفتوحة، كما أن منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى تمثلان -كمنطقة جغرافية واحدة- بابًا مفتوحًا نحو منطقة الخليج والشرق عمومًا، ولذا فإن من يسيطر عليهما يستطيع أن يطل على الشرق وهو مستريح. 
من هنا فإن أطماع الولايات المتحدة في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز وفي القلب منها بحر قزوين لم تكن وليدة انفجارات نيويورك وواشنطن وإن كانت هذه الانفجارات فرصة مواتية لتحريكها وإنما المنطقة موضوعة على قمة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية منذ أمد بعيد، فقد كان التحرك الأمريكي المكثف ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان عام ۱۹۸۸م أحد مظاهر هذا الاهتمام، ثم يأتي التحرك العسكري الأمريكي اليوم إلى هناك إتمامًا لسلسلة من التدخلات والاختراقات السياسية والاقتصادية للمنطقة برمتها جرت في العقد الأخير، وقد حدثت خلالها سلسلة من المساومات السياسية والاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة، كانت أشبه بلعبة القط والفأر بين الطرفين، ثم خرج الصراع السياسي بين الجانبين إلى العلن بعد أن نضج تحت السطح. 
ففي اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي الذي انعقد في أغسطس ۱۹۹۷م أعلن الرئيس الروسي -في ذلك الوقت- بوريس يلتسين أن «المنطقة ما برحت تنطوي على خطر الانفجار وأن هناك عددًا من المؤشرات الجديدة يمكن أن تعوق السلام والاستقرار وتهدد أمن روسيا، وأن منطقة القوقاز «ست جمهوريات بينها الشيشان تقع بين بحر قزوين والبحر الأسود» منطقة تتقاطع فيها مصالح دول عديدة.. وأن مواقع روسيا بدأت تضعف».
في هذه الآونة بدأ الأمريكيون ولأول مرة يتحدثون صراحة عن أن القوقاز منطقة لمصالحهم، كما أن الرئيس يلتسين قبل تركه لموقع الرئاسة بأيام أكد في مقابلة صحفية قائلًا: لا يمكننا التغاضي عن الضجة التي تثار في بعض الدول الغربية حول موارد الطاقة في بحر قزوين.
الصراع واضح إذًا، ولكن الأمريكان حرصوا على ألا يكون عنيفًا، فالمنهج الذي تفضله الولايات المتحدة في هذا السياق هو منهج الاحتواء لروسيا التي تمثل الثقب الأسود وفقًا لرؤية أزيجنيو بيرجنسكي -مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق- في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى» والذي يرى فيه أن روسيا دولة غير مستقرة سياسيًّا وتمتلك في نفس الوقت ترسانة نووية، ومن المحتمل أن تشهد فوضى سياسية قد تؤدي إلى تهديد أوروبا من انتشار أسلحة الدمار الشامل.
لهذا يسير الاتجاه الأمريكي في التعامل مع روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي نحو الاحتواء والمساومة وليس الاستفزاز والصدام، ومظاهر ذلك تتجلى فيما يلي: 
أولًا: عندما تفجرت الحرب الشيشانية الروسية الأولى ( ١٩٩٤م - ١٩٩٦م) والحرب الثانية «۱۹۹۹م وما زالت دائرة حتى الآن» حرصت الولايات المتحدة والغرب عمومًا على الوقوف إلى جانب روسيا بالدعم الاقتصادي والسياسي. وتؤكد البيانات الصادرة في الغرب أنه تم تقديم ١١,٥ مليار دولار كمساعدات من الغرب لروسيا، كما أن مساعدات أكثر كثافة -لم يكشف النقاب عنها بعد- تم تقديمها لروسيا في الحرب الدائرة الآن، لكن الثابت أن الغرب وقف إلى جوار روسيا -وما زال- فقد عدلت منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في مارس ۱۹۹۹م اتفاقيتها المبرمة عام ١٩٩٠م والتي شاركت روسيا في التوقيع عليها -وكانت تحد من تعداد القوات الروسية وعتادها في القوقاز- وجاء التعديل مستجيبًا للمطالب الروسية بحشد ترسانتها الحديثة ورفع عدد قواتها. 
وقبل ذلك بعام واحد (۱۹۹۸م) تم تعديل الاتفاقية المبرمة بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن توزيع القوات التقليدية -غير النووية- وقد استجابت التعديلات لمطالب موسكو بمضاعفة حجم ونوعية وجودها العسكري في القوقاز. 
وظل الموقف الأمريكي والغربي عمومًا يضع ما ترتكبه الآلة الوحشية الروسية في خانة الشأن الداخلي الروسي الذي لا يجوز التدخل فيه. 
وهكذا.. حرصت الإدارة الأمريكية على تشجيع روسيا ودعمها للدخول إلى المستنقع الشيشاني مرتين تحقيقًا لهدفين: 
1-    القضاء أو كبح الصحوة الإسلامية المتنامية في آسيا الوسطى عمومًا والتي تمثل خطرًا على المشروع الأمريكي الغربي.
٢- إصابة الاقتصاد الروسي بمزيد من الانهيار في حرب مهلكة تؤدي لا محالة إلى حالة من الضعف العام داخل روسيا، مما يفتح -بلا شك- ثغرات واسعة للاختراق والتمركز الأمريكي في المنطقة. 
ثانيًا: كان الثمن الذي دفعته روسيا نظير هذا الدعم الأمريكي الغربي لها في الشيشان ترحيبها بالهجمة الاقتصادية من قبل رجال المال والأعمال والشركات الغربية الأمريكية للمنطقة. 
فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١م شهدت الجمهوريات السوفييتية المنفكة تغلغلًا اقتصاديًّا من الشركات الغربية للفوز بأكبر قدر من حقوق استغلال الثروات النفطية والمعدنية في منطقة بحر قزوين، وعقدت بالفعل صفقات طويلة الأجل تمنحها امتيازات في حقول النفط هناك لعشرات السنوات القادمة تنقيبًا واستخراجًا وتصنيعًا وتصديرًا. وقد تزايد نشاط هذه الشركات العاملة في «بحر قزوين» وأذربيجان وأوزباكستان في عام ١٩٩٦م بعد هزيمة روسيا في حرب الشيشان الأولى، وقد ظلت هذه الشركات حريصة على ترضية روسيا والتفاهم معها وإشعارها بالأمان على مصالحها في المنطقة.
لكن عندما حانت الفرصة لإبعاد روسيا وتحجيمها لم تتوان الولايات المتحدة في استثمارها، فخلال انعقاد قمة الأمن والتعاون الأوروبي في إسطنبول «نوفمبر ۱۹۹۹م» وبينما القوات الروسية منهمكة في حربها الوحشية في الشيشان فوجئت روسيا التي كانت تحضر المؤتمر بتوقيع اتفاقية برعاية الرئيس الأمريكي -في ذلك الوقت- بيل كلينتون مع كل من أذربيجان و تركمانستان وكازاخستان «دول بترولية تقع على شاطئ بحر قزوين» وتركيا لإقامة خط أنابيب لنقل نفط بحر قزوين ممتدًا بطول ١٧۰۰ كم من أراضي هذه الدول إلى ميناء جهان التركي على البحر المتوسط حيث تتم عمليات التصدير للخارج. 
وقد مثل ذلك ضربة لروسيا لأنه يعني إلغاء خط تصدير البترول من بحر قزوين المار عبر الأراضي الروسية إلى ميناء نوفورسك على البحر الأسود، وهو ما يمثل في التحليل الأخير خسارة اقتصادية وسياسية لروسيا لصالح النفوذ الأمريكي. 

الذي يجري.. هو أن القوة العسكرية الزاحفة إلى أفغانستان وما حولها تسعى للالتحام مع نفوذ الاختراق الاقتصادي الأمريكي الموجود بقوة في منطقة آسيا الوسطى منذ عقد من الزمان للسيطرة على ثروات المنطقة من جانب، ومن جانب آخر إضافة حلقة جديدة في سلسلة الحزام العسكري حول العالم الممتد من سواحل البحر المتوسط عند مضيق جبل طارق إلى البلقان.
الرابط المختصر :