; حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون (الحلقة السابعة) | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون (الحلقة السابعة)

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973

مشاهدات 3

نشر في العدد 134

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 23-يناير-1973

     ·       الإنسان ليس من صنع المادة.. لأن المصنع لا يحيط بصانعه

     ·       تراجع الفكر الماركسي.. أمام التجارب العملية الفاشلة

     ·       الماديون الجدليون في واد.. وحقائق العلم في واد آخر

كشفت أسئلتنا الاستطلاعية في الجلسة السابقة عن مدى قدرتهم العلمية في تفسير ظاهرة الحياة وهم الذين يلخصون مهمة الفلسفة عموما في عبارة موجزة «التفسير والتغيير» وها هي اليوم تقف عاجزة تماما عن تفسير هذه الظاهرة تفسيرا قاطعا ورأينا أن كل ما لديهم من آراء في هذا الشأن ليس أكثر من احتمالات على أحسن الفروض ومعنى هذا فإنهم يقعون في مآزق المثالية في التفكير بالتدريج. باتباع الظن، وإذا فقدت الفلسفة قدرتها على التفسير فمعناه أنها فقدت مهمتها الوحيدة، لأن التغيير الذي يعقب هذه المهمة لا يدخل في تعريفها حيث تقوم به الإرادة البشرية على ضوء ما وعته من التفسير.

وبهذا العجز عن إعطاء التصورات الكلية الشاملة للوجود والحياة فإنها تتخلى عن مهمتها الأساسية لمختلف فروع العلم الجزئية التي تعالج ظاهرة بعينها لمعرفة قوانينها.

● ولم يكن بوسعنا أن نفعل أكثر من إزاحة الستار عن هذه الحقيقة أمام أعين الشيوعيين وأن نردّهم إلى منطق العلم أمام كل فرع من فروعه على حدة بعد أن تبينوا أن ما لديهم من تصورات كلية ثابتة شاملة عن الوجود والحياة ما هي في الحقيقة إلا تخيلات مثالية مرة أخرى كتلك التي نعوها على الفلسفة المثالية من قبل وأنهم لكي يكونوا ماديين حقا عليهم أن يتحللوا من الاهتمام بهذه القضايا وهو ما ليس في مقدور من يدعي أنه صاحب رسالة للبشر تفسر الماضي وتعالج الواقع وتوجه المستقبل أن يفعله، وإلا عادوا إلى متخصصين بين جدران المعامل يقدمون الكشف العلمي دون قدرة على تحديد قيمته أو فاعليته في تيار الحياة المتدفق.. وهذا ما لا يجعل للماركسية كمنهج أي وجود.. وقد رأينا فيما سبق كيف أن ماركس قد حاول في بادئ الأمر أن يطرح عن الفلسفة مهمة التفسير، أي مهمتها كمذهب يعالج مجموعة من القضايا حول الإنسان والعلم والمصير، وأن يقصر وظيفتها على التغيير، أي على قيامها بمهمتها كمنهج يرسم طريقا للتفكير والعمل فقط إلا أنه لم يستطع، وراح يدلس بفلسفة تالية على التفسير حيث أدلى بمجموعة أقوال عن الإنسان والعالم والمصير. ومن هنا جاء عجز الفلسفة المادية حيث تؤول إلى شيء غريب لا هو بقوانين العلم ولا بالفلسفة المثالية الخالصة لتفوق الأخيرة بنقطة بدء صحيحة هي وجود الله وجودا مجردا، ثم اتفاقهما معا فيما وراء ذلك من الظن والتخمين.

● وإذا ما أخذنا أحد تخمينات المادية أو بالأحرى الماديين مثل تعريفهم للمادة وعرضناه على معطيات العلم الحديث أدركنا بوضوح أنهم في واد والحقائق العلمية في واد آخر.. وأن من أعجب الأشياء التي يكتشفها الإنسان الدارس أن هناك من الشعارات العلمية في خداع العقول ما هو أشد فتكا من الشعارات السياسية في خداع الشعوب.. وأبعد من ذلك عجبا قدرة الاثنين على ادعاء التقديمية أمام الناس.

فما تعريف المادة؟

نشأت الماركسية في القرن التاسع عشر في ظل التعريف السطحي للمادة «بأنها كل ما تقع عليه الحواس».. ونجح الاتباع والتلاميذ في مطلع القرن العشرين في إعطاء الماركسية قدرا من مصل الحياة بعد أن توالت الكشوفات العلمية وتجاوزت ما تقع عليه الحواس إلى عالم الذرة.. فأعادوا صياغة التعريف بأن المادة هي «الوجود الموضوعي خارج الذهن».. واليوم يقف 29 عالما سوفيتيا اشتركوا في تأليف «أسس الماركسية اللينينية» حائرين بعد أن أفلتت جميع التعريفات من أيديهم وفقدت المسلمات النظرية حقيقتها أمام الممارسة العملية من جانب والتقدم العلمي من جانب آخر..

وهاك مرور سريع على قصة تعريف المادة (معبود الماديين) منذ القرن 19 حتى نهاية القرن 20 قبل أن نرى كيف يكون الاستدلال العلمي على وجود الله تعالى.

إن تفجير الذرة في القرن العشرين قد فتح الباب أمام تعريفات جديدة للمادة ومحاولات أعمق في فهمها.

قال أوستوالد بأن «المادة صورة من الطاقة فحسب» وقال ليبون «المادة صور مختلفة من الطاقة» وقال ج.ب.س هالدين «المادة مجرد ضرب خاص من الاضطراب التموجي» وقال إدنجتون: «إن المادة مركبة من بروتونات وإلكترونات -أي شحنات موجبة وسالبة- من الكهرباء.. فاللوح هو في الحقيقة مكان فارغ مشتمل على شحنات كهربية مبعثرة هنا وهناك».

وقال هوايتهيد «إن مفهوم الكتلة في طريقه إلى فقدان امتيازه الوحيد باعتبارها المقدار الواحد الدائم في النهاية، فالكتلة الآن اسم لكمية من الطاقة في علاقاتها ببعض أبعادها الديناميكية».

ويقول ليبون «إن عناصر الذرات التي تنحل تفنى تماما، فهي تفقد كل صفة للمادة بما في ذلك الثقل وهو أكثر صفاتها أساسية.. ذلك أن الميزان يعجز عن وزنها ولا شيء يستطيع إرجاعها إلى حالة المادة فقد اختفت في عظمة الأثير.. والحرارة والكهرباء والضوء تمثل آخر مراحل المادة قبل اختفائها في الأثير».

ولكن ما هو الأثير؟ لا أحد يعرف.. ليس الأثير فيما يقول لورد سالسبوري إلا اسما على الفعل «يتموج».. والـأثير خرافة أوجدت لإخفاء الجهل المثقف للعلم الحديث فهو غامض غموض الشبح أو الروح.

ويقول الأستاذ إدنجتون أحدث حجة في هذا الموضوع «ليس الأثير نوعا من المادة فهو لامادي».

ومعنى ذلك أن شيئا ما لاماديًا يحيل نفسه إلى مادة بواسطة بعض الالتواء Comortons الغامض أو دوامات Vortics كما سماها لورد كيلفن، ويصبح ذلك الذي لم يكن له بعد أو ثقل بإضافة أجزاء منه بعضها إلى بعض مادة متميزة ويمكن أن توزن.

ويقول الأستاذ العقاد في كتاب «عقائد المفكرين»: «حدثت في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر حوادث علمية غيرت كل صورة من صور المادة عرفها الأقدمون».

وقد عرف الكيميائيون قبل ذلك أن عناصر المادة أكثر من أربعة وأنها ليست محصورة في النار والتراب والهواء والماء وعرفوا أن ذرة الهيدروجين أخف العناصر ليست هي أصغر جسم من أجسام المادة ينتهي إليه التقدير.. عرفوا الكهرب الذي تحسب ذرة الهيدروجين جبلا ضخما بالقياس إليه.. ثم تقدموا في معركة الكهرب والذرة حتى أفلتت المادة كلها من أيديهم ولم يبق منها غير حسبة رياضية.. حسبة رياضية كانوا يحسبونها مثلا في الدقة والضبط والعصمة من الخلل، فإذا هي في النهاية حسبة لا يضبطها الحساب إلا على وجه التقريب.. أفلت من المادة كل شيء ثابت، أو كانوا يحسبونه مضرب المثل في الثبوت والحقيقة.

فاللون من الشعاع.. والـشعاع هزات في الأثير.. والوزن جاذبية، والجاذبية فرض من الفروض.. والجسم نفسه متوقف على الشحنة الكهربية وعلى سرعة الجسم في الحركة ونصبيه من الحرارة.. والحرارة.. ما هي؟ حركة.. والحركة في أي شيء؟ في الأثير.. والأثير ما هو؟ فضاء أو كالفضاء.. وكل وصف أطلقه على الفضاء فهو بعد ذلك مطابق لأوصاف الأثير.

حتى الصلابة التي تصدم الحصى أصبحت درجة من درجات القوة تقاس بالحساب، ويعلم الحاسب أنه حساب قابل للخطأ والاختلال، فهذه الصخرة القوية صلبة جامدة.. يضربها الضارب بيده فترده فيقول: نعم هذه هي الحقيقة التي لا مراء فيها، فماذا لو كانت يده أقوى ألف مرة أو ألف ألف مرة من يد الإنسان القوي بالعضل والعصب؟ إن حقيقة الصخرة تفقد تحت يده برهانها فلا يحسه، أو يحسه ولا يتحدث عنه كما يتحدث عن الحقائق التي تصدم المفكرين..

وتقدم العلم بالكهرب والذرة مرة أخرى فإذا بالمادة كلها كهارب وذرات وإذا بالذرات تنطلق فتطلق شعاعا كشعاع النور.. هل هذا الشعاع موجات؟ هل هو جزيئات؟ قل هذا أو قل ذاك، فهذا وذاك في ميدان التجربة سواء.

وعاد العلماء التجريبيون إلى القوانين الطبيعية التي تحكم الحرارة والحركة والضوء وكل ما في عالم المادة من كهارب وذرات فوجدوا لها قانونا واحدا هو «الخطأ والاحتمال».. ومن القول الجزاف اليوم أن يقال إن محسوسات المادة هي وحدها الوجود الحقيقي وأن المتكلمين عن أصول المادة يأتون بشيء أثبت من الكلام عن الأرواح والمجردات».

ويقول ليكونت دي نوي في (مصير البشرية ص 16) «.. إن بعض التعابير كالحقيقة العلمية يجب أن تؤخذ بحدود ضيقة وليس بالمعنى الحرفي كما يظن العامة.. فليست هناك حقيقة علمية بالمعنى المطلق. والقول المعروف: «السير نحو الحقيقة بواسطة العلم» قول باطل. فهناك فقط مجموعات من الإحساسات التي وجدنا بالتجربة أنها تتبع بعضها بعضًا بترتيب معين، والتي تدعي أنها ستتوالى على نفس النمط في فترة مستقبلة محدودة، تلك هي روح حقيقتنا العلمية».

«وإذا كان العالم في القرن التاسع عشر لديه الجرأة الكافية ليقول إن الحالة (أ) تتبع الحالة (ب) والحالة (د) تتبع الحالة (حـ)، فإن العالم في القرن العشرين أكثر تحفظا وأقرب إلى التواضع منه إلى الغرور، ولا يجزم بشيء، وإنما يستطيع أن يقول إن الحالة (أ) قد تتبعها الحالة (ب) أو (حـ) أو (د) وقد يستطيع أن يقول إن (د) أكثر احتمالا من (ب أو حـ) ولكن لا يحدد أيها التي ستقع».

يقول ج. برونوفسكي: «هذا هو الرأي الانقلابي للعلم الحديث، وقد استبدلت فيه نظرة النتيجة الحتمية بفكرة الاتجاه المحتمل» (العلم والبداهة- ص 200).

·       والآن.. نعود على استحياء إلى سؤالهم التقليدي.. أيهما أسبق الفكر أم المادة؟

لقد تبين من العرض السابق أن الحواس هي أبطأ أدوات المعرفة، ولذلك يشترك فيها الحيوان وبعض النبات مع الإنسان في إدراك البيئة المادية من حوله.. ثم لم يكن مفر من العقل كأداة أرقى في المعرفة حتى انتهت به رؤيته للمادة إلى حافة الأثير عندما خرج من كل صفة معروفة من صفات المادة ولم يبق إلا حسبة رياضية لها دلالة كبرى، وهي أن الإنسان ليس من صنع المادة لأن المصنع لا يحيط بصانعه والإنسان قد أحاط بكل صور المادة وخرج بها إلى دائرة أوسع منها هي دائرة الأثير.. بل إلى عمليات رياضية فكرية في قدرة الإنسان أن يحتويها.. وهذا لا يتأتى إلا إذا كان في طبيعة الإنسان شيء يعلو على مكونات المادة.. شيء مفارق لكل خصائصها المعروفة.. وإذ تحولت المادة إلى حسبة رياضية يحتويها الفكر فإن ذلك يجعل المنطق القائل بأن المادة أسبق في الوجود على الفكر في مأزق علمي شديد التناقض مع معطيات العلم الجديد، وفي مأزق أشد حرجًا مع مسلمات الماركسية التي قامت على أساس صحة هذا الافتراض وما ارتبط به بعد ذلك من مصالح سياسية كبرى.. وما أشد محنة العالم حين يقف حائرًا بين دواعي السياسة وأمانة العلم!

● وهذه الحيرة أوضح ما تكون على مدار كتاب «أسس الماركسية اللينينية» الذي اشترك في إخراجه 29 عالمًا سوفيتيًا سنة 1963.

وفي موضوعنا هذا من علاقة الفكر بالمادة يأتون بما ينقض المادية الجدلية من أساسها ولم يكن بد من هذا المصير.. فنجدهم يقولون: «إن النشاط الذهني أو الفكر خاصة مميزة للمادة ولكنها ليست شكلًا من أشكال المادة.. وفي المسألة الأساسية في الفلسفة يطرح التفكير كضد للمادة والروح كضد للطبيعة. فالمادة هي أي شيء يوجد خارج العقل ولا يتوقف عليه، وبالتالي يكون من الخطأ الجسيم اعتبار الفكر جزءًا من المادة، وفي الوقت الحالي يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادية المنحطة».

إذن لقد وصف العلماء السوفييت أنفسُهم الفكر المادي للقرن التاسع عشر الذي قامت الماركسية على أساسه والذي يسوي بين المادة والفكر ويعتبر الفكر شكلًا متطورًا من أشكال المادة يعكس الوسط المادي.. وصفوا هذا القول بأنه مفاهيم مادية منحطة.. فهل معنى ذلك أنهم يقولون بانفصال الفكر عن المادة؟

نجدهم يناقضون ويخافون من هذه النتيجة أيضًا إذ يقول مؤلفو «أسس الماركسية اللينينية»: «إن الجدلية المادية ترفض أي فصل بين الفكر والمادة، إذ إن هذا الفصل يعني في جوهره العودة إلى وجهات النظر الجاهلية البدائية من تاريخ الإنسان.. عندما كانت كل ظواهر الحياة تفسر بأنها راجعة إلى الروح التي كان يفترض أنها تدخل الجسد».

إذن فهما متصلان منفصلان وتلك مشكلة جاء حلها في «أسس الماركسية اللينينية» على الوجه التالي: «إن حل المشكلة السيكوفسيولوجية (أي مشكلة العلاقة بين النشاط العضلي وجهازه أي المخ- وهو عضو مادي سيسيولوجي) يجب أن ننظر فيه إلى كل من الاختلاف والاتصال بينهما.. إنه لمن المهم أن نعي الخلاف بينهما لأن الوحدة بين المادة والفكر تؤدي إلى الغموض غير أنه من ناحية أخرى لا ينبغي فصل الوعي عن المخ لأن الوعي وظيفة المخ».

● كل هذا العنف والجهد هو في مجال البحث عن العلاقة المتبادلة بين الفكر والمادة.. وهل الفكر مجرد انعكاس أم يعمل بطريقة فيها تميز.. أما مشكلة أيهما وجد أولا: المادة أم الفكر؟ فقد صرف مؤلفو «أسس الماركسية واللينينية» النظر عن القطع في هذه القضية وذلك في قولهم «ابتدع ماركس وإنجلز الجدلية المادية خلال صراعهما ضد النظرة الميتافيزيقية للطبيعة التي تنكر التطور.. غير أن الوضع قد تغير بعد هذا ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر انتشرت فكرة التطور (بفضل نظرية دارون) وفي الوقت الحالي يقوم الصراع بين الجدلية والميتافيزيقية بصفة رئيسية حول معرفة كيف نفهم التطور، وليس حول ما إذا كان هناك تطور».

ونسوا بذلك أن تنازلهم عن الإصرار على أن «المادة أولا» سيفقدهم القدرة على الإصرار على أن المادة هي المؤثر الحاسم في عملية التطور.. وأن ذلك مقدمة لمزيد من التراجع.

وأخذوا يتراجعون خطوة وراء خطوة بعد أن تخلوا عن البحث في أولوية المادة والفكر ثم بعد أن تخلوا عن البحث عن أولوية التأثير المتبادل بينهما.. وانتهوا إلى الوقوف عند النشاط الإنساني. فنجدهم يقولون «إن النشاط المادي للإنسان نقيض نشاطه الذهني، غير أن هذين النقيضين يتداخلان كل في الآخر ويؤلفان وحدة ذات وجهين للحياة الاجتماعية، غير قابلين للانفصال ومتفاعلين».

أي إنه يلزم أخذ النشاط الإنساني «كوحدة من المادة والفكر»، فبدون هذا لا يمكن معرفة حركة القوانين التي تحكم هذه الوحدة ولا حركة التطور ذاته الذي تتم معرفته خلالها.. وهنا نعود من حيث بدأنا لنقف أمام منهجين:

أ- إما أن نتبع ما انتهى إليه الفكر واكتشفه أي إلى اتباع أحكام «النظرية».

ب- وإما أن نأخذ ما يؤدي إليه الإدراك الحسي فنلقي بأنفسنا في متاهة التجربة والخطأ.

ولقد قال لينين من قبل في الجزء 14 من كتاباته: «الممارسة الفعلية يجب أن تكون الأساس الأول في نظرية المعرفة».. وهذا معناه أي حتى ولو جاءت الممارسة على غير مقتضى النظرية.. وهذا أيضا ما انتهى إليه مؤلفو «أسس الماركسية اللينينية» «مع فارق جوهري هو أن لينين كان يعتقد في صحة النظرية وإن كان يرى تقديم الممارسة الفعلية عليها، أما هؤلاء فقد قضت تحليلاتهم على أسس النظرية ذاتها وتلاشت تماما فيما أسموه بالممارسة الفعلية وهو التعبير المهذب «للتجربة والخطأ» مرة أخرى.. وهذا كله معناه: لا يوجد شيء اسمه النظرية، وإنما هو دائما منهج التجربة والخطأ في مراحله المختلفة منذ أن ظهر في شكل المادية الجدلية إلى أن انتهى إلى شكل الممارسة الفعلية.. اللهم إلا إذا أعطينا وصف النظرية لكل فترة من التجربة والخطأ على أن يكون مفهومها أن كل فترة لها نظرية جديدة ولا توجد نظرية واحدة على مدار الفترات جميعا تقوم بدور الموجه الكبير في عملية التفسير والتغيير الذي يأخذ وصف الفلسفة.

نعود من هذه الجولة باعتذار إلى القارئ المادي عما نكون قد تسببنا فيه من تعب نفسي لكل هذه التعقيدات اللفظية.. وكان لا بد لنا أن نرى كيف يفكرون وكيف أنهم لم يختلفوا عن الفلسفة المثالية التي نعوا عليها شطحاتها.

وسوف نرى في الحلقة القادمة أن الأمر أَبسط من ذلك بكثير وأن لنا أسلوبنا السهل في الاستدلال على قضية الألوهية.. تلك القضية التي تتجلى عظمتها في بساطة التدليل عليها والاطمئنان إليها من خلال كل المستويات الفكرية، وخيرًا أراد الله لنا أن أبعد عما كل هذه التشققات اللفظية في فترة السجن وأثناء الندوات حيث كان الفكر ينطلق صافيًا بلا حواجز فلسفية من هذا النوع الذي رأيناه..

ومع هذا فقد رأينا كيف نبخر الحجر الأول من المادية الجدلية حول ماهية المادة وعلاقتها بالفكر.

بقي علينا أن نقدم في الحلقة القادمة شواهد وجود الله سبحانه وتعالى من مبسوط خلقه حولنا، لكي نرى ما تؤدي إليه هذه الحقيقة من نتائج حاسمة سبق أن رتبها الزميل الصريح بلسانه في ختام الحلقة السابقة، وعلينا أن نتذكر كل ما قاله جيدا لأن فطرته نطقت بملامح منهج جديد محوره قضية التوحيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

★ اقرأ كتاب "الأسس الاشتراكية العربية" للدكتور عصمت سيف الدولة.

الرابط المختصر :