العنوان انكب النورسي على تأليفها ونشرها لإصلاح الأخلاق في ظروف غير مواتية رسائل «النور» والأخلاق الإسلامية (1 من 5)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 78
نشر في العدد 1531
نشر في الصفحة 56
السبت 14-ديسمبر-2002
رئيس قسم اللغة العربية بجامعة طنطا. مصر
● هم الروس بإعدامه فطلب إمهاله للصلاة.. فألغوا الحكم.
تصدى لـ مصطفى كمال فعزم على نفيه من أنقرة توقع انهيار الخلافة وتمزق العالم الإسلامي.. فلم يلتفت إليه الحكام.
ترتبط منظومة الفكر الإسلامي ارتباطا عميقًا بحياة الإنسان في وجوهها المتشعبة كافة، فلا تترك مجالًا لحركة أو سلوك أو تصور إلا وحكمته بالمنظور الإسلامي الذي تصنعه المفاهيم القرآنية وتوضحه السنة النبوية. ولقد جاءت رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي لتؤكد توغل هذه المفاهيم القرآنية في وجوه الحياة الإنسانية شتي ومن هذا المنطلق كان اهتمام النورسي بفلسفة الأخلاق، وتأصيل القيم الخلقية داخل نفوس أبناء الأمة الإسلامية بوصفها مصدر السعادة الدنيوية والأخروية، ومنطلق العمل من أجل رضا الخالق جل وعلا، وعزة المسلمين في واقعهم الإنساني كان النورسي نتاجًا لبيئة إسلامية صالحة أهلته ليقوم بدور الداعية الإسلامي الناضج الذي يحفظ شعلة الإسلام مضيئة في مرحلة من أصعب فترات الأمة الإسلامية في تركيا أثرت على الوجود الإسلامي وعصفت بالمسلمين، فهيأ الله النورسي ليرفع الشعلة ويحافظ عليها من خلال سلوكه ودعوته معًا.
● مولده:
ولد النورسي عام ۱۲۹۳ هـ - ١٨٧٣ م، بقرية نورس، قضاء خيزان بولاية بتليس شرق الأناضول، وزمن الميلاد هذا كان يؤذن بأحداث جسام انتهت في شبابه ونضجه إلى إلغاء الخلافة الإسلامية، وتتريك المسلمين، بمعنى نقلهم إلى العلمانية، ومحاولة استئصال الإسلام من النفوس والقلوب.
جاء سعيد إلى الدنيا، لأب صوفي يدعى میرزا، كان يضرب به المثل في الورع، حتى إنه إذا عاد بمواشيه من المرعى شد أفواهها لئلا تأكل. من مزارع الآخرين. ويروى أن أمه وكانت تدعى نورية، قالت إنها ما أرضعت أطفالها إلا وهي على طهر ووضوء (۱).
● بيئة صالحة.. ورؤية ثاقبة:
سعيد إذًا ابن بيئة أسرية صالحة ونقية، ثم إنه حفظ القرآن الكريم والحديث الشريف وحصل العلوم الشرعية، وكان يملك ذكاء خارقًا وملكة حفظ غير عادية، وتعرف إلى أعلام عصره المؤثرين، ومن بينهم شاعر تركيا الشهير محمد عاكف، وكانت قصة حياته مفعمة بالأحداث والانفعالات، فجمعت إلى العلم العمل والدعوة والأسر والمحاكمات والمواجهات والنفي، على النحو الذي فصله في سيرته الذاتية، وتناولته الدراسات التي اهتمت بحياته وشخصه، ولكنها جميعًا تصب في دائرة الداعية صاحب الرؤية الثاقبة، والنظرة العميقة التي تتجاوز السطح إلى العمق والقشر إلى اللب ولعلنا نستشف هذا من قوله كنت قد حدثت خيالي في عهد صباي أي الأمرين تفضل قضاء عمر سعيد مع سلطنة الدنيا وأبهتها على أن ينتهي ذلك إلى العدم أم وجودًا باقيًا مع حياة اعتيادية ذات مشقة فرأيته يرغب في الثانية ويتأفف من الأولى، قائلًا: إنني لا أريد العدم، بل البقاء (۲).
● النورسي والقيم الخلقية للإسلام:
إن فهم موقف النورسي من فلسفة الأخلاق في ضوء القرآن الكريم لا يتم إلا بفهم سلوكه الشخصي تجاه الأحداث الصعبة، والمواقف الحساسة، فمن خلالها يمكن للباحث أن يربط بين الفكر والسلوك لهذه الشخصية الفريدة في تاريخ الدعوة الإسلامية من ناحية، ووعيه بطبيعة القيم الخلقية للإسلام من ناحية أخرى، وسوف نكتفي هنا بمثالين:
الأول: تمسكه بإسلام المؤمن وعزته عند أسره بعد دخول الروس مدينة «بتليس»، فقد جاء خال القيصر - وهو القائد العام للجبهة - ليزور معسكر الأسرى في قوصتورمة، شرقي روسيا وقام الأسرى جميعا تحية له إلا سعيد النورسي لاحظ ذلك القائد فرجع مرة ثانية أمامه فلم يعره اهتماما، فغضب القائد وقال له:
- يبدو أنك لا تعرفني..
فأجاب بديع الزمان لا... إنني أعرفك إنك خال القيصر والقائد العام.
- إذا فلم تحتقرني؟
لا، إنني لم أحتقر أحدًا، ولكنني فعلت ما تأمرني به عقيدتي ومقدساتي. وبماذا تأمرك عقيدتك؟
إنني عالم مسلم، وفي قلبي إيمان والمؤمن أفضل من عديم الإيمان، إن قيامي لك ابتذال لعقيدتي ومقدساتي ولذا لم أقم لك.
إذا، فهذا يعني أنني عديم الإيمان، وبذلك تكون احتقرتني واحتقرت جيشي واحتقرت أمتي، وكذلك احتقرت القيصر، لذا يجب تشكيل محكمة عسكرية لاستجوابك.
● محاكمة عسكرية وحكم بالإعدام:
تشكلت المحكمة، ورغب كثير من الأسرى الأتراك والنمساويين والألمان في حمل سعيد على الاعتذار إلى القائد فرفض قائلا:
- إنني أرغب في الرحيل إلى الآخرة، وأنا في حاجة إلى جواز سفر لذلك، ولا أستطيع أن أفعل ما يتعارض مع إيماني ساد الحزن معسكر الأسرى، وصدر الحكم بإعدام سعيد، وفي يوم التنفيذ حضر الجنود الروس بقيادة ضابط لأخذه إلى ساحة الإعدام فطلب سعيد أن يمهلوه خمس عشرة دقيقة ليتوضأ ويصلي، وحينذاك خاطبه القائد العام بقوله:
كنت أعتقد أنك بفعلك هذا تقصد إهانتي والتحقير من شأني، ولكنني الآن أفهم أنك بتصرفك هذا كنت تؤدي ما تأمرك به عقيدتك لذا فقد ألغيت قرار المحكمة، وأقدرك لتقواك وورعك، وأرجو قبول اعتذاري عما بدر منا من مضايقات لك (۳).
ولا شك أن عزة المؤمن تتجلى خير ما تكون هذا الموقف الذي تظهر فيه قوة الإيمان في ورباطة الجأش والثقة في الله.
أما المثال الثاني، فيمثله موقفه مع مصطفى كمال بعد انتصار الأتراك، ودعوة قادة الاستقلال السعيد كي ينضم إليهم، فقد زارهم في أنقرة، ولاحظ أن معظم النواب لا يؤدون الصلاة، كما أن سلوك مصطفى كمال وتصرفاته المعادية للإسلام أحزناه كثيرًا، وكان أن صاغ النورسي بيانًا في١٩ /۱/۱۹۲۳م، ضمنه نقاطًا عدة، كانت نتيجته بعد أن ألقاه الجنرال كاظم قره بكر القائد الأول لحركة الاستقلال أن ما يقارب ستين نائبًا قد استقاموا على التدين وأقاموا الصلاة.
استدعاه مصطفى كمال وحدث بينهما حوار، وكان مما قاله كمال:
لا ريب أننا بحاجة إلى أستاذ قدير مثلك لقد دعوناك إلى هناك للاستفادة من آرائك المهمة، ولكن أول عمل قمت به هو الحديث عن الصلاة، لقد كان أول جهودكم هنا هو بث الفرقة بين أهل هذا المجلس.
فأجابه بديع الزمان مشيرًا إليه بإصبعه في حدة باشا... باشا إن أعظم حقيقة تتجلى بعد الإيمان هي الصلاة، وإن الذي لا يصلي خائن وحكم الخائن مردود.
كانت النتيجة أن فكر مصطفى كمال إبعاده عن أنقره بحجة تعيينه واعظًا عامًا للولايات الشرقية، وبمرتب مغر، ولكن النورسي رفض هذا الطلب (٤).
من المثالين السابقين يتضح لنا مدى وعي سعيد بالمفهوم الخلقي القرآني في مواجهة الأحداث عبر سلوك يلتزم بقيم الإسلام ويستمسك بجوهرها، دون أن يرهبه موت أو يغريه عطاء، وهو ما ركز عليه في معالجته للقيم الخلقية الإسلامية، حيث يؤكد ضرورة استيعاب هذه القيم فكرًا وسلوكًا حتى تكون شخصية المسلم جديرة بالانتساب إلى الإسلام، وإقامة المجتمع الإسلامي القوي.
● فرد مسلم.. ومجتمع إسلامي:
ويلاحظ أن بديع الزمان في فهمه الفلسفة الأخلاق القرآنية، كان ينطلق من قاعدة بناء المسلم الفرد ليستقيم المجتمع الإسلامي ككل. وكثيرًا ما يمزج بين التربية الخلقية الفردية والتربية الخلقية الجماعية لتؤدي القيمة دورها في بناء الطرفين، وتشييد المجتمع الإسلامي المأمول.
إن منهج بديع الزمان يقوم في توصيفه للقيمة الخلقية على الانطلاق من الآيات القرآنية الكريمة التي تتناولها، مع الاسترشاد بالحديث الشريف، ثم يدعو إلى التطبيق من خلال سرد الأدلة العقلانية المؤيدة للقيمة سواء كانت حدثًا تاريخيًا: حدثًا شخصيًا قديمًا أو معادًا أو معاصرًا، أو عايشه ومر به، أو افتراضًا واقعيًا يصل إلى إثبات صحته... وهذا ما يجعل لكلامه وزنًا حقيقيًا ومؤثرًا، وإذا عرفنا أن كثيرًا من القضايا التي تناولتها رسائل النور، جاء ردًا على أسئلة طلاب النورسي وتلاميذه، أدركنا مدى اقترابها من الواقع والحياة، حيث يكون السلوك القيمي أساس كثير من هذه القضايا، ولعل هذا ما يجعل لاستشهاده بالحوادث والوقائع التي عايشها ومر بها تأثيرًا كبيرًا في الإقناع والقبول.
● النورسي.. والغزالي:
لقد عالج الإمام الغزالي - يرحمه الله - في إحياء علوم الدين، وشرحه لأسماء الله الحسنى فلسفة الأخلاق القرآنية، وتعمق الرجل في الحديث عن القيم الخلقية إلى درجة مدهشة ومن يتأمل حديث النورسي عن هذه القيم يلحظ تشابهًا كبيرًا بين الرجلين، وإن كان كل منهما ينتسب إلى لغة خاصة وزمن خاص وواقع خاص، فالغزالي ينتسب إلى القرن الخامس الهجري، وكانت فيه بلاد الإسلام لما تزل قوية والنورسي ينتسب إلى القرن الرابع عشر الهجري، وصارت فيه بلاد الإسلام قصعة الأمم.. لغة الغزالي تبدو أقرب إلى الأكاديمية التي تخاطب العقل أولًا، أما لغة النورسي فتبدو أقرب إلى الجماهير العامة التي تخاطب القلب أولًا، وفي اللغتين عقل وقلب، وجوهر واحد تقريبًا، وسنشير إلى بعض النماذج في ثنايا هذه السلسلة إن شاء الله.
ولكن ما نود التأكيد عليه هنا، أن دور النورسي في مرحلة انهيار الخلافة الإسلامية وتمزيق العالم الإسلامي شر ممزق، كان دورًا مهمًا للغاية، فقد توقع هذه الكارثة، ونبه الحكام إلى أن القرن الجديد العشرين الميلادي قرن العلم، ولا تكفي فيه المدارس الدينية التي تكتفي بدراسة العلوم الشرعية، ولكن أحدًا من الحكام لم يتلفت إلى تنبيه النورسي، وكان عليه أن يحمل هموم الأمة، ويقوم بأعباء الرسالة التي نذر لها نفسه وحياته وكل لحظة من وقته بعيدًا عن المحافل السياسية وأروقتها، وانكب على تأليف رسائل النور ونشرها بين طبقات الأمة في ظروف غاية في الدقة والصعوبة ليهيئ بها مجتمعًا إسلاميًا كاملًا يتدفق بالإيمان والحيوية (٥).
أضواء على القيم الإيجابية والسلبية معًا:
ويمكن القول إن رسائل النور قد تناولت معظم القيم الخلقية الإسلامية إن لم يكن كلها بطريقة أو بأخرى، وإن كانت اللماعات على وجه خاص قد احتشدت لها بطريقة مركزة، وفي رسائل النور نستطيع أن نجد تناولًا للقيم الإيجابية والسلبية.
فهناك من الأولى: الإخلاص، الأخوة، الاستغفار، الاستقامة، الاقتصاد، الأمانة، الإنصاف، الإيثار، التربية الإسلامية، التنظيف، والتطهير، التواضع، العفة، التوكل، التساند، التعاون، التضحية، الحب، الحسنة، الخير، الشجاعة، السخاء، الصبر، الصدق، العدل، العزة، العمل، الكرامة، الكرم، المحبة، الوفاء، الهمة....
ومن الأخرى: الإفراط، والتفريط، الإسراف، البخل، البدعة، التخريب، التكبر، الحرص، عشق، الدنيا، الرياء، السفاهة، السيئة، الشهرة، الشهوات، العبث، الغرور، الكبائر، الإعجاب، بالنفس، الأنانية، الهوى.
وقد يتناول النورسي كل قيمة من هذه على حدة، وقد يتناول القيمة الإيجابية ونقيضتها السلبية في آن، وفق الموقف الذي يعالجها من خلاله وفيما يلى من حلقات سنرى كيف عالج النورسي بعض هذه القيم، وأقول بعض، لأن الإلمام بها جميعًا يحتاج إلى كتاب ضخم لا تحتمله هذه المناسبة..
الهوامش:
(۱) بديع الزمان سعيد النورسي، سيرة ذاتية، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ط، سوزلر للنشر القاهرة ١٤١٩هـ - ١٩٩٨ م ص ٣٥ وما بعدها. وانظر سمير رجب محمد الفكر الأدبي والديني عند الداعية الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي، ط2، سوزلر للنشر، القاهرة ١٤١٦هـ ، ١٩٩٥ م ص ١٩.
(۲) الفكر الأدبي والديني.. ص ١٩.
(۳) سيرة ذاتية، ص ۱۳۰ - ۱۳۱، وإحسان قاسم الصالحي، بديع الزمان سعيد النورسي نظرة عامة عن حياته المختار الإسلامي للنشر، القاهرة، د.ت، ص ٥٣، وما بعدها.
(٤) سيرة ذاتية ۱۸۱ - ۱۸۷، وتتضمن البيان الذي وجهه النورسي كاملًا بعنوان «خطاب إلى مجلس الأمة..
(٥) بديع الزمان سعيد النورسي: نظرة عامة عن حياته، ص ١١ – ١٥.